زيارة ماكرون إلى الصين: حين تتقاطع الجغرافيا مع المصالح… وتبحث أوروبا عن ظلّها
بقلم د. وليد العزبي
في عالمٍ يميل شيئًا فشيئًا إلى ثنائيةٍ صلبة بين واشنطن وبكين، تبدو زيارة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى الصين محاولةً جريئة لإعادة رسم ملامح خريطة لم تكتمل بعد. زيارةٌ تختلط فيها حسابات الجغرافيا السياسية بنبض المصانع الأوروبية، وتتداخل فيها معادلات الحرب في أوكرانيا وغزة مع هواجس الصناعة والطاقة والصلب والسيارات الكهربائية. ليست زيارة بروتوكول… بل رحلة بحث عن مستقبل قارة تتساءل اليوم: هل يمكن لأوروبا أن تبقى فاعلًا مستقلًا في عالم يعيد تشكيل موازينه؟¹
أولًا: بكين… المرآة التي ترى فيها أوروبا وزنها الحقيقي
منذ سنوات يرفع ماكرون شعار «الاستقلالية الاستراتيجية»²، وهو شعارٌ يتردد في أروقة بروكسل فتثور الأسئلة:
هل المقصود استقلالية عن واشنطن؟ أم عن بكين؟ أم عن ذلك الإرث النفسي الذي يعتقد أن أوروبا ما زالت مركز العالم؟
يعيد ماكرون الشعار ذاته اليوم، ولكن بنبرةٍ أهدأ مما كانت عليه تصريحاته في أبريل 2023 بشأن «عدم التبعية للولايات المتحدة في ملف تايوان»³. الرسالة واحدة:
فرنسا تسعى لأن تكون قوة ثالثة، لا مجرد تابع في معادلة الأطلسي.
الصين تستقبل هذه الرسالة بدهاءٍ سياسي، مدركةً أن أوروبا تبحث عن دور جديد في عالم لم يعد يمنحها مكانة تلقائية. وقد ناقشت المفوضية الأوروبية منذ 2019 أن الصين ليست شريكًا فحسب، بل منافس نظامي يعيد رسم قواعد العالم⁴.
ومع ذلك، تمنح بكين ماكرون صورة «الصوت الأوروبي» في الشرق، حتى وإن لم يكن مفوضًا رسميًا لتمثيل القارة⁵.
ثانيًا: أوكرانيا وغزة… حين تبحث السياسة عن وسيطٍ لا عن صديق
تضمّن البيان المشترك بين باريس وبكين تأكيد دعم «حل سياسي» للنزاع في أوكرانيا، والدعوة إلى وقف إطلاق النار واحترام القانون الدولي في غزة⁶.
وبهذا أرادت باريس أن تؤكد للعالم أنها تستطيع الحديث مع الجميع، في وقت تتعامل فيه واشنطن مع بعض الملفات من خلف الستار⁷.
أما الصين، فترى في هذا الدور فرصة لإبراز نفسها كقوة مسؤولة في الأزمات الدولية، ضمن استراتيجية متصاعدة للوساطة⁸.
ومع ذلك، تبقى الواقعية السياسية حاكمةً للمشهد:
• الصين لن تضغط على موسكو بما يضر مصالحها،
• وفرنسا لن تغادر عباءة الناتو أو مسار الغرب لأجل بكين⁹.
إنه فن قول الكثير… دون التورط في شيء.
ثالثًا: الاقتصاد… العقدة الحقيقية ومحرك الزيارة
الاستقلالية الاستراتيجية قد تُرضي الخطابات، لكن التجارة لا ترحم.
تشير بيانات المفوضية الأوروبية إلى أن العجز التجاري بين الاتحاد الأوروبي والصين تجاوز 400 مليار يورو في 2022–2023، بينما بلغ العجز الفرنسي في بعض السنوات نحو 47 مليار يورو¹⁰.
وتشعر الصناعات الأوروبية – من السيارات الكهربائية إلى البطاريات والصلب – أنها في مواجهة موجة تنافسية صينية مدعومة بسياسات صناعية قوية¹¹.
دخل ماكرون إلى بكين بخطاب مباشر:
• إمّا فتح الأسواق الصينية أمام المنتجات الفرنسية،
• وإما لجوء أوروبا إلى رسوم جمركية «على الطريقة الأمريكية»¹².
الصين استمعت… لكنها لم تقدّم تنازلات كبيرة. فهي تدرك أن شركات مثل Airbus والمنتجات الفاخرة والطاقة والزراعة الفرنسية لا يمكنها الاستغناء عن السوق الصينية¹³.
ومع ذلك حصل ماكرون على وعودٍ تتعلق بالنفاذ للسوق والتكنولوجيا الخضراء والحدّ من الإغراق في السيارات الكهربائية¹⁴.
