سياسة

حين تجلس إسرائيل في مقعد المتفرّج:

April 24, 2026 admin لا توجد تعليقات

اتفاق ترامب وولادة الحرب الفلسطينية – الفلسطينية ودور مصر الغائب عن التصفيق

بقلم: د. وليد العزبي


مشهد جديد من مسرحٍ قديم

في الوقت الذي يصفّق فيه الإعلام الدولي لما سُمِّي بـ اتفاق وقف إطلاق النار الشامل في غزة برعاية الرئيس الأمريكي الحالي دونالد ترامب، كانت إسرائيل تمارس هوايتها التاريخية الأثيرة: الجلوس في مقعد المتفرّج، تراقب الفلسطينيين يشتبكون مع أنفسهم في مشهدٍ مألوفٍ من مسرحٍ قديم.

فبينما انسحبت قوات الاحتلال جزئيًا من بعض مناطق القطاع، ورفرفت الرايات البيضاء في واشنطن، اندلعت نيران سوداء في الداخل الفلسطيني بين جماعات مسلّحة جديدة في شمال غزة، تقودها شخصيات مثل أشرف المنسي وميليشيات تُعرف باسم “الجيش الشعبي”، في مواجهة مقاتلي حركة حماس التي أنهكتها الحرب الطويلة.¹


الانسحاب الذي لم يكن سلامًا

لم يكن الانسحاب الإسرائيلي من شمال القطاع خطوةً نحو السلام بقدر ما كان إعادة تموضعٍ ذكية ومدروسة.
فمنذ اللحظة الأولى، أدركت تل أبيب أن الفوضى الداخلية يمكن أن تُحقق ما لم تستطع دباباتها تحقيقه.
تركت خلفها فراغًا أمنيًا وسياسيًا سرعان ما ملأته جماعات متناحرة: بعضها ذو طابع عشائري، وبعضها يرفع شعارات وطنية مشوشة، وبعضها – كما تشير تقارير غربية – يحظى بتسامحٍ أو دعمٍ غير مباشر من إسرائيل نفسها.²

في هذا المشهد المعقّد، تتحول غزة إلى لوحة شطرنج دامية، كل مربع فيها يملكه فصيل، وكل فصيل يبحث عن راعٍ خارجي، فيما تبقى إسرائيل اللاعب الوحيد الذي يراقب الجميع دون أن يخسر جنديًا واحدًا.


استنساخ عام 2007 بنسخةٍ جديدة

من يراجع التاريخ القريب يكتشف أن ما يجري اليوم ليس إلا نسخةً محدثة من مأساة عام 2007، حين انفجرت الحرب الداخلية بين حماس وفتح، ووقفت إسرائيل على التل تشاهد الأشقاء يتقاتلون، بينما كانت هي تحقّق أعظم مكاسبها الاستراتيجية: انقسام الوطن الفلسطيني إلى سلطتين، وحصار قطاع يمكن التحكّم فيه عن بُعد.³

واليوم، بعد ما يقارب العقدين، تتكرّر الحكاية؛ لكن هذه المرة ليس بين فتح وحماس، بل بين حماس وميليشيات محلية تُعرف باسم “الجيش الشعبي” أو “القوات الشعبية”، في ظل هدنة أمريكية تُدار من واشنطن لا من رام الله أو غزة.⁴


إسرائيل… حين تحارب بالانتظار

في الحروب الحديثة، لا تحتاج إسرائيل إلى إطلاق النار كي تنتصر.
يكفيها أن تزرع بذور الشك والعداوة بين القوى الفلسطينية، وأن تمنح كل فصيل مساحةً صغيرة يظن أنه يحكمها، بينما هي في الحقيقة تتحكم في الهواء والمعابر والمعلومات.

تتحول الهدنة هنا إلى سلاحٍ نفسي واستراتيجي:
   •   توقف القتال بين إسرائيل وحماس،
   •   وتبدأ حرب أشد ضراوة بين الفلسطينيين أنفسهم،
   •   فيما يطلّ الجيش الإسرائيلي من خلف الحدود، يحرس الصمت ويحصي المكاسب.


ترامب… الوسيط الذي يخدم الفوضى

اتفاق وقف إطلاق النار الذي حمل توقيع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بدا في ظاهره إنجازًا دبلوماسيًا، لكنه في جوهره تكريسٌ للانقسام.
فالاتفاق لم يتضمّن أي آلية واضحة لإدارة ما بعد الحرب، ولم يُحدّد من يملك الشرعية في غزة، ولا كيف ستُعاد الإعمار أو تُنظَّم السلطة.
ترك كل ذلك غامضًا، وكأن الغموض نفسه مقصود — ليتيح لإسرائيل أن تصنع واقعًا ميدانيًا جديدًا بأيدي الفلسطينيين أنفسهم.⁵

وهكذا، تحوّل الاتفاق إلى هدنة على الورق وحربٍ على الأرض؛ بدلًا من أن يُعيد وحدة الصف، فتح الباب أمام ولادة “كيانات أمنية محلية” تمزّق الجسد الفلسطيني إلى أوصالٍ متناحرة.


