بقلم د. وليد العزبي
في أعرق ديمقراطيةٍ عرفها العصر الحديث، وفي قلب دولةٍ تتباهى بمؤسساتها الراسخة وقوانينها المحكمة، تتوقّف الساعة فجأة عن الدوران… تتجمّد الدولة!
أبواب المؤسسات تُغلق، والموظفون يغادرون مكاتبهم في صمت، والمواطن الأمريكي يستيقظ ليجد حكومته في عطلةٍ قسرية لا يدري متى تنتهي.
تلك هي المفارقة التي تُدهش المراقب وتربك العقول: كيف يمكن لحكومة الولايات المتحدة أن تُصاب بالشلل بإرادتها؟
أولًا: بين نصّ القانون وصخب السياسة
الإغلاق الحكومي ليس عجزًا ماليًا ولا انهيارًا اقتصاديًا، بل هو نتيجة دستورية لنصٍّ حاسمٍ ورد في الدستور الأمريكي يقضي بألا تُصرف أموال الخزانة العامة إلا بموجب قانون صادر عن الكونغرس.
فحين يتعذّر على الحزبين الكبيرين — الديمقراطي والجمهوري — الاتفاق على قانون الاعتمادات المالية السنوي، تتوقّف مؤسسات الدولة الاتحادية تلقائيًا احترامًا لقاعدة «لا إنفاق بغير تفويض».
وهنا تتجلى عبقرية النظام الأمريكي وعبثيته في آنٍ واحد:
فالقانون الذي يمنع السلطة التنفيذية من الانفراد بالمال العام هو نفسه الذي يُقيدها عندما يختلّ التوازن بين السلطتين التشريعية والتنفيذية.
ويغدو الإغلاق ابنًا شرعيًا لمبدأ الفصل بين السلطات، لكنه أيضًا شاهدٌ على هشاشة الحوار حين يغيب العقل السياسي خلف جدران الحزبية الضيقة.
ثانيًا: قانون يمنع الحياة ليحمي النظام
يقوم الإغلاق الحكومي على قانونٍ عريق يُعرف باسم “قانون منع العجز المالي” الصادر أواخر القرن التاسع عشر، وهو قانونٌ يُحرّم على أي جهةٍ فيدرالية إنفاق دولارٍ واحد من الخزانة دون موافقة الكونغرس.
بل يمتدّ التحريم ليشمل قبول العمل التطوعي أو مواصلة الخدمات من دون تمويلٍ معتمد.
لقد وُضع هذا القانون ليحمي المال العام من الفساد وسوء الإدارة، وليضمن أن تظل يد الدولة مغلولة عن الصرف بغير رقابة الشعب.
غير أن هذه الصرامة التي وُلدت لحماية النظام تتحول في أوقات النزاع السياسي إلى سيفٍ مسلطٍ على رقبة الدولة نفسها، فيتعطّل العمل العام، وتتوقّف عجلات الإدارة، ويغدو القانون الذي صُمّم للحماية سببًا في الشلل.
ثالثًا: وجوه بلا أجور
في كل إغلاقٍ حكومي، يخرج آلاف الموظفين من مكاتبهم وقد عُلّقت على الأبواب لافتاتٌ تقول: «مغلق حتى إشعارٍ آخر».
ملايين الأسر تنتظر رواتبها المؤجّلة، والمطارات تعمل بجهدٍ فوق طاقتها، والمتاحف تغلق أبوابها أمام الزوّار، بينما يستمر رجال الإطفاء والأطباء العسكريون ومراقبو الطيران في أداء واجبهم دون مقابلٍ مؤقت.
يا للمفارقة!
القانون الذي يمنع الدولة من دفع أجورهم هو ذاته الذي يُلزمهم بالبقاء في مواقعهم.
كأنّ الدولة تقول لهم: «احمونا باسم الواجب، وسنردّ لكم الجميل حين تستعيد السياسة رشدها.»
رابعًا: حين تصبح السياسة رهينة القانون
الإغلاق ليس مجرّد تعطّلٍ إداري، بل أزمةٌ تمسّ روح الديمقراطية الأمريكية ذاتها.
فالنظام القائم على التوازن بين السلطات تحوّل إلى ساحةٍ للمنازعة، حيث يستطيع كلّ طرفٍ أن يمنع الآخر، لكن لا أحد يملك أن يحسم الخلاف وحده.
وعندما تتغلّب المصالح الحزبية على المصلحة الوطنية، تصبح الدولة — مهما بلغت قوتها — رهينة خلافٍ داخلي لا يرحم.
لقد أراد الآباء المؤسسون دستورًا يمنع الطغيان، فإذا به أحيانًا يمنع الحركة نفسها.
فالرقابة التي وُضعت لضمان النزاهة قد تتحوّل، في لحظات الانسداد السياسي، إلى قيدٍ يعطل قدرة الدولة على أداء وظائفها الأساسية.
