بقلم د. وليد العزبي
في الأيام الأخيرة، تلقيتُ أكثر من سؤال من زملاء وأصدقاء حول الخبر الذي تصدّر العناوين: تركيا تصدر مذكرة توقيف بحق رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بتهم تتعلق بالإبادة الجماعية وجرائم ضد الإنسانية في غزة.
كانت الأسئلة متشابهة في جوهرها: هل هذه المذكرة قانونية؟ وهل يمكن أن نشهد خطوة مماثلة في مصر؟
وقد وجدت أن الإجابة لا تحتاج إلى حماسةٍ سياسية، بل إلى قراءة قانونية دقيقة تضع الأمور في موضعها بين النص والواقع، بين الممكن والممنوع.
أولًا: الإطار القانوني التركي – الاختصاص العالمي كمنطلق
من الناحية القانونية البحتة، استندت النيابة العامة في إسطنبول إلى المادة (13) من قانون العقوبات التركي¹، التي تمنح المحاكم التركية اختصاصًا واسعًا في الجرائم ضد الإنسانية وجرائم الحرب حتى إذا وقعت خارج الإقليم.
هذا الأساس التشريعي يُجسّد مبدأ الاختصاص القضائي العالمي (Universal Jurisdiction)، وهو من المبادئ المستقرة في القانون الدولي، ويقوم على فكرة أن بعض الجرائم – كالإبادة والتعذيب – تمسّ الإنسانية جمعاء، وتُوجب على أي دولة أن تتحرك بشأنها ولو لم تكن طرفًا مباشرًا فيها.
لذلك، تُعدّ المذكرة التركية قانونية من حيث الشكل الوطني، إذ صدرت عن جهة قضائية مختصة وبموجب نص نافذ.
لكنّ التنفيذ العملي يظل مقيدًا بواقعين اثنين: الحصانة الشخصية لرؤساء الدول والحكومات أثناء ولايتهم، وعدم إلزام الدول الأخرى بالتعاون في تنفيذ المذكرات الصادرة عن محاكم وطنية.
وبالتالي، فهي خطوة ذات طابع قانوني من حيث الشكل، ورمزي من حيث الأثر الفعلي.
ثانيًا: الحصانة كحدّ فاصل بين القضاء والسيادة – قضية الكونغو ضد بلجيكا
لفهم هذا التقييد، تجدر الإشارة إلى الحكم الشهير الصادر عن محكمة العدل الدولية في قضية جمهورية الكونغو الديمقراطية ضد بلجيكا عام 2002.
فقد أصدرت بلجيكا مذكرة توقيف بحق وزير خارجية الكونغو متهمةً إياه بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية.
اعترضت الكونغو ولجأت إلى المحكمة، التي قضت بأن:
“رؤساء الدول ورؤساء الحكومات ووزراء الخارجية يتمتعون بحصانة تامة من الولاية الجنائية الوطنية الأجنبية أثناء توليهم مناصبهم، حتى في ما يتعلق بالجرائم الدولية.”²
وأوضحت المحكمة أن هذه الحصانة لا تُعفي من المسؤولية، لكنها تمنع المحاكمة أثناء تولّي المنصب، أي أنها حصانة إجرائية لا موضوعية.
وبناءً على ذلك، لا يمكن ملاحقة نتنياهو أو توقيفه أمام محكمة وطنية أجنبية ما دام يشغل منصبه، حتى وإن وُجدت شبهة ارتكاب جرائم حرب.
وهنا يتضح أن المذكرات الوطنية، وإن بدت شجاعة في ظاهرها، تظل محكومة بحدود القانون الدولي ذاته.
ثالثًا: الوضع في مصر – الولاية الجنائية محددة بنصوص القانون
أما في مصر، فإن قانون العقوبات رقم 58 لسنة 1937 وضع نطاقًا واضحًا لاختصاص القضاء المصري من حيث المكان.
فالمواد (1–3)³ تنص على أن القانون المصري يسري على:
1. كل من يرتكب جريمة داخل الأراضي المصرية (الاختصاص الإقليمي).
2. كل من يرتكب في الخارج جريمة يعاقب عليها القانون المصري إذا كان الجاني أو المجني عليه مصريًا (الاختصاص الشخصي).
3. كل من يرتكب في الخارج جريمة تضر بأمن الدولة أو مصالحها الحيوية (الاختصاص الواقعي).
ولا يوجد نص يمدّ الاختصاص إلى الجرائم الدولية التي تقع خارج الإقليم دون صلة مباشرة بمصر، وهو ما يجعل الاختصاص العالمي غير مُعتمد بعد في التشريع المصري.