أما «الباندا الدبلوماسية» التي أعلنت الصين إهداءها لفرنسا، فهي جزء من أدوات القوة الناعمة التي ترافق غالبًا مفاوضات اقتصادية أكثر صلابة¹⁵.
رابعًا: أوروبا… القارة التي تبحث عن ذاتها في عيون الآخرين
لا تُقرأ زيارة ماكرون في باريس فقط، بل في كل أوروبا:
• في ألمانيا، حيث تخشى الصناعات – خاصة السيارات – صدامًا مع الصين، الشريك التجاري الأكبر¹⁶.
• في شرق أوروبا، حيث تُثار المخاوف من أن يؤدي التليين الفرنسي إلى إرباك الجبهة الغربية الموحدة تجاه موسكو وبكين¹⁷.
• وفي بروكسل، حيث يُنظر إلى الزيارة كفرصة للتفاوض، ولكن أيضًا كمسار منفرد قد يضعف وحدة القرار الأوروبي¹⁸.
إنها معضلة القارة:
اعتماد أمني كامل على الولايات المتحدة… وارتباط اقتصادي عميق بالصين.
وبين الاعتمادين تتلاشى أحيانًا «استقلالية ماكرون» التي يحلم بها.
خامسًا: قراءة في المشهد… منطق القوة وحقائق البراغماتية
لم تعد أوروبا تدخل علاقتها مع الصين بعينين مغمضتين.
فالصين اليوم:
• منافس اقتصادي،
• وتحدٍ تكنولوجي،
• وقوة نظامية تعيد تشكيل بنية النظام الدولي¹⁹.
ويرى العديد من الباحثين أن بكين تستفيد من تباين المواقف الأوروبية، فتقترب من باريس لتربك بروكسل قليلًا، وتُظهر لواشنطن أن الغرب ليس كتلة واحدة²⁰.
خاتمة: زيارة بين الممكن والمستحيل
زيارة ماكرون إلى الصين ليست نصرًا كاملًا ولا إخفاقًا تامًا.
إنها خطوة في لعبة أكبر تُكتب قواعدها الآن:
• اقتصاد يتغير،
• تحالفات تعيد تعريف نفسها،
• وقارة تبحث عن مكان لا ينتمي إلى ماضيها ولا يتشكّل بعد في مستقبلها.
قد يعود ماكرون من بكين بصورٍ جيدة ومصافحات ودّية،
لكن السؤال سيظل معلقًا:
هل تستطيع أوروبا أن ترسم لنفسها طريقًا مستقلًا بين واشنطن وبكين؟ أم أن كل زيارة ليست إلا بحثًا جديدًا عن ظلٍّ يتبدد كلما اقتربت منه؟²¹
المراجع العربية المختصرة
1. تقرير المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية حول مستقبل العلاقات بين الاتحاد الأوروبي والصين (2024).
2. خطاب إيمانويل ماكرون حول «الاستقلالية الاستراتيجية»، جامعة السوربون (2020).
3. تصريحات ماكرون حول تايوان، صحيفة Politico Europe، أبريل 2023.
4. المفوضية الأوروبية، «النظرة الاستراتيجية تجاه الصين» (2019).
5. تحليل صحيفة لوموند حول دور فرنسا في الحوار مع الصين (2024).
6. البيان المشترك الصادر عن الإليزيه بشأن المباحثات الفرنسية الصينية (2024).
7. معهد بروكينغز: دراسة «مثلث القوة بين أوروبا وأمريكا والصين» (2023).
8. تشاثام هاوس: ورقة تحليلية حول دور الصين في الوساطات الدولية (2024).
9. بيانات قمم الناتو المتعلقة بالصين (2023–2024).
10. المفوضية الأوروبية: بيانات التجارة السلعية بين الاتحاد الأوروبي والصين (2022–2023).
11. تقرير منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية حول السياسة الصناعية الصينية (2023).
12. الإليزيه: إيجاز صحفي حول موقف ماكرون التجاري خلال الزيارة (2024).
13. فاينانشال تايمز: تقرير حول اعتماد القطاعات الفرنسية على السوق الصينية (2023).
14. تقارير اقتصادية لوكالة شينخوا ووكالة الأنباء الفرنسية (2024).
15. BBC: تقرير عن «دبلوماسية الباندا» (2023).
16. رابطة صناعة السيارات الألمانية: تقرير السوق الصينية (2024).
17. معهد الشؤون الدولية البولندي: تحليل موقف شرق أوروبا من الصين (2023).
18. البرلمان الأوروبي: موجز حول مخاطر تباين سياسات الدول الأوروبية تجاه الصين (2024).
19. «البوصلة الاستراتيجية للاتحاد الأوروبي» (2022).
20. مركز الدراسات الاستراتيجية الدولية: «استراتيجية الصين تجاه أوروبا» (2024).
21. مركز كارنيغي أوروبا: «سيناريوهات مستقبل الدور الأوروبي بين واشنطن وبكين» (2024).