قراءة في ميزان القانون الدولي
بقلم: د. وليد العزبي
تمهيد
حين تتهاوى حجارة البيوت في غزة تحت وطأة الحديد والنار، لا تنطفئ معها فقط أضواء المنازل، بل تُضاء في وجه العالم كلّ نصوص القانون الدولي التي أراد لها الآباء المؤسسون أن تكون صرخة ضمير قبل أن تكون بنودًا على الورق.
وفي ظل هذا المشهد المأساوي، يفرض السؤال نفسه بإلحاح: من يتحمّل قانونًا مسؤولية إعادة إعمار غزة؟
أولًا: الاحتلال لا يُعفي من المسؤولية
منذ اتفاقيات لاهاي لعام 1907 واتفاقية جنيف الرابعة لعام 1949، استقرّ في وجدان القانون الدولي مبدأٌ لا لبس فيه: أن القوة المحتلة مسؤولة عن حماية المدنيين وضمان حياتهم في الأراضي التي تسيطر عليها.
وقد نصّت المادة (43) من لائحة لاهاي على أن “سلطة الاحتلال ملزمة باتخاذ جميع التدابير لإعادة النظام العام وصيانته”¹، بينما أوجبت المادة (55) من اتفاقية جنيف الرابعة على الدولة المحتلة أن “تؤمن الإمدادات الغذائية والطبية للسكان المدنيين”²، وأضافت المادة (59) وجوب السماح بمرور الإغاثة إذا عجزت هي عن ذلك³.
وبناءً على هذه القواعد، فإنّ إسرائيل – بصفتها صاحبة السيطرة الفعلية على غزة جوًا وبحرًا وحدودًا – تتحمّل المسؤولية القانونية الأولى عن إعادة إعمار ما دمّرته، ليس بوصفها متفضّلة، بل لأنها ملزمة بموجب القانون الدولي الإنساني.
وقد أكدت محكمة العدل الدولية هذا المبدأ في رأيها الاستشاري الصادر عام 2004 بشأن الجدار الفاصل، حين قررت أن استمرار الوجود الإسرائيلي في الأراضي الفلسطينية المحتلة يُعدّ غير مشروع، وأن على إسرائيل “إزالة آثار فعلها غير المشروع وجبر الضرر الناتج عنه”⁴، كما كرّرت المحكمة ذات المعنى في رأيها الأحدث الصادر عام 2024 بشأن عواقب استمرار الاحتلال⁵.
ثانيًا: شركاء في الفعل.. شركاء في الإعمار
القانون الدولي لا يعترف بما يمكن تسميته بـ“براءة الذمّة السياسية”. فالدول التي تُقدّم دعمًا عسكريًا أو ماليًا لدولة تنتهك القانون الدولي الإنساني وهي على علم بانتهاكاتها، تُصبح شريكة في الفعل، استنادًا إلى المادة (16) من مشروع لجنة القانون الدولي بشأن مسؤولية الدول عن الأفعال غير المشروعة دوليًا⁶.
كما تنصّ المادة المشتركة (1) من اتفاقيات جنيف الأربع لعام 1949 على أن الدول الأطراف “تتعهد باحترام هذه الاتفاقية وضمان احترامها في جميع الأحوال”⁷، وهو التزام إيجابي يفرض عليها ليس فقط الامتناع عن الانتهاك، بل كذلك اتخاذ التدابير اللازمة لمنع غيرها من انتهاكه.
وعليه، فإنّ الدول التي سلّحت أو موّلت أو وفّرت غطاءً دبلوماسيًا للعمليات العسكرية التي دمّرت غزة، تتحمّل جزءًا من عبء الإعمار والتعويض، لا من باب الكرم السياسي أو المساعدات الإنسانية، بل من منطلق المسؤولية القانونية التبعية المقرّرة في قواعد المسؤولية الدولية.
ثالثًا: من برلين إلى غزة… التاريخ يعيد الدرس
بعد الحرب العالمية الثانية، وُضعت ألمانيا أمام المجتمع الدولي لتتحمل تبعات الدمار الذي خلّفته. فأقرت تعويضات مالية جسيمة، وقدّمت لإسرائيل وحدها ثلاثة مليارات مارك ألماني بموجب اتفاق لوكسمبورغ لعام 1952⁸.
