بقلم د. وليد العزبي
قراءة في سيرة رئيس البرلمان الذي حطّم قيود السلطة وأعاد الاعتبار للدستور
أولًا: مقدمة – بين الأمس واليوم
في سجلّ التاريخ المصري، أسماءٌ لم تكتبها السلطة بل المواقف، ومن بينها ويصا واصف — الرجل الذي وقف أمام الحديد ليُثبت أن الشرعية ليست في القصور، بل في قلوب الناس.
وفي زمنٍ تتجدّد فيه الممارسة الديمقراطية، ويتوجّه المصريون إلى صناديق الاقتراع لاختيار ممثليهم تحت قبة البرلمان، تعود سيرته لتذكّرنا بأن النيابة عن الشعب ليست لقبًا ولا امتيازًا، بل مسؤولية ورسالة.
لم يكن واصف معارضًا ولا طالبَ جاهٍ، بل مؤمنًا بأن قوة الدولة تُستمد من احترام دستورها، وأن ممثلي الشعب هم حماة القانون لا خصومه. واليوم، ونحن نفتح فصلًا جديدًا في الحياة النيابية، تبرز سيرته نموذجًا يُحتذى لكل نائبٍ يضع مصلحة الوطن فوق كل اعتبار، ويعيد إلى الذاكرة المعنى الأصيل لعبارةٍ طالما كانت شعارًا منسيًا: البرلمان بيت الأمة.
ثانيًا: النشأة والتعليم – بذرة الوطنية
وُلد ويصا واصف عام 1873 في مدينة طهطا بمحافظة سوهاج، في أسرةٍ قبطيةٍ اشتهرت بالعلم والوطنية¹.
تلقّى تعليمه في الحقوق، فبرع في ساحات القضاء والدفاع، حتى غدا من أبرز المحامين الذين جعلوا من العدالة رسالةً، ومن المرافعة الوطنية سلاحًا.
امتاز ببلاغته ومنطقه، وكان يرى أن المحامي ليس مجرد مدافع عن الأفراد، بل شريكٌ في حماية روح الدستور. ومن هذا الإيمان، عبر إلى ميدان السياسة العامة، حاملاً قناعته بأن القانون هو اللغة الأسمى للوطن.
ثالثًا: المسار السياسي والنيابي – صوت الأمة تحت القبة
انضم واصف إلى حزب الوفد بقيادة سعد زغلول باشا، وشارك في الدفاع عن دستور 1923 الذي مثّل أول دستورٍ ليبرالي في تاريخ مصر الحديثة، وأرسى مبدأ الفصل بين السلطات².
انتُخب نائبًا في البرلمان، ثم تولّى منصب وكيله، قبل أن يُصبح رئيسًا له في فترتين متعاقبتين. ورغم العروض المتكررة لتولي مناصب وزارية، فضّل البقاء نائبًا عن الشعب، مؤمنًا بأن قوة الوطن في برلمانه لا في كراسي وزرائه.
رابعًا: واقعة “تحطيم السلاسل” – حين انتصرت الشرعية على الحديد
في يونيو 1930، تصاعد الخلاف بين البرلمان برئاسة واصف والحكومة برئاسة إسماعيل صدقي باشا، التي سعت لتعطيل المجلس بعد حلّه ووقف العمل بدستور 1923³.
وفي صباح الثالث والعشرين من الشهر ذاته، فوجئ النواب بأن أبواب البرلمان أُقفلت بالسلاسل الحديدية تنفيذًا لأوامر القصر.
لكن واصف، وقد أدرك أن المعركة ليست على الأبواب بل على المبدأ، تقدّم نحو البوابة الحديدية قائلًا عبارته الخالدة:
“هذا بيت الأمة… ولا سلطان عليه إلا الشعب.”⁴
ثم أمر بفتح الأبواب، فعُقدت الجلسة في مشهدٍ دوّى صداه في التاريخ الوطني، وأصبح يُلقّب منذ ذلك اليوم بـ محطم السلاسل — كنايةً عن كسر القيود التي حاولت تعطيل الإرادة الدستورية.