خامسًا: إغلاق 2025… مشهد تتعثّر فيه القوة العظمى
في خريف عام 2025، شهدت الولايات المتحدة أحد أطول الإغلاقات في تاريخها الحديث.
توقّفت الإعانات الغذائية لنحو اثنين وأربعين مليون مواطن، وتضرّر أكثر من ثلاثة ملايين مسافر بسبب نقص الموظفين في قطاع الطيران، بينما قدّر الخبراء خسائر الاقتصاد الأمريكي بما يفوق أربعة عشر مليار دولار خلال أسابيع معدودة.
كانت الأسواق العالمية تتابع أنفاس واشنطن المتقطّعة، والدولار يتأرجح بين القوة والقلق، والمستثمرون يراقبون عن كثب كيف يمكن لقوةٍ عظمى أن تتعطّل لأنها لم تتفق على قانونٍ للإنفاق!
لقد تحوّل الخلاف السياسي الداخلي إلى أزمةٍ عالمية الثقة، تُذكّر الجميع بأن هشاشة التفاهم قد تُربك حتى أكثر الأنظمة رسوخًا.
سادسًا: القانون بين النصّ والضمير
من حيث المبدأ، لا يُعدّ الإغلاق مخالفةً للدستور الأمريكي، بل تطبيقًا دقيقًا له؛ فالحكومة لا تملك إنفاق المال العام دون قانونٍ صادرٍ عن ممثلي الشعب.
لكن الالتزام الحرفي بالنص لا يُعفي من المسؤولية الأخلاقية تجاه المجتمع.
فالدولة التي تُجمّد نفسها احترامًا للدستور تحتاج إلى ضميرٍ سياسيٍّ يُعيد إليها الحياة احترامًا للإنسان.
هنا تتجلّى المفارقة الكبرى:
الديمقراطية التي صُممت لحماية الشعب من تغوّل الدولة، قد تُعجز الدولة نفسها عن حماية الشعب حين تُقدَّم السياسة على المصلحة العامة.
سابعًا: خاتمة — حين يُغلق القانون أبواب الدولة ليحميها
الإغلاق الأمريكي ليس انهيارًا، بل هو مرآةٌ تعكس في آنٍ واحد صلابة النظام وضعف التفاهم السياسي.
إنه يبرهن أن القانون في أمريكا أقوى من النزوات، لكنه يذكّر أيضًا بأن النص وحده لا يصنع الحكمة.
فالقانون بلا وعيٍ سياسي كالسيف بلا مقبض، قد يقطع الطريق بدل أن يحميه.
وهكذا، تبقى الولايات المتحدة في كل إغلاقٍ جديد تعيد النظر في جوهر تجربتها الديمقراطية:
هل يمكن لدولةٍ أن تبقى قوية وهي تتوقّف كلّما اختلفت على ميزانيتها؟
أم أن الديمقراطية، مهما بلغت نضجها، تحتاج أحيانًا إلى قانونٍ يُعقلها قبل أن يُطلقها؟
الهوامش
1. نصّ المادة التاسعة من القسم الأول من الدستور الأمريكي، التي تنصّ على أنه لا يجوز سحب أموالٍ من الخزانة إلا بقانون اعتماد صادر عن الكونغرس.
2. قانون منع العجز المالي الأمريكي الصادر عام 1870، والذي يمنع أي إنفاقٍ أو التزامٍ مالي دون تفويضٍ تشريعي، ويعدّ أساس الإغلاق الحكومي في الولايات المتحدة.
3. تقارير وزارة العدل الأمريكية بشأن تطبيق القانون أثناء الإغلاقات الفيدرالية، التي تميّز بين الموظفين “الأساسيين” المُلزمين بالعمل دون أجر مؤقت، وغير الأساسيين الذين يُوقف عملهم.
4. دراسات مكتب المحاسبة الحكومي الأمريكي (GAO) حول آثار الإغلاقات، والتي خلصت إلى أن تعطّل المؤسسات الفيدرالية يُضعف كفاءة الأداء ويُربك تقديم الخدمات العامة.
5. تقديرات مكتب الميزانية في الكونغرس (CBO) وتقارير المؤسسات الاقتصادية الأمريكية حول إغلاق عام 2025، التي قدّرت خسائر الاقتصاد بما يفوق أربعة عشر مليار دولار، مع تضرّر واسع في قطاع النقل والإعانات الاجتماعية.
6. تقارير وزارة الخزانة الأمريكية التي أكّدت أن الالتزام بوقف الإنفاق في غياب قانون اعتماد يُعد تطبيقًا للدستور، وليس خروجًا عليه، لكنه يحتاج إلى إرادةٍ سياسية لتجنّب تكراره.