كان ذلك تنفيذًا لمبدأ قانوني وإنساني واحد: أن من أحدث الضرر يجب أن يتحمّل تكاليف إصلاحه.
واليوم، يُعيد التاريخ الدرس ذاته على من دمّر غزة: أليس من العدالة ذاتها أن يتحمّل الفاعل تعويض المفعول به؟
فكما خرجت أوروبا من رماد برلين لتعيد بناء إنسانها وحجارتها، يحقّ لغزة – وهي شاهدة هذا القرن على المأساة – أن تُبنى بمال من هدمها لا بفتات المانحين.
رابعًا: نحو عدالة إعمارية لا إحسانية
إنّ إعادة الإعمار ليست عملاً خيريًا أو تبرعًا سياسيًا، بل واجب قانوني دولي تحكمه قواعد جبر الضرر (Reparation) في القانون الدولي العام.
وتقوم هذه القواعد على مبدأ “إعادة الحال إلى ما كان عليه قدر الإمكان” (Restitutio in integrum)، الذي أقرّته محكمة العدل الدائمة في قضية مصنع شورزو (Chorzów Factory) سنة 1928⁹، واعتبرته قاعدة عامة في جبر الأضرار الناتجة عن الأفعال غير المشروعة دوليًا.
وبناءً على هذا المبدأ، فإنّ إعادة إعمار غزة يجب أن تُدار كـ عملية عدالة إصلاحية، تُنظّمها آلية دولية واضحة، عبر إنشاء صندوق أممي لإعمار غزة تُسهم فيه إسرائيل والدول المشاركة في العدوان بنسب تتناسب مع مسؤولياتها القانونية، تحت إشراف أممي مستقل، وبمعايير تضمن الشفافية والعدالة، وتمنع تحويل الإعمار إلى إعادة إنتاجٍ للدمار.
خامسًا: القانون والضمير… وجهان لمعنى واحد
وفي ميزان القانون والضمير، لا تُقاس المسؤولية بما يُعلن من بيانات، بل بما يُبنى من حجارة ويُجبَر من قلوب.
فـ إعمار غزة ليس عملاً هندسيًا، بل امتحانًا أخلاقيًا وإنسانيًا لحضارةٍ تزعم أنها تحكم العالم بالقانون.
إنّ القوانين، في جوهرها، لا تنطق إلا بما يُمليه الضمير الإنساني.
فحين يُهدم البيت على أهله، لا تكفي المساعدات المؤقتة، بل يجب أن يُعاد بناء البيت والحق معًا.
وإذا كان القانون الدولي قد ألزم ألمانيا بالأمس أن تُصلح ما أفسدته في أوروبا، فإنّ المنطق والعدالة اليوم يُلزمان إسرائيل – ومن أعانها – أن يُعيدوا إعمار غزة حجَرًا وحياةً، وأن يُعيدوا للإنسان الفلسطيني حقه في العيش الكريم، لا كمنّةٍ، بل كدينٍ في رقابهم.
الهوامش
1. لائحة لاهاي بشأن قوانين وأعراف الحرب البرية لعام 1907، المادة (43).
2. اتفاقية جنيف الرابعة بشأن حماية المدنيين وقت الحرب لعام 1949، المادة (55).
3. المرجع نفسه، المادة (59).
4. محكمة العدل الدولية، الرأي الاستشاري حول الآثار القانونية لبناء جدار في الأرض الفلسطينية المحتلة، 9 يوليو 2004، الفقرتان 159–160.
5. محكمة العدل الدولية، الرأي الاستشاري بشأن عواقب استمرار الاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية، لاهاي، 2024.
6. لجنة القانون الدولي، مشروع مواد مسؤولية الدول عن الأفعال غير المشروعة دوليًا، 2001، المادة (16).
7. المادة المشتركة (1) من اتفاقيات جنيف الأربع لعام 1949.
8. اتفاق لوكسمبورغ بين ألمانيا الغربية وإسرائيل، 10 سبتمبر 1952.
9. محكمة العدل الدائمة، قضية مصنع شورزو (ألمانيا ضد بولندا)، حكم 13 سبتمبر 1928، الفقرة (125).