بقلم د. وليد العزبي
يبدو أنّ البيت الأبيض لم يعد يُصدر بياناته بالإنجليزية وحدها، بل بلغة المراهقة السياسية أيضًا.
فحين سُئلت المتحدثة باسمه عن الجهة التي اختارت بودابست موقعًا للقاء المرتقب بين الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ونظيره الروسي فلاديمير بوتين، أجابت الصحفي بعبارة غريبة على الدبلوماسية، قائلة:
“Your mom did” — أي «أمك هي من اختارت».
ردّ لا يليق بقاعة الصحافة في أكبر ديمقراطية مُعلَنة في العالم، بقدر ما يليق بساحة مدرسة ثانوية بعد شجار بين الطلبة.
لكن إن كانت المتحدثة لم تجب، فلنحاول نحن الإجابة بلسان التحليل لا بلسان المزاح.
فلماذا بودابست؟ ولماذا هذا الإصرار على عقد القمة في عاصمة تمشي بخطى دقيقة بين الشرق والغرب، وتؤدي رقصة سياسية على حافة الصدع الأوروبي–الروسي؟
هنغاريا (المجر)… الأرض الرمادية بين المعسكرين
منذ سنوات، تحاول هنغاريا (المجر) أن تُقدّم نفسها للعالم كـ«الابن العاقل» الذي يجالس موسكو دون أن يهجر بروكسل، ويصافح واشنطن دون أن يخاصم الكرملين.
رئيس وزرائها فيكتور أوربان يُتقن فنّ السير على حبلين: حبل الاتحاد الأوروبي الذي يربطه بالديمقراطيات الغربية، وحبل الطاقة والسيادة الذي يربطه بروسيا.
اختيار بودابست إذًا ليس اختيارًا جغرافيًا بل اختيار رمزي، يُترجم فلسفة ترامب السياسية: أن يتحدث إلى بوتين من أرضٍ أوروبيةٍ لا تعادي موسكو، لكنها لا تُعادي واشنطن أيضًا؛ أرضٍ تُشبه ترامب في عنادها، وتُشبه أوربان في استقلالها، وتُشبه السياسة الحديثة في تناقضاتها.
الدبلوماسية من خارج النص
من منظور القانون الدولي، يحق لأي دولتين عقد قمة ثنائية في أي مكان تريانه مناسبًا، ما دام ذلك يتم برضا سيادي متبادل وباحترام اتفاقية فيينا للعلاقات الدبلوماسية لعام 1961¹.
لكن اختيار المكان ليس تفصيلًا إداريًا؛ بل هو فعلٌ دبلوماسي ذو دلالة قانونية وسياسية.
فالمكان، في لغة القانون الدولي، يرمز إلى الحياد أو الانحياز أو التحدّي.
حين عُقدت قمة الحرب الباردة في جنيف، كان المكان يعني الحياد السويسري.
وحين اختيرت هلسنكي لقمة 2018 بين ترامب وبوتين، كانت الرسالة تطبيعًا مشروطًا.
أما بودابست 2025، فهي إعلان غير مكتوب بأنّ أمريكا الجديدة — في عهد ترامب الثاني — لم تعد تتحدث باسم الغرب، بل باسم نفسها.
الحياد المزعوم والاصطفاف المقنّع
من منظور القانون الدولي العام، تُعدّ هنغاريا طرفًا غير محايد في النزاع الروسي–الأوكراني رغم عضويتها في الاتحاد الأوروبي.
فهي صوّتت ضد بعض العقوبات الأوروبية على روسيا، وتأخرت في دعم أوكرانيا بالسلاح، ورفضت استقبال اللاجئين².
وبالتالي، لا يمكن تفسير عقد القمة هناك قانونيًا كـ«اجتماع في أرض محايدة»، بل كـ«اجتماع في أرضٍ ذات انحيازٍ مستتر».
وبذلك يتجاوز اللقاء طبيعته الثنائية، ليُصبح تصريحًا دبلوماسيًا ذا مضمون سياسي:
أن واشنطن، أو بالأحرى ترامب، مستعدّ للحوار مع موسكو من داخل بيتٍ أوروبيٍّ متفهمٍ لروسيا، لا من داخل أسوار الناتو الغاضبة.
قيد العدالة الدولية وحدود الجغرافيا السياسية
ولا يمكن تجاهل أن اختيار بودابست يحمل أيضًا بُعدًا قانونيًا خفيًّا يتعلق بظروف الرئيس الروسي فلاديمير بوتين.
