بقلم د. وليد العزبي
في صحراءٍ كانت يومًا طريقًا للقوافل والرحّل، صار هدير الطائرات يحلّ محلّ أنين الجِمال، وصار الذهب الذي يلمع في رمال دارفور يلمع اليوم في شاشات الأسواق العالمية، وقد وُسِم بختمٍ إماراتيٍّ يثير من الأسئلة أكثر مما يجيب.
ما الذي يدفع دولةً صغيرةً على ضفاف الخليج لأن تمدّ ذراعها إلى قلب إفريقيا؟ وما الذي يجعل السودان، بكل تاريخه وثرواته، يتحوّل إلى رقعةٍ في لعبةٍ أكبر من جراحه؟
بين البحر والرمل والذهب
منذ أن اندلع الصراع بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع، راحت أنظار المراقبين تتجه نحو أبوظبي؛ تلك العاصمة التي باتت تُتقن إدارة حروبها بيدٍ ناعمة وأخرى خفيّة.
فالإمارات لا تبحث فقط عن الحلفاء، بل عن موطئ قدمٍ في الموانئ والممرات البحرية، وعن أمنٍ غذائيٍّ تزرعه في أراضي الغير، وعن ذهبٍ يؤمّن اقتصادًا يلمع بريقه كلّما خفَتَ بريق النفط.
في دارفور، حيث تتقاطع طرق القوافل القديمة، تُستخرج اليوم أطنانٌ من الذهب تُهرَّب في صمتٍ نحو الخليج. وليس سرًّا أن الإمارات استوردت مليارات الدولارات من هذا المعدن الأصفر من السودان؛ حتى بات يُقال إن الذهب السوداني أصبح “نفط الإمارات الجديد”¹.
حليفٌ من الرمال
غير أنّ علاقة أبوظبي بالسودان ليست اقتصادية فحسب، بل هي علاقةٌ نُسجت خيوطها على نار الحرب. فمنذ أن أرسل محمد حمدان دقلو، الشهير بـ«حميدتي»، جنوده إلى اليمن ضمن التحالف العربي الذي كانت الإمارات إحدى رئاته، وُلدت بين الطرفين علاقةٌ تمتزج فيها المصالح بالثقة وبالرهانات.
ومع اندلاع الحرب في الخرطوم عام 2023، اتّهمت الحكومة السودانية الإماراتَ بدعم قوات الدعم السريع بالسلاح والمال، حتى رفعت دعوى ضدها أمام محكمة العدل الدولية بتهمة تمويل الإبادة الجماعية في دارفور².
إلا أنّ المحكمة رفضت نظر الدعوى بحكمٍ إجرائيٍّ صِرف، مستندةً إلى المادة (36) من نظامها الأساسي التي تشترط قبول الدولة المدعى عليها لاختصاص المحكمة مسبقًا. فالإمارات، شأنها شأن دولٍ أخرى، لم تُقدِّم إعلانًا عامًا بقبول اختصاص المحكمة الإلزامي، ولم تربطها بالسودان اتفاقية ثنائية أو إقليمية تمنح المحكمة هذا الاختصاص.
ومن ثمّ رأت المحكمة أن الشروط الشكلية للقبول غير متوافرة، دون أن تدخل في فحص موضوع الدعوى أو مضمون الاتهامات.
وهنا تتجلّى المفارقة القانونية: فـ رفض الدعوى لم يكن تبرئةً للإمارات من الاتهامات، بل امتناعًا إجرائيًا عن النظر فيها لغياب الولاية القضائية. أي أن المحكمة لم تقل إن الإمارات بريئة، بل قالت إنها غير مختصة بالحكم، وهو ما يُبقي المسألة عالقة في الفضاء السياسي أكثر منها في ميدان العدالة الدولية.
ورغم أن القرار جاء في ظاهره تقنيًا، فإنه ألقى بظلالٍ ثقيلة على مصداقية النظام القضائي الدولي، الذي كثيرًا ما يُقيَّد بحدود السيادة الوطنية وإعلانات القبول الاختياري، فيغدو عاجزًا أمام نزاعاتٍ يتشابك فيها المال بالسلاح والذهب بالدم.
