بقلم : د وليد العزبي
طالعني قبل أيام أحد أبواق الإعلام الإخوانية يتغزّل في السعودية ووليّ عهدها، ويكيل المديح لحكمة تصرّفه في زيارته الأخيرة للولايات المتحدة.
لم يكن المشهد صادمًا بقدر ما كان مكشوفًا؛ كأنك ترى الممثّل يُبدّل قناعه على المسرح من دون أن يغادر الخشبة.
عدوّ الأمس صار صديق اليوم، والشتائم التي كانت تُطلق بلا انقطاع تحوّلت فجأة إلى ورود… ما دام هناك من يدفع ثمن الصوت قبل ثمن الرأي.
وفي تلك اللحظة عاد صوت الفاجومي في أذني، كأنه يضحك من فوق غيمة ساخرة.
ذلك الرجل الذي علّمنا أن السخرية قد تكون أصدق من التحليل السياسي حين قال:
«يا واد يا يويو… يا مهلبية
فوق الصواني… سايحة وطريّة
في كل جلسة… تلبس قضية
وتخيّل عليها… يا مشخصاتي»
وهل يمكن أن تجد وصفًا أدق لهؤلاء الذين تتشكّل آراؤهم مثل المهلبية:
طرية، بلا صلابة، تأخذ شكل الإناء الذي توضع فيه، وتتلوّن بلون المموِّل؟
منصّاتٌ لا تحمل موقفًا، بل تحترف “تخيّل القضية” على حسب الجلسة… وعلى حسب الجيب.
إعلام بلا ذاكرة… ومواقف بلا جذور
هذا التقلّب ليس نزوة عابرة؛ إنه بنية كاملة.
هناك خطاب يُفصَّل حسب الطلب، ووقائع تُعاد صياغتها وفق الاتجاه، ونبرة ترتفع وتنخفض بما تقتضيه الحسابات الخلفية.
ليس ثمة مراجعة فكرية ولا تطوّر طبيعي… هناك فقط تحويلة مالية تغيّر كل شيء.
فمن كان عدوًا شرسًا بالأمس يتحوّل في لحظة إلى رجل دولة،
ومن كانت خطاباته تُحرق بلا رحمة تصبح فجأة ذهبًا مطليًا بالمديح.
لكن التاريخ لا يُعرّف الرجال بطول الصوت… بل بثباته
ومقابل هذا الضجيج هناك رجال آخرون من طينة مختلفة.
رجالٌ لم يبيعوا أصواتهم، ولم يساوموا على الكلمة، ولم يحوّلوا ضمائرهم إلى اشتراكات شهرية في بورصة السياسة.
وفي مقدّمتهم يقف عباس محمود العقّاد.
ذلك الرجل الذي دفع ثمن نزاهته سجنًا حين رفض الاعتذار عن مقالاته ضد الاستبداد الملكي سنة 1930.
وحين حاولوا ترويضه قال جملته الخالدة التي يجب أن تُعلّق عند مداخل كل صالة تحرير:
«إنني لا أُصانع، ولا أداور، ولا أُقايض على حرّيتي وكرامتي.»
دخل السجن واقفًا… وخرج واقفًا.
لم يبدّل موقفه، ولم يضع قلمه في جيب أحد.
كان يدرك أن الكاتب الحقيقي ليس صدى للسلطة… بل شوكة في حلق الفساد.
ومثله سار مصطفى أمين، وهيكل، وسعد زغلول حين قال عبارته الجليلة التي أربكت الإمبراطورية البريطانية:
«الحق فوق القوة، والأمة فوق الحكومة.»
رجالٌ لم تغرِهم الأموال، ولم تخدعهم النفوذ، ولم يربكهم الترهيب.
ثباتهم كان جدارًا من ضوء في زمن كثرت فيه الظلال.
بين الفاجومي والعقّاد… وفلسفة المبدأ
ولو شئنا أن نختصر الحكاية كلها في عبارة واحدة لقلنا:
هناك من يشبه العقّاد… وهناك من يشبه يويو.
يويو الذي وصفه الفاجومي بأنه “مهلبية”،
وهو النموذج ذاته الذي نراه اليوم على شاشات “الرأي مقابل الفاتورة”.
أما العقّاد فهو نموذج الكاتب النزيه الذي يذكّرنا أن الكلمة إن لم تُكتب بمبدأ… فهي بلا قيمة.
الخلاصة: المبدأ لا يُباع… ومن يبيعه لم يملكه يومًا
في زمن ترتفع فيه أصوات مرتزقة الإعلام، يبقى صوت المبدأ هو الصوت الوحيد الذي لا يتلوّن ولا ينطفئ.
الذين يبدّلون خطابهم كما تُبدّل الأطراف أزياءها لا يصنعون رأيًا عامًا ولا يشكّلون وعيًا؛ بل يتركون ضجيجًا بلا أثر.
أما الذين يقفون وحدهم — ولو على حافة السجن — فهم الذين يكتبون التاريخ الحقيقي.
وأمام هذا المشهد كله، لا يسعنا إلا أن نردّد مع الفاجومي:
«يا واد يا يويو… يا مهلبية»
فقد لخّص بها حكاية جيل كامل من الأصوات التي لم تعرف يومًا موقفًا ثابتًا… ولا شكلًا واحدًا يستحق الاحترام.