بقلم: د. وليد العزبي
في ظهيرة السادس من أكتوبر 1973، كان المشهد أشبه بملحمة أسطورية: جنود بسطاء يندفعون من ضفة القناة، الأذان يتعانق مع دوي المدافع، وصفارات الإنذار ترتجف في عمق سيناء. وخلال ساعات، انهارت أسطورة خط بارليف التي قيل إنها لا تُقهر. لم يكن العبور مجرد مناورة عسكرية، بل كان عبور أمة كاملة من جرح 1967 إلى نشوة النصر.
لكن، هل اكتملت الحكاية عند ضفة القناة؟ أم أن السياسة كانت بانتظارنا لتكتب فصلًا آخر، أشد تعقيدًا وأبعد أثرًا؟
أولًا: مجد الميدان
في ذلك اليوم، أعاد الجندي المصري تعريف المستحيل. عبر القناة، زرع أعلامه على الضفة الشرقية، وأجبر جيشًا اعتاد التفوق على التراجع¹. لم يكن الأمر عبورًا للمياه والأسلاك فقط، بل عبورًا نفسيًا من مرارة الانكسار إلى استعادة الكرامة². ورغم ثغرة الدفرسوار التي كادت أن تقلب الطاولة، بقيت المبادرة بيد مصر، وعجزت إسرائيل عن فرض شروطها³.
ولم تكن المعركة مصرية وحدها؛ فقد اندفع السوريون على جبهة الجولان ببسالة، لكن حدود الدعم العربي وسرعة انفراد مصر بالمفاوضات لاحقًا جعلت من النصر العسكري بداية لجدل لا ينتهي: هل استطعنا أن نحول الإنجاز العسكري إلى مكسب استراتيجي دائم؟
ثانيًا: دهاليز السياسة
ما إن سكتت المدافع حتى بدأت لغة القرارات الدولية. فرضت القوى العظمى وقف إطلاق النار⁴ بموجب القرار 338 الذي استند إلى القرار 242⁵. هنا بدأت المعركة الثانية: التفاوض. من الكيلو 101 إلى كامب ديفيد، استردت مصر سيناء كاملة⁶، لكن الثمن كان الخروج من المعادلة العربية، وقطيعة سياسية امتدت سنوات⁷.
انقسمت الرؤية منذ ذلك الحين:
• فريق يرى أن استعادة الأرض، ولو عبر التسوية، نصر دبلوماسي لا يقل عن النصر العسكري.
• وآخر يعتبر أن الانفراد بالتسوية تنازل استراتيجي مزّق الجبهة العربية ومهّد الطريق لاجتياح لبنان 1982، وترسيخ الهيمنة الإسرائيلية⁸.
السياسة هنا لم تكن استمرارًا للحرب بوسائل أخرى، بل كانت ساحة حرب جديدة، جبهة لم تقل خطورتها عن رائحة البارود.
ثالثًا: دروس العبور
• النصر العسكري بلا توظيف سياسي واعٍ يتحول إلى نصف إنجاز.
• الوحدة العربية صمام القوة، والتاريخ أثبت أن الانقسام يبدد الثمار.
• التفاوض يحتاج إلى نفس صرامة الميدان: ثبات، ووعي، وانضباط.
• الردع مشروع دائم؛ فالنصر ليس ذكرى سنوية، بل مسيرة تُبنى عليها أجيال.
رابعًا: في ظل حاضر مشتعل
واليوم، بعد أكثر من نصف قرن، تعود الأسئلة ذاتها بإلحاح أكبر. غزة تحترق في حرب 2023–2024، عواصم عربية غارقة في صراعات أهلية، وصفقات تطبيع تُعقد على عجل كأن التاريخ لم يكتب دروسه بعد.
الدرس القديم يطلّ برأسه: السيادة لا تُصان إلا بمزيج من القوة الصلبة والحكمة الناعمة، والتسويات المنفردة باب للعزلة، بينما الجبهات الموحدة تصنع صوتًا لا يُمكن إسكاتُه.
خاتمة
أكتوبر لم يكن مجرد عبور قناة، بل كان عبورًا تاريخيًا من الانكسار إلى القدرة. لكن العبور الأهم ما زال مؤجلًا: أن نعبر من شتات الحاضر إلى وحدة المشروع القومي. النصر ليس حدثًا نعلّقه على جدران الذاكرة، بل مسؤولية تُترجم إلى مشروع استراتيجي جامع.
لقد عبرنا القناة يومًا، فهل نعبر اليوم خنادق الانقسام؟ هذه هي معركة القرن الحادي والعشرين.
الهوامش
1. سعد الدين الشاذلي، حرب أكتوبر، دار الشروق، القاهرة، 1980، ص 77–95.
2. عبد الغني الجمسي، حرب أكتوبر 1973: مذكرات قائد العمليات، الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1998، ص 142–160.
3. محمد حسنين هيكل، أكتوبر السلاح والسياسة، مؤسسة الأهرام، القاهرة، 1975، ص 289.
4. هنري كيسنجر، سنوات الاضطراب، ترجمة مكتبة الأنجلو المصرية، القاهرة، 1984، ص 564–590.
5. نص قرار مجلس الأمن رقم 338 (22 أكتوبر 1973) والقرار 242 (22 نوفمبر 1967).
6. نصوص اتفاقيات كامب ديفيد، 17 سبتمبر 1978، وزارة الخارجية المصرية.
7. باتريك سيل، الأسد: الصراع على الشرق الأوسط، ترجمة مركز الدراسات الاستراتيجية، دمشق، 1991، ص 395.
8. محمد حسنين هيكل، السلام المستحيل، مؤسسة الأهرام، القاهرة، 1983، ص 122–135.