الموانئ… حين تُفتح الأبواب للنفوذ
في قلب هذا المشهد، تبرز الموانئ السودانية كورقةٍ استراتيجية في يد أبوظبي. فميناء بورتسودان على البحر الأحمر، الذي طالما شكّل شريان الحياة التجارية للسودان، بات محلّ اهتمامٍ استثماريٍّ إماراتيٍّ معلن، إلى جانب مشروع تطوير ميناءٍ جديد شمال المدينة بتمويل إماراتي³.
هذه السيطرة الناعمة على المنافذ البحرية تمنح الإمارات موقعًا متقدمًا في سباق النفوذ على البحر الأحمر، الممتدّ من عدن إلى العقبة، وتؤمّن لها خطوط إمداد تجارية وزراعية وعسكرية تجعل من السودان محطةً مركزية في خارطة التوازنات الجديدة للمنطقة.
من يخسر ومن يربح؟
في الظاهر، يبدو الرابحون معروفين: قوات الدعم السريع التي تصمد رغم الحصار، والإمارات التي تحصد الذهب وتُحكم قبضتها على البحر الأحمر ومفاتيح التجارة الإفريقية.
لكن في العمق، لا رابح في حربٍ كهذه. فالسودان، الذي كان يحلم بانتقالٍ ديمقراطيٍّ يليق بتضحيات أبنائه، بات رهينةَ صراعٍ تُدار خيوطه من وراء البحار. والمواطن السوداني، الذي كان يحلم بالخبز والكرامة، صار اليوم يبحث عن ملجأٍ من القصف والجوع.
حين تصمت المدن وتتكلم المصالح
يقول أحد شيوخ أم درمان: «لم نعد نعرف من يقاتل من، لكننا نعرف أن الذهب صار لعنةً على هذه الأرض.»
وربما صدق الرجل؛ فحين تختلط الثروة بالسلطة، وحين يُصبح الوطن منجمًا للمصالح، تبهت الخطوط الفاصلة بين الحرب والتجارة، وبين المساعدات والتوريد.
الإمارات، كما يصفها بعض المحللين، تسعى لأن تكون “اللاعب الهادئ” الذي لا يطلق الرصاص بيده، لكنه يحرّك البنادق عن بُعد. فهي ترفض الإسلام السياسي، وتخشى التحوّلات الديمقراطية التي قد تُلهِم شعوبًا أخرى، وتؤمن بأن النفوذ الاقتصادي هو الوجه الجديد للقوة في القرن الحادي والعشرين.
والسودان — بموقعه وثرواته وانكساره — كان الفرصة المثالية لاختبار تلك المعادلة.
خاتمة: ما بين الطموح والمسؤولية
ليس في السياسة خيرٌ مطلق ولا شرٌّ مطلق، لكنّ هناك دومًا أثرًا يخلّفه الطموح حين يتجاوز حدود المسؤولية.
السودان اليوم مرآةٌ تعكس وجوهًا كثيرة: وجهًا لدولةٍ تبحث عن نفوذ، ووجهًا لشعبٍ يقاوم التمزّق، ووجهًا لعالمٍ يراقب بصمتٍ ويدّعي الحياد.
ربما كانت الإمارات ترى في السودان بوابةً إلى إفريقيا ومخزنًا للثروات، لكن التاريخ سيكتب أيضًا أن الذهب الذي خرج من أرض النيلين كان ممزوجًا بدماء الأبرياء.
وبين رمال دارفور وسواحل الخليج، ستظلّ الحقيقة معلّقةً كغبارٍ لا يهدأ، تذكّرنا بأن النفوذ قد يشتري كل شيء… إلا البراءة.
الهوامش
1. تقرير لجنة خبراء الأمم المتحدة حول السودان، مجلس الأمن، الوثيقة رقم (S/2023/805)، الفقرات من (74 إلى 82)، نيويورك، 2023.
2. النظام الأساسي لمحكمة العدل الدولية، المادة (36)، مع قرار المحكمة في الدعوى رقم (السودان ضد الإمارات – 2024) بعدم الاختصاص لغياب إعلان القبول المسبق.
3. صحيفة البيان الإماراتية، «مشروع إماراتي لتطوير ميناء جديد شمال بورتسودان»، 15 يناير 2024، نقلاً عن وكالة الأنباء السودانية الرسمية (سونا).