أدب

مصر

April 25, 2026 admin لا توجد تعليقات

بقلم د. وليد العزبي

مصر… كلمةٌ إذا نُطِقت، سكنت النفوس واطمأنّت القلوب.
هي ليست وطنًا فحسب، بل قدرٌ ومقدَّس، وسطرٌ خالد في كتاب التاريخ الإلهي للبشرية.
منذ أن خُلق الإنسان، كانت أرض الأمان والسلام، تتفيّأ بظلّها الأمم، وتلوذ بجوارها القلوب المرهقة من جحيم الحروب.

فيها لجأ إبراهيم عليه السلام حين ضاقت به الأرض، فوجد في أرضها الخصب والسكينة.
وفيها عاش يوسف الصدّيق عليه السلام، فصار على خزائنها أمينًا، وأنقذ بفضل حكمته العالم من مجاعةٍ كادت تلتهم الوجود.
وإليها جاء يعقوب وبنوه من أرض الشدّة إلى أرض الكرامة.
ثم احتضنت مصر العائلة المقدّسة، فكانت ملجأً للسيدة مريم والنبي عيسى عليهما السلام من بطش الطغاة، حتى أضحت كل بقعة مرّوا بها من شمالها إلى صعيدها مزارًا يتفيّأه المؤمنون ويستنشقون عبير الطمأنينة فيها.

هكذا شاء الله أن تكون مصر ملاذًا للأنبياء والفارين من الظلم، وموئلًا للأمن كلّما سقطت الدنيا في فوضاها.
ولم تكن يومًا ممرًّا للتاريخ، بل كانت صانعةً للتاريخ. منها انطلقت الحضارات، وعلى ضفاف نيلها وُلدت أول دولة، ونُسجت أول شرائع العدل والرحمة.

وحين تمرّ بها الأزمات، تقف شامخة، لا تنحني إلا لخالقها، ولا تبيع كرامتها ولو اجتمع عليها العالم.
فمصر لا تُقاس بمساحتها، بل بعُمقها الإنساني وقدرها الإلهي، فهي التي قال فيها ربّ العالمين:

“ادخلوا مصر إن شاء الله آمنين.”

واليوم، رغم ما تواجهه من تحديات اقتصاديةٍ قاسية وكثافةٍ سكانيةٍ مرهقة، ما زالت مصر وفيّةً لرسالتها الخالدة.
تمدّ يدها لكل لاجئٍ عربيٍ ضاقت به الأرض، ولكل من قصدها من أشقّائها طلبًا للأمان والكرامة.
فتحت قلبها لأهل فلسطين الذين أنهكتهم الجراح، واحتضنت أبناء الكويت والعراق حين أحرقتهم نيران الحروب، وآوت أهل اليمن وسوريا وليبيا والسودان حين طحنتهم الفتن وضاقت بهم الديار.
لم تسألهم عن هويةٍ أو مذهب، بل قالت كما قال نيلها منذ فجر التاريخ: مرحبًا بمن طلب الحياة.

فيها يجد الغريب مأوى، والمحتاج سندًا، والمظلوم عدلًا.
فهي بوابة الرحمة في زمنٍ قلّت فيه الرحمة، وقلعة السلام في عالمٍ تتقاذفه النيران.
تظلّ مصر، رغم كل ما مرّ بها، قلب الأمة النابض بالحياة والإيمان، وستبقى — كما أرادها الله — كنف الأمان، وراية السلام، ونورًا لا ينطفئ مهما تعاقبت العصور.

ولأنها بلد الحضارة بحق، فليس أدلّ على عراقة حضارتها من قدرتها على احتضان كل من لجأ إليها، مهما كانت ظروفه أو معاناته.
فالحضارة في معناها الأعمق ليست جدرانًا من حجر ولا تماثيل من ذهب، بل قيمٌ من رحمةٍ وعدلٍ وإنسانيةٍ تتجسّد في سلوك الأمة حين تمدّ يدها قبل أن تُسأل.
وهكذا كانت مصر — في نظري — تُعرّف الحضارة بالفعل لا بالشعار، وتُجسّدها بالعطاء لا بالكلام.

ستظلّ مصر — بلد الحضارة والإنسان — ذلك القلب الذي لا يعرف القسوة، وتلك الأرض التي تُنبت الكرامة كما يُنبت النيل الخير.
فمن أراد أن يرى وجه التاريخ حيًّا، فليتأمل وجهها؛ ومن أراد أن يسمع نبض الإيمان، فليصغِ إلى نيلها، ففي مائه تتردّد حكمة الخالق في صمت الجلال.

وكما قال المفكر جمال حمدان:

«مصر ليست مجرد وطن نحيا فيه، بل وطن يعيش فينا… هي قلب العروبة النابض، وضمير التاريخ الذي لا يشيخ.»

المقال التالي ← → المقال السابق