بقلم: د. وليد العزبي
في يومٍ تتلألأ فيه أنوار الحضارة فوق هضبة الأهرام، يُفتتح المتحف المصري الكبير ليحتضن كنوز الفرعون الذهبي توت عنخ آمون، شاهداً على رحلة وطنٍ لم يفرّط في تاريخه رغم عواصف الاحتلال.
وبينما تتجلى روعة التاريخ في القاعات المهيبة، يلوح في الأفق اسمٌ قد لا يُذكر كثيرًا في كتب الغرب، لكنه محفور في ذاكرة السيادة الوطنية: مرقص باشا حنّا — الوزير، والمحامي، ورائد الدفاع عن التراث المصري في وجه الإمبراطورية البريطانية.
لقد كان قراره الحاسم عام 1924، بإغلاق مقبرة توت عنخ آمون في وجه البعثة البريطانية، هو الشرارة التي حفظت لمصر كنوزها حتى تصل إلينا اليوم داخل جدران هذا الصرح العظيم.
من هو مرقص باشا حنّا؟
وُلد مرقص باشا حنّا عام 1872، وتخرّج في مدرسة الحقوق الخديوية، ثم مارس المحاماة حتى صار من أبرز رجالها، وتولّى منصب نقيب المحامين المصريين عام 1912، وكان من أوائل من أسّسوا فكرة استقلال المهنة عن سلطة الاحتلال¹.
شارك في الحركة الوطنية، وانضم إلى حزب الوفد، فكان من رجال القانون الذين جمعوا بين الفكر والكرامة، وشغل مناصب وزارية عدّة في حكومات ما بعد ثورة 1919، منها وزارة الأشغال العمومية ووزارة المالية ووزارة الخارجية.
غير أن اسمه ارتبط بواقعةٍ بعينها جعلته خالداً في سجل المدافعين عن هوية مصر: أزمة مقبرة توت عنخ آمون.
القانون في مواجهة الامتياز
حين اكتشف هوارد كارتر مقبرة الفرعون الشاب توت عنخ آمون في نوفمبر 1922، كان الامتياز البريطاني السائد آنذاك يمنح البعثات الأجنبية حق اقتسام المكتشفات بنسبة النصف، بموجب الأمر العالي الصادر في 12 يوليو 1912 المنظّم للتنقيب عن الآثار².
لكن ذلك النظام كان يستثني الآثار الملكية من القسمة، باعتبارها تراثًا سياديًا للدولة المصرية لا يجوز إخراجه من البلاد³.
وعندما تولّى مرقص باشا حنّا وزارة الأشغال العمومية عام 1924 في أول حكومة وفدية برئاسة سعد زغلول، فوجئ بأن بعثة كارتر واللورد كارنافون تحاول تطبيق “نظام النصف” على مقبرة توت عنخ آمون، رغم أنها اكتشاف ملكي خالص.
فأصدر قراره التاريخي بإغلاق المقبرة وسحب المفاتيح من كارتر، ووضع حراسة مصرية عليها، وإعلان أن محتويات المقبرة ملكٌ خالص للدولة المصرية، لا تخضع لأي قسمة أو امتياز⁴.
كان ذلك القرار بمثابة إعلان قانوني للسيادة المصرية على تراثها، في وقتٍ كانت فيه البلاد ما تزال ترزح تحت نفوذ الاحتلال البريطاني.
النزاع والتسوية
اندلع نزاع بين الحكومة المصرية والبعثة البريطانية، وحاول كارتر رفع دعوى أمام المحاكم المختلطة مطالبًا بحقه في القسمة، لكن الحكومة تمسكت بموقفها.
وفي عام 1925 تم التوصل إلى تسوية تاريخية تنص على:
• بقاء جميع محتويات مقبرة توت عنخ آمون في مصر بالكامل.
• تعويض الليدي كارنافون (أرملة المموّل) بمبلغ 36 ألف جنيه إسترليني عن نفقات التنقيب⁵.
وهكذا، وللمرة الأولى في التاريخ الحديث، لم تُقسَّم آثار اكتشاف أثري، بل أُقرّ مبدأ أن الآثار الملكية تمثل ملكية عامة للدولة المصرية، لا تُجزّأ ولا تُصدّر.
من المقبرة إلى المتحف
لو لم يتخذ مرقص باشا حنّا ذلك الموقف الشجاع، لكانت كنوز توت عنخ آمون اليوم تتناثر بين متاحف لندن وباريس ونيويورك.
لكنه أدرك أن الدفاع عن الآثار ليس مجرد شأن ثقافي، بل قضية كرامة وطنية وعدالة تاريخية.
ومن رحم قراره وُلدت أولى ملامح القانون الوطني لحماية الآثار، الذي مهد لاحقًا لمبادئ رسختها اتفاقيات دولية كـ اتفاقية اليونسكو لعام 1970 بشأن منع الاتجار بالممتلكات الثقافية⁶.
إرث خالد بين جدران المتحف
اليوم، وبين أروقة المتحف المصري الكبير، تستريح مومياء الفرعون الذهبي تحت أنظار العالم، في لحظةٍ تجسّد انتصار العدالة على الطمع، والوطن على الامتياز.
إن افتتاح هذا الصرح ليس فقط احتفاءً بتاريخ مصر، بل وفاءٌ لرجلٍ أعاد للتاريخ كرامته بالقانون.
لقد كتب مرقص باشا حنّا سطرًا خالدًا في دفتر الحضارة، حين أثبت أن الوطنية ليست شعارًا يُرفع، بل موقفٌ يُدفع ثمنه بشجاعة ووعيٍ بالقانون.
الهوامش
1. جريدة المحاماة المصرية، العدد التذكاري بمئوية النقابة، القاهرة، 2012، صـ45.
2. الأمر العالي الصادر في 12 يوليو 1912 بشأن تنظيم أعمال التنقيب عن الآثار في مصر، الجريدة الرسمية، العدد 79، صـ423.
3. المرجع نفسه، المادة (18).
4. “مرقص باشا حنّا الوزير المصري الذي تحدى بريطانيا وأنقذ آثار توت عنخ آمون”، الأهرام – نصف الدنيا، 17 نوفمبر 2022.
5. دونالد ريد، من يملك الفراعنة؟ علم الآثار والهوية الوطنية في مصر الحديثة، دار الشروق، القاهرة، 2008، صـ295؛ وانظر أيضًا كريستينا ريغز، تصوير توت عنخ آمون: علم الآثار والذاكرة المصرية، المجلس الأعلى للثقافة، القاهرة، 2020، صـ75.
6. اتفاقية اليونسكو لعام 1970 بشأن وسائل حظر ومنع استيراد وتصدير ونقل ملكية الممتلكات الثقافية بطرق غير مشروعة، المادة الثالثة.