تاريخ

أحمد عمر هاشم… العالِم الذي حرس السُّنّة ورحل في خشوع

April 24, 2026 admin لا توجد تعليقات

بقلم د. وليد العزبي

في صباحٍ من شتاء عام 1941، بقرية بني عامر بمحافظة الشرقية، وُلد طفلٌ كان قدَرُه أن يحمل ميراثًا أثقل من عمره. نذر والده أن يكون ابنه لله ولرسوله، فشبّ أحمد عمر هاشم في ظلال القرآن، يتلوه ليل نهار، حتى ختمه وهو لم يبلغ العاشرة. لم يكتفِ بالحفظ، بل صعد المنبر في سن الحادية عشرة ليُلقي أول خطبة جمعة، كأنما كان القدر يهيّئه لمقامٍ سيحرس فيه السُّنّة بلسانه وقلمه. كان البيت الريفي المتواضع تضيق جدرانه، لكن قلب الصبي كان يتّسع لآفاق السماء.

دخل الفتى الأزهر ليُكمل ما بدأه النذر القديم. درس أصول الدين، وعانق علوم الحديث حتى صارت شُغله الشاغل، فكان كما قال الإمام مالك: «لن يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها»؛ وقد أيقن أن مفتاح الإصلاح يكمن في نور السُّنّة. ومنذ اليوم الأول في رحاب الكلية، لم يملك سوى أن يسكب مشاعره في شعرٍ عفويّ يُعلن به انتماءه وولاءه:

كليةُ الإسلامِ أنتِ منارةٌ
سِيمَا الهُدى يبدو بكلِّ جبينِ

ضمّي إليكِ الوافدينَ فإنهم
قد شاقَهم لِدُنَاكِ ألفُ حنينِ

قرآنُنا يرعاكِ خيرَ رعايةٍ
يا خيرَ حِصنٍ للصلاحِ متينِ

كانت تلك الأبيات بمثابة ميثاقٍ مُبكِّر، يشي بأن رحلته مع العلم لن تكون عابرة، بل رسالةٌ عُمريّة سيؤدّيها حتى آخر العمر.

ولم تقتصر إشارات القدر على الشعر؛ ففي شبابه رأى النبيَّ ﷺ في المنام يطوف بالكعبة، فقصّ الرؤيا على والده. ابتسم الأب وقال: «ستُرزَق بالحج، وستتخصّص في سُنّةِ رسولِ الله ﷺ». وقد تحقّقت الرؤيا على نحوٍ عجيب؛ إذ سافر للحج ممثلًا لجامعته، ثم انغمس في علوم الحديث حتى صار اسمه مقرونًا بها.

لم يكن أحمد عمر هاشم مجرّد عالِمٍ يحفظ النصوص ويشرحها، بل كان داعيةً يسكب المعرفة في القلوب قبل العقول. وقف على المنابر، وفي قاعات المحاضرات، وعلى شاشات التلفزيون عبر برامجه الدينية التي جمعت العامة والخاصة؛ فكان صوته يخترق جدران البيوت ليُذكّر الناس بأن الإسلام ليس غريبًا عن حياتهم اليومية، بل هو نورٌ يهديهم وسط العواصف【1】.

تقلّد مناصب عديدة: رئيس جامعة الأزهر (1995–2003)، عضو مجمع البحوث الإسلامية، نائبًا في البرلمان المصري، وأحدَ أعمدة لجنة البرامج الدينية بالتلفزيون المصري【2】. ومع ذلك، لم تُغيّر المناصب جوهره؛ ظلّ في عيون محبّيه «الشيخ» الذي يبتسم لتلميذه، ويطيل الصبر على أسئلة الناس.

ومثلما كان له أثرٌ في الدعوة والإدارة، فقد ترك بصماتٍ علميةً واضحةً في التأليف والتحقيق، حيث أثْرى المكتبة الإسلامية بعشرات الكتب التي صارت مراجع للباحثين، منها: الحديث النبوي وعلومه، منهج الرسول في تربية الأمة، وقواعد علوم الحديث【3】. وفيها كلِّها بدا وفاؤه للنذر الأول: أن يكون جنديًّا في حراسة السُّنّة.

وبعد رحلةٍ امتدّت لأكثر من ثمانية عقودٍ في خدمة العلم والدعوة، رحل الشيخ في أكتوبر 2025، عن أربعٍ وثمانين عامًا، بعد أن أوصى أن يُكفَّن بكسوةٍ مُزيَّنة بسورة «يس» أُهديت له من المدينة المنوّرة، وأن يُدفن إلى جوار جدّه في الساحة الهاشمية بقريته. خرجت جنازته من الأزهر الشريف، في مشهدٍ امتزج فيه الحزن بالخشوع، وعاد الجسد إلى الشرقية، حيث وُلد، لكن الأثر بقي ممتدًّا في صدور طلابه وفي مؤلفاته التي لا تزال تروي ظمأ الباحثين عن الهداية.

لقد كان أحمد عمر هاشم شاهدًا على أن العلم نور، وأن الكرامةَ الكبرى ليست في خوارق العادات، بل في أن يظل القلب مشغولًا بالرسالة، واللسانُ رطبًا بالذكر، في زمنٍ غلبت فيه السياسة على الدعوة. رحل الرجل في خشوع، لكن سيرته تظل درسًا خالدًا في أن «النذرَ الأول» — أن تكون للحياة رسالة، وللعلم وظيفة، وللدين حارس — لا يضيع عند الله.


الهوامش
1. أحمد عمر هاشم، منهج الرسول في تربية الأمة (القاهرة: دار غريب، 1998)، ص 15.
2. الأزهر الشريف – أرشيف جامعة الأزهر، بيان عن رؤساء الجامعة (1995–2003).
3. أحمد عمر هاشم، الحديث النبوي وعلومه (القاهرة: مكتبة وهبة، 2001).

المقال التالي ← → المقال السابق