بقلم: د. وليد العزبي
في زمنٍ كانت فيه الكلمة تُخيف، والسطر يُراقَب، خرج رجل من صعيد مصر يحمل في جيبه قلمًا، وفي قلبه دهشة العالم.
لم يكن أنيس منصور مجرد كاتبٍ يملأ الصحف، بل كان صوتًا يعرف كيف يمزج الفلسفة بالحياة، والعقل بالعاطفة، والدهشة بالبساطة¹.
وُلِد في قريةٍ تغفو على ضفاف النيل، لكنه لم يرضَ أن يكون ابن الريف الهادئ. كانت عيناه منذ الصغر معلّقتين بالسماء، وأذناه مصغيتين إلى همس الكتب.
حفظ القرآن صغيرًا، ثم حفظ العالم كبيرًا؛ فقرأه صفحةً صفحة، وسافر في أرجائه كما يسافر القلب في الحلم².
لم يكن أنيس فيلسوفًا أكاديميًّا ولا صحفيًّا متعجّلًا، بل كان جسرًا بين الاثنين: كتب عن الفلسفة بروح الصحفي، وعن الحياة بعين الفيلسوف³.
يكتب كما يتنفس، ويضحك كما يتفكّر، ويخشى أن ينام قبل أن يودّع يومه بجملة جديدة⁴.
في صالون العقاد… ميلاد الفكر من رحم الهيبة
كان القدر يُخبّئ لأنيس معلمه الأول، الأديب الكبير عباس محمود العقاد، الذي سيصبح بوابة عبوره من عالم القراءة إلى عالم الفكر⁵.
دخل أنيس صالون العقاد شابًا خجولًا في مطلع الخمسينيات، فخرج منه رجلًا يؤمن بأن الكلمة موقف، وأن الفكر لا يولد من الحبر بل من الحرية⁶.
انبهر أنيس بصلابة العقاد الفكرية وسعة معارفه، بينما أُعجب العقاد بخفة روح تلميذه وذكائه الوقّاد.
نشأت بينهما علاقة نادرة تجمع احترام التلميذ لشيخه وطموح المفكر الناشئ، فكانت ثمرة هذا التلاقي كتابه الشهير في صالون العقاد كانت لنا أيام، الذي خلد فيه أستاذه لا كتمثالٍ من الكبرياء، بل كإنسانٍ مملوءٍ بالأسئلة والشكوك والمجد الشخصي.
وفي كل صفحة من ذلك الكتاب نلمح أنيسًا وهو يعترف ضمنًا أن العقاد علّمه أن يفكّر بصوتٍ عالٍ ويختلف بأدبٍ وشجاعة⁷.
حول العالم… في مئتي دهشة
حين كتب حول العالم في 200 يوم، لم يكن يروي رحلةً جغرافية، بل رحلةً داخل الإنسان نفسه⁸.
زار القارات، وطاف المعابد، وتأمل وجوه الناس، ثم عاد ليقول لنا:
“كل إنسان وطن، وكل وطن إنسان.”⁹
اكتشف أن الفرق بين الشرق والغرب ليس في الزمن، بل في طريقة التفكير¹⁰.
وفي كل محطةٍ من رحلاته كان يترك أثرًا من دهشته المصرية الأصيلة التي تجمع بين الذكاء والفكاهة والفضول.
مع السادات… بين الفكرة والقرار
حين اقترب من الرئيس أنور السادات، لم يكن تملّقًا، بل تلاقي عقلين يؤمنان بالحوار¹¹.
كان السادات يرى فيه مفكرًا صادقًا، وكان أنيس يرى في السادات رجلًا يقرأ التاريخ بعين الوطن¹².
تبادلا الأفكار لا المجاملات، حتى صار أنيس يُعرف بـ فيلسوف الرئيس — لقب لم يطلبه، لكنه استحقّه¹³.
كتب مقالاته كما لو كانت رسائل إلى وطنٍ متعبٍ يحتاج إلى كلمةٍ طيبة، ولما رحل السادات كتب عنه بكلماتٍ تنزف حبًّا ووفاءً:
“كان السادات يقرأ الغيب بعين الوطن، ويبتسم للمستقبل كما يبتسم طفلٌ يعرف أنه سيُشفى غدًا.”¹⁴
الكاتب الذي كتب نفسه
لم يكن لأنيس أبناءٌ من لحمٍ ودم، لكنه ترك وراءه مئات الأبناء من الحروف والكلمات¹⁵.
كانت كتبه بيته، وأوراقه مرآته.
كتب عن المرأة والعقل والموت والدهشة، وخلّف أكثر من 170 كتابًا كلها تشبهه: أنيقة، ذكية، ساخرة من الوجع دون أن تجرّح¹⁶.
قال ذات مرة:
“الحياة أقصر من أن نقضيها في الحزن، وأعمق من أن نعيشها بلا تفكير.”¹⁷
تلك كانت فلسفته: البساطة التي تُخفي تحتها بحارًا من التأمل.
الرحيل بصمت الكبار
في خريف 2011، غاب أنيس منصور كما يغيب قنديلٌ عن شرفةٍ قديمة¹⁸.
لم يُحدث ضجيجًا، ولم يطلب وداعًا، بل مضى بهدوء الرجل الذي كتب كثيرًا حتى تعب من الحروف.
رحل جسدًا، لكن بقي صوته في الصحف والقلوب والكتب يهمس كلما ضاقت الدنيا:
“اقرأ لتنجو، وفكّر لتعيش، واكتب لتبقى.”¹⁹
خاتمة
أنيس منصور لم يكن مجرد كاتب، بل ظاهرة أدبية وإنسانية فريدة؛
رجل عاش كما يكتب، وكتب كما يعيش: خفيفًا على الدنيا، عميقًا في الفكر، وفيًا للدهشة حتى آخر نفس²⁰.
علّمنا أن الفلسفة ليست حكرًا على القاعات الجامعية، بل يمكن أن تُقال على فنجان قهوةٍ في مقهى الأهرام،
وأن الإنسان كلما عرف أكثر، تواضع أكثر وابتسم أكثر²¹.
الهوامش
1. وصف النقاد له بأنه “كاتب يمشي على حافة الفلسفة دون أن يسقط فيها.”
2. من يوميات ونيس.
3. مقدمة الوجود والعدم في الفلسفة الحديثة.
4. من حواره في مجلة الهلال، 1979.
5. في صالون العقاد كانت لنا أيام، مقدمة الطبعة الأولى.
6. المصدر نفسه، فصل “تلميذ العقاد”.
7. مقابلة مع أنيس منصور، التلفزيون المصري، 1985.
8. حول العالم في 200 يوم، مقدمة الطبعة الأولى.
9. من حواراته التلفزيونية حول الفروق بين الشرق والغرب.
10. من كتاب العالم إلى أين؟
11. عبد الناصر والسادات كما عرفتهم.
12. المصدر نفسه.
13. أطلق عليه الصحفيون لقب “فيلسوف الرئيس” بعد توليه رئاسة تحرير مجلة أكتوبر عام 1976.
14. من السادات الحقيقة والأسطورة.
15. مقاله “أبنائي الورقيون.”
16. مقدمة كتاب قالوا.
17. مقاله “فلسفة الابتسامة.”
18. من تأبين الصحافة المصرية له، 22 أكتوبر 2011.
19. آخر مقابلة تلفزيونية قبل وفاته بشهرين.
20. من مقاله في مجلة أكتوبر، أكتوبر 2008.
21. خلاصة فكرية من مجمل مقالاته الفلسفية.