سياسة

الملك فهد… رجل العروبة الذي قرأ خرائط الأمة قبل أن تهبّ العواصف

April 26, 2026 admin لا توجد تعليقات

بقلم: د. وليد العزبي

لم يكن الملك فهد بن عبد العزيز – رحمه الله – حاكمًا عابرًا في دفتر السياسة، بل حالة قيادية استثنائية صاغتها التجربة، وبلورتها القراءة المبكرة لمعادلات الشرق الأوسط. كان مشروع دولة يمشي على قدمين، ورؤية عربية تتشكّل مبكرًا في وعي شابٍ رأى أن الأمة ليست قصاصة جغرافية، بل شبكة مصائر متداخلة؛ إذا انقطع خيطٌ واحد، اهتزّ النسيج كله.

ومن يتأمل مسيرته قبل توليه العرش يدرك أن الرجل امتلك قدرة نادرة على رؤية ما وراء اللحظة، وعلى الإمساك بالخيط الرفيع بين المبدأ والمصلحة، بين واقعية الدولة وكرامة الأمة.


1967… لحظة الهزيمة التي أعادت تعريف المسؤولية

عندما دوّى زلزال نكسة يونيو 1967، لم يتعامل فهد – بصفته أحد أعمدة القرار السعودي – مع الهزيمة كخلاف سياسي مع القاهرة، بل كجرحٍ عربي مفتوح يهدد الوجود قبل الجغرافيا.

وتُظهر محاضر قمة الخرطوم 1967 الدور الحيوي للوفد السعودي، حيث كان فهد من الأصوات المُلحّة على دعم مصر وسوريا لإعادة بناء ما تحطم¹. وفي وثائق FRUS، تبدو السعودية أكثر دول المنطقة إصرارًا على منع انهيار القدرات المصرية²، في لحظة كانت فيها أنفاس القاهرة امتدادًا لأنفاس العرب جميعًا.

وكان فهد يكرر في الجلسات المغلقة عبارة تحولت إلى رؤية استراتيجية:
“سقوط القاهرة يعني سقوط العرب.”³
لم تكن مجرد جملة… بل خلاصة فلسفة أمن قومي عربي أدرك مبكرًا أن مصر هي حجر الزاوية، وأن انهيارها ليس حدثًا محليًا بل زلزالًا إقليميًا.


حرب أكتوبر… حين امتزج النفط بالكرامة

وبلغت الرؤية ذروتها في حرب أكتوبر 1973. فبحسب وثائق الخارجية الأمريكية، كان فهد أحد أكثر الداعمين لاستخدام النفط كأداة ضغط سياسي⁴. وتشير نشرات الأوابك إلى أن السعودية قادت قرار حظر تصدير النفط إلى الدول الداعمة لإسرائيل⁵؛ ذلك القرار الذي زلزل الأسواق، وأعاد صياغة علاقة الشرق الأوسط بالعالم.

وكان فهد يردد في اجتماعات مجلس الوزراء:
“إذا كان الدم العربي ينزف على الجبهة، فلا يجوز أن ينساب النفط كالماء.”⁶

ووصف الباحث إريك ماندل هذا التحول بأنه “اللحظة التي اكتشف فيها الغرب أن العرب قادرون على تغيير موازين القوة إذا توحّدوا.”⁷


لبنان… حين ارتفع صوت الدولة فوق ضجيج البنادق

وحين اشتعلت شرارة الحرب الأهلية اللبنانية عام 1975، توزع العرب بين من ينتظر ومن يراهن. لكن فهد اختار الاتجاه الأصعب: صوت الدولة فوق السلاح.

وتشير وثائق جامعة الدول العربية إلى أن السعودية كانت صاحبة الدور الأبرز في دعم مبادرات وقف إطلاق النار والحفاظ على مؤسسات الدولة⁸. كان فهد يرى أن سقوط لبنان لا يعني سقوط بلدٍ صغير، بل انهيار بوابةٍ من بوابات الأمن العربي.


مجلس التعاون… رؤية سبقت زمنها

ولأن الخليج كان دائمًا في بؤرة العاصفة، أدرك فهد مبكرًا أن وحدته ليست رفاهية سياسية، بل ضرورة وجودية. تؤكد وثائق التأسيس أن فهد كان من أوائل مهندسي فكرة مجلس التعاون الخليجي⁹، إيمانًا منه بأن الخليج “عمارة واحدة؛ إذا سقط سقفها انهارت جدرانها”.

وبالفعل، تحولت الفكرة إلى منظومة أمنية واقتصادية أصبحت إحدى ركائز الاستقرار الإقليمي.


مصر… البوصلة التي لم ترتجف

ورغم كل الملفات التي عبرت أمامه، بقيت مصر محورًا ثابتًا في رؤية الملك فهد. لم يتعامل معها كخيار، بل كضمانة. كركيزة يتوازن بها الإقليم كلما اضطرب.

ويشير ويليام كواندت إلى أن السعودية حافظت – بعد حرب أكتوبر – على دعمٍ اقتصادي وسياسي مستمر لمصر “انطلاقًا من قناعة استراتيجية بمركزية دورها العربي”¹⁰.

كان فهد يفهم معادلة التاريخ:
مصر ليست دولة تُخاصم… بل سندٌ إذا انكسر، انكسر معه جدار العرب.


الرسالة التي تركها فهد…

بعد رحيل الملك فهد، بقي أثره السياسي أشبه ببوصلة في زمن الضباب. ترك رسالة تقول إن القيادة ليست ضجيجًا ولا صخبًا، بل قدرة على رؤية ما لا يراه الآخرون، وعلى حماية الأمة من اللحظة قبل أن تبتلعها العاصفة.

ولعل أهم ما ورّثه للعواصم العربية هو تلك الحكمة البسيطة العميقة:
أن القوة ليست في الصوت المرتفع، بل في القدرة على قراءة الخطر قبل أن يتشكّل.
وأن إدراك قيمة مصر ليس تفضّلًا سياسيًا… بل وعيٌ بمستقبل المنطقة كلها.


الهوامش:
1. محاضر قمة الخرطوم 1967، الأرشيف القومي السوداني.
2. وزارة الخارجية الأمريكية، FRUS، المجلد 21، 1967–1969.
3. أرشيف وزارة الإعلام السعودية، ملف “العلاقات العربية 1967”.
4. FRUS، ملف أزمة الطاقة 1973.
5. منظمة الأوابك، النشرة الرسمية، أكتوبر 1973.
6. محاضر جلسات مجلس الوزراء السعودي، أكتوبر 1973.
7. إريك آر. ماندل، دراسات في أزمة الطاقة 1973.
8. جامعة الدول العربية، أرشيف الملف اللبناني 1975–1976.
9. مجلس التعاون لدول الخليج العربية، وثائق التأسيس 1981.
10. وليم ب. كواندت، عملية السلام، بروكينغز 2001.

المقال التالي ← → المقال السابق