كما أن مصر، رغم توقيعها على نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية عام 2000، لم تُودِع وثيقة التصديق⁴، ومن ثم ليست ملزمة قانونًا بآليات المحكمة أو مذكراتها.
ويُذكر أن مصر أوضحت في بياناتها أمام اللجنة القانونية للأمم المتحدة⁵ أهمية ضبط مبدأ الولاية العالمية، تجنبًا لتسييس العدالة الجنائية الدولية.
وهذا الموقف يعكس حرصًا على حماية مبدأ السيادة القانونية، لا رفضًا للعدالة، إذ تلتزم مصر دائمًا بأن يكون القانون أداة استقرار لا صدام.
رابعًا: العدالة المصرية – بين النص والواقع
ورغم أن الإطار القانوني المصري لا يسمح بإصدار مذكرات توقيف في قضايا لا ترتبط بالإقليم أو بالمصالح الوطنية، فإن مصر لم تتخلّ عن دورها في تحقيق العدالة، بل اتخذت طريقًا مختلفًا، أكثر واقعية وأثرًا.
فمنذ اندلاع الحرب في غزة، كانت القاهرة حاضرة في كل مسار إنساني أو قانوني يرمي إلى وقف النزيف وحماية المدنيين.
وقد تجسّد ذلك عمليًا في اتفاق شرم الشيخ لوقف إطلاق النار في غزة، الذي رعته مصر بالتعاون مع الأمم المتحدة وعدة أطراف دولية.
ذلك الاتفاق لم يكن بيانًا سياسيًا، بل إجراءً عمليًا لإنفاذ القانون الدولي الإنساني، إذ أوقف العمليات العسكرية وفتح الممرات الإنسانية وسمح بتبادل الأسرى وإدخال المساعدات⁶.
بهذه المقاربة، قدّمت مصر عدالة وقائية لا عقابية؛ عدالة تسعى إلى منع الجريمة قبل أن تُحاكمها.
وهي فلسفة قانونية راسخة في التجربة المصرية، ترى أن حماية الحياة هي أسمى تطبيق لفكرة العدالة.
خامسًا: من الوساطة إلى التشريع – أفق المستقبل
لا شيء يمنع من أن تتطور المنظومة القانونية المصرية مستقبلاً عبر إصدار قانون خاص بالجرائم الدولية، يتيح ملاحقة من يثبت ارتكابه جرائم إبادة أو حرب تمسّ مصالح مصر أو السلم الإنساني العام.
ذلك سيكون تطويرًا تشريعيًا طبيعيًا يواكب الاتجاهات المقارنة في دول العالم، دون إخلال بمبدأ السيادة أو التوازن الدولي.
وبهذا، تظل مصر قادرة – كما كانت دائمًا – على الجمع بين دورها الدبلوماسي الفاعل ومكانتها القانونية الراسخة، حيث تتحول من ساحة للوساطة إلى منارة لتقنين العدالة الدولية في إطار عربي متماسك.
خاتمة
العدالة لا تُقاس بما يُعلَن، بل بما يُؤسَّس له قانونًا.
فالمذكرة التركية تُعبّر عن استخدام أداة قانونية متاحة، بينما الموقف المصري يُجسّد العدالة في صورتها العملية، عدالة تُنقذ الأرواح قبل أن تُصدر الأحكام.
وفي الحالتين، يظل المبدأ واحدًا: لا عدالة بلا نص، ولا نص بلا إرادة تُفعّله.
فالقانون، في النهاية، ليس صوت دولةٍ ضد أخرى،
بل صوت الإنسان حين يتحدث باسم الضمير.
الهوامش:
1. المادة (13) من قانون العقوبات التركي، التي تنص على اختصاص المحاكم التركية في الجرائم الدولية حتى وإن وقعت خارج الإقليم.
2. حكم محكمة العدل الدولية في قضية جمهورية الكونغو الديمقراطية ضد بلجيكا، 14 فبراير 2002، الفقرة 54.
3. المواد (1) إلى (3) من قانون العقوبات المصري رقم 58 لسنة 1937 وتعديلاته، بشأن سريان القانون من حيث المكان.
4. نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية، تم التوقيع عليه من جانب مصر في 26 ديسمبر 2000، دون تصديق لاحق.
5. بيان مصر أمام اللجنة القانونية (اللجنة السادسة) للجمعية العامة للأمم المتحدة، الدورة التاسعة والسبعين (2024)، حول مبدأ الولاية القضائية العالمية.
6. اتفاق شرم الشيخ لوقف إطلاق النار في غزة، برعاية مصرية وأممية، تضمّن وقف العمليات العسكرية وفتح الممرات الإنسانية وتبادل الأسرى.