مصر… الوسيط الذي لا يغيب عن الطاولة

منذ اللحظة الأولى لاشتعال الحرب في غزة، كانت القاهرة حاضرة في كل خيطٍ من خيوط المفاوضات، حتى وإن غابت عن أضواء الكاميرات.
فمن جولات القاهرة والدوحة الأولى التي أعادت فتح قنوات الاتصال بين الفصائل الفلسطينية، إلى اجتماعات أمانة المخابرات العامة المصرية التي قادها اللواء عباس كامل ثم تابعها لاحقًا اللواء حسن رشاد، ظلّت مصر العمود الفقري لكل مبادرةٍ سياسية أو إنسانية.

كانت القاهرة تدرك أن وقف إطلاق النار ليس غايةً في ذاته، بل بوابةٌ نحو تسويةٍ أوسع تُعيد وحدة القرار الفلسطيني وتمنع تكرار دوامة الدم والانقسام.
ولهذا سعت — في مواجهة ضغوطٍ أمريكيةٍ وإسرائيليةٍ متعارضة — إلى صياغة اتفاقٍ متوازن يربط بين وقف النار، وبدء الإعمار، وضمان تدفّق المساعدات، وعودة السلطة الوطنية إلى دورها الإداري.

غير أن التعنّت الإسرائيلي، ورفض تل أبيب لأي صيغة تُقيد تحكمها في المعابر والملف الأمني، جعلا كثيرًا من الجهد المصري يذوب في دهاليز السياسة الأمريكية التي أرادت تسويق الاتفاق كإنجازٍ دبلوماسي للرئيس ترامب، متجاهلة أن مصر هي من مهدت الطريق ورتبت التفاصيل الميدانية التي جعلت التوقيع ممكنًا أصلًا.

ورغم ذلك، لم تتراجع القاهرة، بل انتقلت من مجرد الوساطة إلى إدارة التوازن الدقيق بين جميع الأطراف — من واشنطن وتل أبيب إلى الدوحة ورام الله — محافظةً على الخيوط الواهية للتهدئة، ومؤكدةً أن السلام في غزة لا يُصنع على الورق بل على الأرض، بوساطةٍ مصريةٍ تعرف خريطة الألم كما تعرف خريطة الحدود.


غزة… من حصار الحديد إلى حصار الذات

اليوم، لا تحتاج إسرائيل إلى أن تُغلق المعابر، فقد أغلق الفلسطينيون قلوبهم بأنفسهم.
ولا تحتاج إلى فرض حظر تجوّل، فالميليشيات المحلية تتكفّل بالمهمة.
ولا حاجة إلى بثّ الدعاية، فالقنوات الفلسطينية المتنازعة تقوم بها نيابةً عنها.

تحوّلت غزة من رمزٍ للمقاومة إلى مرآةٍ للصراع الداخلي، تتناوب فيها البنادق على رفع شعار “التحرير” بينما تصوّبها نحو صدور الفلسطينيين.


خاتمة: حين يُكتب التاريخ من مقعد المتفرّج

سيكتب المؤرخون يومًا أن إسرائيل خاضت أخطر حروبها دون أن تطلق رصاصة، وأنها نجحت في تحويل العدو الواحد إلى خصومٍ متناحرين.
وسيقف العالم مذهولًا أمام مشهدٍ بدا سلامًا، لكنه كان في الحقيقة فصلًا جديدًا من الحرب بوجوه فلسطينية وأصابع إسرائيلية.

إنها اللعبة القديمة نفسها…
لكن الفرق أن المسرح هذه المرة أوسع، وأن المخرج الأمريكي يصفّق من بعيد، فيما يقف الوسيط المصري في الكواليس — يعمل بصمتٍ، ويمنع المشهد من الانهيار الكامل.


الهوامش التحليلية
1. تقرير موقع إرم نيوز، «ظهور جماعة الجيش الشعبي بقيادة أشرف المنسي وتحذيرها حركة حماس من الاقتراب من شمال غزة»، 5 أكتوبر 2025.
2. المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية (ECFR)، «خريطة الفصائل الفلسطينية – القوات الشعبية في غزة»، تحديث سبتمبر 2025.
3. روبرت سيري، الشرق الأوسط والصراعات والدبلوماسية، دار نشر الأمم المتحدة، 2018، ص 212-219.
4. صحيفة عرب نيوز، «قائد ميليشيا في غزة ينفي تلقي دعم إسرائيلي ويطالب حماس بالتنحي عن السلطة»، 25 سبتمبر 2025.
5. مجلة فورين بوليسي، «اتفاق ترامب لوقف إطلاق النار في غزة: صفقة مبنية على الانقسام»، عدد أكتوبر 2025.

المقال التالي ← → المقال السابق