لقد لم يكن يمسك مفتاحًا، بل إيمانًا بأن السيادة لا تُغلق بالأوامر.
خامسًا: الأثر الدستوري والرمزي – رجالٌ يحرسون النصوص
سجّل التاريخ تلك اللحظة بوصفها نقطة تحوّلٍ في مسار العلاقة بين البرلمان والسلطة التنفيذية.
فقد مثّلت الواقعة صدامًا مباشرًا بين مبدأ الشرعية الدستورية ونزعة الحكم الفردي.
وأثبت ويصا واصف أن الدساتير لا تحميها النصوص وحدها، بل الرجال الذين يؤمنون بروحها⁵.
كان موقفه تأسيسًا لمبدأٍ ظلّ يصدح في الذاكرة السياسية: سيادة الأمة على السلطتين التنفيذية والملكية.
ومنذ ذلك التاريخ، صار اسمه مرادفًا لاستقلال البرلمان وهيبته، ورمزًا للوحدة الوطنية بين المسلمين والمسيحيين في مواجهة أي مساسٍ بإرادة الأمة.
سادسًا: دروس الماضي لبرلمان الحاضر
بعد قرنٍ تقريبًا من واقعة تحطيم السلاسل، يطرح التاريخ سؤالًا جديدًا على نواب اليوم:
هل لا يزال البرلمان بيت الأمة؟
إنّ قوة النائب ليست في ارتفاع صوته، بل في صدق قسمه واحترامه للدستور والقانون⁶.
فالبرلمان الذي يحترم نفسه هو البرلمان الذي يحترم شعبه، والنائب الذي يعي مسؤوليته هو حجر الأساس في بناء دولةٍ عادلةٍ وقوية.
وكما قال ويصا واصف ضمنيًا في موقفه العظيم: من لا يسمع نبض الدستور، لا يحق له أن يتحدث باسم الأمة.
سابعًا: الرحيل وإرث الأثر
توفي ويصا واصف في 3 مايو 1931، بعد عامٍ واحدٍ من حادثة تحطيم السلاسل⁷، وكأنما أدّى رسالته ثم غادر مطمئنًا إلى أن جذوة الحرية لن تنطفئ.
ترك إرثًا أخلاقيًا لا يُقاس بطول المناصب، بل بعُمق الأثر؛ إرثًا يُذكّر كل نائبٍ بأن البرلمان بيتٌ للأمة لا ساحةٌ للخصومة، وأن الدستور لا يُكرَّم بالكلمات بل بالمواقف.
ثامنًا: خاتمة تحليلية – من تحطيم السلاسل إلى تحطيم اللامبالاة
إنّ سيرة ويصا واصف ليست فصلًا من التاريخ، بل درسًا متجدّدًا مع كل انتخاباتٍ وبرلمان.
لقد علّمنا أن الشرعية تُبنى على الثقة، والثقة تُستمد من احترام الدستور⁸.
فإذا كان الماضي قد شهد “محطم السلاسل”، فإنّ الحاضر بحاجةٍ إلى نوابٍ يحطمون سلاسل اللامبالاة والصمت، ويعيدون إلى البرلمان بريقه كمؤسسةٍ تمثل ضمير الأمة.
لقد رحل واصف، وبقيت كلماته تُذكّرنا أن الأوطان تُبنى بالمواقف لا بالمقاعد، وبالضمير لا بالتصفيق.
الهوامش
1. عبد الرحمن الرافعي، في أعقاب الثورة المصرية، الجزء الرابع (1927–1931)، دار المعارف، القاهرة.
2. عبد العظيم رمضان، تاريخ الحركة الوطنية المصرية 1918–1936، الهيئة المصرية العامة للكتاب.
3. وثائق مجلس النواب المصري، جلسة 23 يونيو 1930.
4. محمد صبيح، رجال حول سعد زغلول، الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1980.
5. المرجع نفسه.
6. المرجع نفسه.
7. عبد العظيم رمضان، مرجع سابق.
8. عبد الرحمن الرافعي، مرجع سابق.
9. طارق البشري، الحركة السياسية في مصر 1945–1952، دار الشروق، القاهرة.