بقلم: د. وليد العزبي
أولاً: النص محل الخلاف
نصّت المادة 105 من مشروع قانون الإجراءات الجنائية الجديد على:
“يجب أن يُمكَّن محامي المتهم من الاطلاع على التحقيق قبل الاستجواب أو المواجهة بيوم على الأقل، ما لم يقرر عضو النيابة العامة غير ذلك.”¹
وقد جاءت هذه المادة في إطار محاولة المشرّع تكريس ضمانات الدفاع وتعزيز مبدأ المساواة في الخصومة، وهو المبدأ الذي يقتضي أن تُتاح للمتهم نفس الفرص التي تتيحها الإجراءات للنيابة العامة في مواجهة الاتهام.
ثانيًا: الاعتراضات المثارة
- اعتراض رئيس الجمهورية
اعترض رئيس الجمهورية على هذه المادة ضمن مجموعة مواد أخرى، معتبرًا أنها تخل بالتوازن بين حقوق المتهم ومصلحة التحقيق، وأنها قد تثير تناقضًا مع المادة 64 من المشروع التي منحت مأموري الضبط القضائي سلطات استجواب استثنائية في حالات الضرورة، دون منح النيابة أو قاضي التحقيق ذات السلطة².
- مواقف مجلس النواب
• المؤيدون للنص: أكدوا أن المادة خطوة مهمة لتعزيز ضمانات الدفاع، وأن الاستثناء الوارد فيها يحقق المرونة العملية المطلوبة.
• المعارضون: رأوا أن عبارة “ما لم يقرر عضو النيابة خلاف ذلك” تُفرغ النص من مضمونه وتفتح الباب للتحقيق دون محامٍ، بما يخالف المادة 54 من الدستور³.
• مواقف احتجاجية: انسحب بعض النواب من اجتماعات اللجنة الخاصة اعتراضًا على مقترحات تسمح بالتحقيق في غياب المحامي، وساندهم في ذلك نقيب المحامين⁴.
ثالثًا: الإطار الدستوري
تنص المادة 54 من الدستور المصري على أن:
“ولا يبدأ التحقيق معه إلا في حضور محاميه…”⁵
وهو نص صريح يُقر بأن حضور المحامي أثناء التحقيق ضمانة دستورية إلزامية. وقد استقر قضاء المحكمة الدستورية العليا على أن هذه الضمانة من ركائز المحاكمة العادلة التي كفلها الدستور، وأنها من الحقوق الملازمة للحرية الشخصية⁶.
رابعًا: التقييم الموضوعي للمادة
• الإيجابيات: إقرار حق الاطلاع المسبق خطوة مهمة تعزز المساواة في الخصومة وتُحسن من فرص الدفاع.
• السلبيات:
1. النص أضعف الضمانة بجعلها رهينة بقرار النيابة.
2. الصياغة الغامضة قد تُستخدم لتجاوز حضور المحامي، بما يصطدم مع النص الدستوري.
3. تضارب محتمل مع المادة 64 من المشروع نفسه، ما يخلق تناقضًا تشريعيًا داخليًا.
خامسًا: المقارنة التشريعية
- فرنسا
القانون الفرنسي بعد إصلاحات 1993 و2000 كفل حضور المحامي منذ لحظة التحقيق، ومنحه حق الاطلاع على محاضر الشرطة. لكن في حالات الضرورة يجوز للنيابة العامة إرجاء الاطلاع، شريطة صدور قرار مسبب مكتوب وخضوعه لرقابة قاضي الحريات. ويُشار في الفقه الفرنسي إلى هذا الضمان باسم مبدأ تكافؤ السلاح، الذي يقابله في الفقه المصري مبدأ المساواة في الخصومة⁷.
- إيطاليا
القانون الإيطالي يقرّ بحق الدفاع في الاطلاع والحضور، مع استثناءات محدودة في قضايا الإرهاب والجريمة المنظمة، حيث يمكن للمدعي العام تقييد الاطلاع لفترة محددة، على أن يُعرض القرار لاحقًا على قاضٍ للتصديق⁸.
الخلاصة المقارنة: في النظامين الفرنسي والإيطالي القاعدة العامة هي حضور المحامي واطلاعه على التحقيقات، والاستثناءات مشروطة بضوابط صارمة أهمها:
1. أن تكون هناك ضرورة حقيقية وملحّة.
2. أن يصدر القرار بتسبيب مكتوب.
3. أن يخضع القرار لرقابة قضائية عاجلة.
سادسًا: البعد الحقوقي الدولي
العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية في مادته (14) نصّ على حق كل متهم في الاستعانة بمحامٍ يختاره، وعلى أن يُتاح له الوقت والتسهيلات الكافية لإعداد دفاعه. وهذا التزام دولي على مصر يحظر أي إجراء يُنتقص منه بصورة جوهرية.
سابعًا: مقترح صياغة توافقي
يمكن إعادة صياغة المادة 105 على النحو الآتي:
“يجب تمكين محامي المتهم من الاطلاع على التحقيق قبل الاستجواب أو المواجهة بيوم على الأقل. وفي حالات الضرورة الملحّة التي تقتضيها مصلحة التحقيق، يجوز لعضو النيابة العامة أن يُرجئ الاطلاع إلى ما بعد الاستجواب أو المواجهة، بقرار مسبب مكتوب يُعرض فورًا على القاضي المختص للتصديق عليه خلال أربع وعشرين ساعة. وفي جميع الأحوال، لا يجوز مباشرة التحقيق مع المتهم إلا في حضور محاميه، ما لم يرفض ذلك صراحة.”
ثامنًا: الخاتمة
إن المادة 105 بصيغتها الأولية خطوة مهمة لكنها صيغت بعبارات فضفاضة فتحت الباب للتأويل، وهو ما استدعى اعتراضًا رئاسيًا واسع النقاش. والواقع أن المسألة ليست مجرد جدل إجرائي، بل هي معركة بين عدالة منقوصة وعدالة مكتملة.
الاختيار الدستوري لا يحتمل سوى العدالة المكتملة، حيث حضور المحامي ليس إجراءً شكليًا وإنما حق أصيل وجوهري. والحل يكمن في ربط أي استثناء برقابة قضائية صارمة، وبذلك نضمن أن تظل المادة 105 أداة لحماية الحقوق الدستورية، لا وسيلة لإفراغها من مضمونها.
الهوامش
1. مشروع قانون الإجراءات الجنائية، المسودة المقدمة إلى مجلس النواب، 2025، المادة 105.
2. تقرير اللجنة العامة بمجلس النواب بشأن اعتراض رئيس الجمهورية على بعض مواد مشروع قانون الإجراءات الجنائية، جلسة 1 أكتوبر 2025.
3. الدستور المصري 2014 (المعدل 2019)، المادة 54.
4. محاضر اللجنة الخاصة بمجلس النواب لدراسة اعتراضات رئيس الجمهورية، أكتوبر 2025، تصريحات النواب ضياء الدين داود وأحمد الشرقاوي ونقيب المحامين عبد الحليم علام.
5. الدستور المصري 2014 (المعدل 2019)، المادة 54.
6. حكم المحكمة الدستورية العليا في القضية رقم 29 لسنة 15 قضائية “دستورية”، جلسة 4 نوفمبر 1995.
7. قانون الإجراءات الجنائية الفرنسي (Code de procédure pénale)، المادة 63-4، تعديلات 1993 و2000.
8. قانون الإجراءات الجنائية الإيطالي (Codice di procedura penale)، المواد من 364 إلى 369، مع تعديلات قوانين مكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة.