سياسة

قراءة في “لعبة الأمم”: حين تحوّل العالم إلى رقعة شطرنج

April 25, 2026 admin لا توجد تعليقات

بقلم د. وليد العزبي


مقدمة: من دهاليز المخابرات إلى ذاكرة التاريخ

في عام 1969 صدر كتاب غير مألوف في لغته ولا في صدقه: “لعبة الأمم” لمؤلفه مايلز كوبلاند، الضابط الأمريكي في وكالة الاستخبارات المركزية الذي خَبِر الشرق الأوسط وعاش تفاصيله السياسية والاستخباراتية الدقيقة. لم يكتب كوبلاند بلغة المنظّر الأكاديمي، بل بلغة من شارك في صناعة الأحداث، ثم قرر أن يزيح الستار عنها كمن يعترف بخطيئةٍ تاريخية أمام العالم¹.

لقد قدّم الكتاب صورةً قاسية لعالم السياسة، عالمٍ بلا مبادئ ولا قيم، تُدار فيه الشعوب كما تُدار البيادق على رقعة شطرنج. ومن خلال صفحاته ندرك أنّ الواقعية السياسية حين تُجَرَّد من الأخلاق تتحوّل إلى دهاءٍ شيطانيٍّ بارد، وأنّ الأمم التي تغفل عن الوعي تُستَدرَج إلى لعبةٍ لا تعرف الرحم ولا الوفاء.


أولاً: اللعبة التي لا تعرف الأخلاق

يرى كوبلاند أن النظام الدولي يقوم على فن إدارة المصالح لا على المبادئ²، وأنّ الدول الكبرى تتعامل مع العالم الثالث باعتباره ساحة اختبارٍ لأساليب النفوذ، لا حقلًا لتطبيق العدالة. فالذكاء في نظره لا يعني قول الحقيقة، بل إخفاءها بقدرٍ محسوب من الخداع.
هذه الفلسفة المجرّدة من الضمير هي التي جعلته يصف العلاقات بين الأمم بأنها “لعبة لا يحكمها قانون سوى البقاء للأذكى”³.

وقد كان هذا الاعتراف صدمةً فكرية للعقل العربي آنذاك، الذي كان ما يزال مؤمنًا بشعارات التحرّر والمبادئ المثالية. فجاء كوبلاند ليقول، من داخل المطبخ الأمريكي، إنّ السياسة ليست إلا سلسلة من المراوغات بين اللاعبين الكبار، بينما تبقى الشعوب وقودًا للمباراة.


ثانيًا: عبد الناصر… الحلم الذي أفلت من اليد

في أحد أكثر فصول الكتاب إثارة، يتحدث كوبلاند عن مصر وثورة يوليو 1952. فقد كانت واشنطن — كما يقول — تتابع حركة الضباط الأحرار قبل اندلاعها، وكانت ترى فيهم فرصةً لإزاحة النظام الملكي الموالي لبريطانياً دون خسارة النفوذ الأمريكي⁴.
غير أنّ عبد الناصر سرعان ما خيّب تلك الرهانات.

لقد تصوّرت واشنطن أنه قائد شاب يمكن تطويعه، فإذا به زعيمٌ يُعلن استقلال القرار المصري، ويرفض الانضمام إلى الأحلاف الغربية، ويعقد صفقة السلاح التشيكية، ثم يُفجّر المفاجأة الكبرى بتأميم قناة السويس عام 1956.
عندها أدرك كوبلاند أن مصر ليست إيران، وأنّ ناصر ليس الشاه⁵.

كتب يقول بمرارة: “لقد حاولنا أن نكسب صديقًا في القاهرة، فأنجبنا خصمًا يصعب إخضاعه.“⁶
تلك الجملة وحدها تكشف كيف تحوّل الإعجاب المبدئي إلى خصومة استراتيجية، وكيف فشل الرهان الأمريكي على استبدال النفوذ البريطاني بنفوذٍ جديد أكثر نعومة.


ثالثًا: من طهران إلى القاهرة… ميلاد اللعبة الكبرى

كان الشرق الأوسط في نظر كوبلاند الميدان المثالي لتجارب النفوذ الأمريكي. ففي إيران، نجح زميله كيرميت روزفلت عام 1953 في تنفيذ انقلابٍ أطاح بحكومة محمد مصدق التي أمّمت النفط الإيراني، في أول عملية سرية كبرى لوكالة الاستخبارات الأمريكية في المنطقة⁷.
ثم جاء الدور على مصر وسوريا ولبنان، حيث حاولت واشنطن تطبيق “النموذج الإيراني” نفسه، لكنّها اصطدمت بحقيقة أن الشعوب العربية، رغم فقرها، تملك حسًّا وطنيًا لا يُشترى بالمال.

وفي هذا السياق، يعترف كوبلاند بأنّ الشرق الأوسط “أكثر تعقيدًا من أن يُحكم من الخارج”، وأنّ “الزعيم الذي يفهم شعبه أصعب من مائة ضابطٍ نكسب ولاءهم في الخفاء”⁸.
وهي شهادة بالغة الدلالة، صدرت لا عن ناقدٍ سياسي، بل عن رجلٍ كان في صميم اللعبة.


رابعًا: حين تعرّت الأخلاق في السياسة

القراءة المتأنّية للكتاب تكشف أنّه اعترافٌ مموّه أكثر من كونه تقريرًا استخباراتيًا.
فكوبلاند لا يدافع عن بلاده، بل يصفها كما هي: دولةٌ ترى في نفسها وصيًّا على العالم، وتتعامل مع الشعوب بوصفها ملفاتٍ مؤقتة لا شركاءَ في المصير.
يقول في أحد المواضع: “نحن لا نصنع الثورات، نحن نُشعلها حين تخدمنا ونُطفئها حين تضرّنا”⁹.
عبارة تلخّص فلسفة قرنٍ كامل من التدخلات تحت شعاراتٍ براقة كـ«الديمقراطية» و«الاستقرار».

ولعلّ القيمة الحقيقية للكتاب تكمن في أنّه لم يُبرّئ أحدًا. فقد كشف أن الأمريكي والبريطاني والسوفييتي — رغم اختلاف الرايات — يشتركون في قاعدة واحدة: اللعبة أولًا، والمبادئ لاحقًا.


خامسًا: المرآة التي ينبغي أن نقرأ فيها أنفسنا

ليست أهمية “لعبة الأمم” في أسراره بقدر ما هي في دروسه الأخلاقية والسياسية.
فهو يذكّر القارئ العربي بأنّ من لا يملك قراره سيظل قطعةً في يد غيره، وأنّ الجهل بالتاريخ يُعيدنا إلى الدور نفسه في كل جولة.
لقد كتب كوبلاند من منظور الجاسوس، لكنّ القارئ العربي يستطيع أن يقرأه بمنظار المؤرخ، فيدرك أن ما يصفه لم ينتهِ بعد، بل تغيّر في الشكل فقط.
فاللعبة اليوم تُدار عبر الاقتصاد والإعلام والتكنولوجيا، لا عبر الانقلابات وحدها.


خاتمة: بين الاعتراف والاعتبار

يظل كتاب “لعبة الأمم” من أخطر ما كُتب عن الشرق الأوسط، لأنه خرج من بين أصابع من مارس اللعبة لا من يرويها.
وإذا كان مايلز كوبلاند قد كتب ليكشف دهاء المخابرات، فإنّ التاريخ قرأه ليُظهر غرور القوة الأمريكية وضعفها الأخلاقي في آنٍ واحد.
فالأمم قد تُخدع لبعض الوقت، لكنّها لا تُدار إلى الأبد.
إنّ “لعبة الأمم” ليست فقط تاريخًا من الماضي، بل مرآةٌ حاضرة تقول لنا:

“احذروا أن تكونوا بيادق في رقعةٍ لا تعرفون من يُحرّكها.”


الهوامش والمراجع
1. مايلز كوبلاند، لعبة الأمم: انعدام الأخلاق في السياسة الدولية، ترجمة دار الحقيقة، بيروت، 1970، ص 3.
2. المرجع نفسه، ص 14.
3. المرجع نفسه، ص 27.
4. المرجع نفسه، ص 55.
5. المرجع نفسه، ص 102.
6. المرجع نفسه، ص 110.
7. كيرميت روزفلت، الانقلاب المضاد: الصراع على إيران، نيويورك، 1979، ص 41.
8. كوبلاند، لعبة الأمم، ص 189.
9. المرجع نفسه، ص 212.

المقال التالي ← → المقال السابق