بقلم: د. وليد العزبي
لم تعد قبرص تلك الجزيرة المتوسطية الوديعة التي تقف على هامش الصراعات الكبرى. فمنذ حرب غزة وما تلاها من توترات إقليمية متسارعة، أخذت الجزيرة الصغيرة تتحوّل — بهدوءٍ لافت — إلى عقدة جيوسياسية بالغة الحساسية، تتقاطع فوقها خطوط الحرب والطاقة والاستخبارات والهوية. واللافت، بل الدالّ، أن اللغة العبرية بدأت تفرض حضورها في الفضاء العام القبرصي، لا بوصفها لغة أقليّة مهاجرة فحسب، بل كأحد مؤشرات النفوذ المتنامي.
من الحياد إلى الوظيفة
تاريخيًا، سعت قبرص إلى لعب دور “الوسيط الهادئ” في شرق المتوسط، مستندةً إلى موقعها الجغرافي وعضويتها في الاتحاد الأوروبي. غير أن ما بعد أكتوبر 2023 أعاد تعريف هذا الدور جذريًا. فقد أصبحت الجزيرة منصة خلفية ذات وظائف لوجستية وبشرية داعمة لإسرائيل: مركز إجلاء، نقطة انتظار، وعمق عملياتي صامت. وهكذا، انتقلت قبرص من الحياد الرمزي إلى أداء وظيفة استراتيجية محددة.
العبرية كلغة نفوذ
لا يوجد قرار رسمي يُصنّف العبرية لغة ثانية في قبرص، لكن الواقع الاجتماعي والاقتصادي يوحي بغير ذلك. لافتات بالعبرية في لارنكا وليماسول، خدمات سياحية وعقارية موجّهة خصيصًا للإسرائيليين، مدارس خاصة وبرامج تعليم، وموظفون يتحدثون العبرية في المطارات والفنادق. هذه ليست مجرد مظاهر ثقافية عابرة؛ إنها لغة نفوذ، تتحوّل فيها اللغة إلى أداة استقرار طويل الأمد، وإلى مؤشر على تشكّل شبكات اقتصادية وأمنية واجتماعية متداخلة.
لماذا قبرص؟
الجواب مركّب وبسيط في آن: القرب الجغرافي من إسرائيل، الغطاء السياسي الأوروبي، ووجود قواعد بريطانية تاريخية ذات أدوار وظيفية قائمة. في لحظات التصعيد، تُستخدم الجزيرة كـ”غرفة طوارئ خارجية”: إعادة تموضع للطائرات الحساسة، عقدة مراقبة، وملاذ احتياطي. وبالنسبة لقبرص، تبدو المعادلة واضحة: أمن واستثمار مقابل سيادة رمزية.
تحالفات شرق المتوسط
تتغذّى هذه التحوّلات من تحالف ثلاثي متماسك: قبرص–اليونان–إسرائيل، في مجالات الطاقة والدفاع والمراقبة البحرية. تحالفٌ يستمد شرعيته من الغاز ومن المظلّة الغربية، لكنه في المقابل يُدخل الجزيرة في قلب الاستقطاب الإقليمي، ويُضعف قدرتها على الادعاء بالحياد الكامل.
المخاطر المؤجَّلة
إن تحوّل العبرية إلى حضور واسع في المجال العام القبرصي ليس مسألة ثقافية بريئة، بل إنذار سياسي مبكر. فاللغة، حين تنتشر، تسبق الجغرافيا وتستدعي السياسة. ومع كل تصعيد إقليمي، تتآكل مساحة المناورة القبرصية، وتقترب الجزيرة — شاءت أم أبت — من دائرة الاستهداف غير المباشر، سواء عبر الضغط السياسي أو التهديد الأمني.
المفارقة
العربية حضرت في قبرص بحكم الجوار والهجرة، أما العبرية فحضرت بحكم القوة والوظيفة. وبين اللغتين، تتكشّف الحقيقة الأعمق: ما يجري ليس تعددًا ثقافيًا، بل إعادة تموضع استراتيجي صامت.
خاتمة
قبرص اليوم ليست مجرد جزيرة تتغيّر لغتها في الشارع، بل دولة يُعاد تشكيل دورها الإقليمي في صمت محسوب. وحين “تتكلم” الجزر العبرية، فإنها لا تفعل ذلك حبًا في اللغة، بل لأن الجغرافيا قررت أن تكون سياسة، ولأن السياسة قررت أن تتخفّى في اللغة.
الخلاصة: انتشار العبرية في قبرص ليس ظاهرة لغوية، بل علامة على انتقال جزء من الثقل الاستراتيجي الإسرائيلي إلى الخارج، باستخدام الجزيرة كامتداد عملي مغطّى بشرعية أوروبية — تحوّلٌ يحمل أرباحًا آنية، ومخاطر مؤجَّلة.