فمنذ صدور مذكرة التوقيف الصادرة عن المحكمة الجنائية الدولية في 17 مارس 2023، أصبح تحرّكه الدبلوماسي مقيدًا بدول لا تعترف باختصاص المحكمة أو تتردّد في تنفيذ أوامرها.
وهنغاريا، رغم كونها عضوًا في الاتحاد الأوروبي والدول الموقِّعة على نظام روما الأساسي، لم تُبدِ حماسة لتنفيذ تلك المذكرة، بل صرّح رئيس وزرائها فيكتور أوربان آنذاك بأن حكومته لن تعتقل بوتين إذا دخل الأراضي الهنغارية.
وهذا يعني أن بودابست ليست فقط أرضًا رمادية سياسيًا، بل أرضًا آمنة قانونيًا بالنسبة لموسكو.
بهذا المعنى، يصبح اختيارها موقعًا للقمة قرارًا محسوبًا بدقّة، يجمع بين براغماتية ترامب وحسابات بوتين القانونية، حيث تتقاطع الدبلوماسية مع العدالة الدولية في منطقة رمادية لا هي محايدة تمامًا ولا خاضعة تمامًا للقانون الدولي الجنائي³.
بين قانون الصورة وصورة القانون
المتحدثة باسم البيت الأبيض ربما لم تدرك أن عبارتها الساخرة لم تكن مجرد زلّة لسان، بل دليل على تحوّل أعمق في الخطاب الرسمي الأمريكي:
من الصياغة القانونية المنضبطة إلى لغة المواجهة اللفظية.
ففي دولة تُقدّس حرية التعبير، يبدو أن حرية السخرية باتت تُمارس على الصحفي لا لحمايته.
ولعلنا بحاجة إلى تذكير الإدارة بأن حرية الصحافة ليست نكتة، بل التزام دستوري راسخ⁴،
وأن المتحدث الرسمي — قانونًا وأخلاقًا — يُمثّل إرادة الدولة لا مزاجه الشخصي.
الختام: حين يصبح الصمت أبلغ من البيان
ربما كانت بودابست خيارًا سياسيًا ذكيًا من زاوية البراغماتية الدبلوماسية، لكنها تظلّ اختيارًا مثيرًا للشبهات القانونية والسياسية من زاوية القانون الدولي العام.
أما العبارة التي أشعلت الجدل — «أمك هي من اختارت» — فقد تختصر روح الحقبة الجديدة:
حقبة تخلط بين الكوميديا السياسية والمسرح القانوني، وتُحوّل الدبلوماسية من فنّ الكلمة إلى فنّ الإهانة.
وهكذا، إذا لم تُجب المتحدثة عن سؤال «من اختار بودابست»، فربما يمكننا القول إنّ من اختارها هو التيار العالمي الجديد الذي يكتب السياسة بلسانٍ ساخر، ويوقّعها بقلمٍ لا يهاب العبث — قلمٌ اسمه دونالد ترامب.
الهوامش
1. اتفاقية فيينا للعلاقات الدبلوماسية لعام 1961، المواد (2) و(3)، بشأن مبدأ الرضا المتبادل بين الدول وتحديد مهام البعثات الدبلوماسية.
2. قرار مجلس الاتحاد الأوروبي رقم (CFSP) 2022/327 الصادر في 25 فبراير 2022، بشأن التدابير التقييدية المرتبطة بالأفعال التي تُقوّض أو تهدد سلامة أراضي أوكرانيا.
3. المحكمة الجنائية الدولية، مذكرة توقيف بحق فلاديمير بوتين، 17 مارس 2023، الملف رقم ICC-01/22، بشأن الترحيل غير القانوني للأطفال من أوكرانيا إلى روسيا، استنادًا إلى المادة 8(2)(a)(vii) من نظام روما الأساسي.
4. وكالة Reuters، تصريح كبير موظفي رئيس الوزراء الهنغاري في 23 مارس 2023 بأن بلاده لن تعتقل الرئيس الروسي لعدم إدراج نظام روما الأساسي في قانونها الداخلي.
5. العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية لعام 1966، المادة (19)، التي تكفل حرية الرأي والتعبير كأساس لحماية الصحفيين في القانون الدولي لحقوق الإنسان.