بقلم د. وليد العزبي
سألني أحد الزملاء الشباب يومًا—وهو من أحبّهم إلى قلبي، ممن يحملون صدق الباحث وهمّ المعرفة—وقد ارتسمت على وجهه حيرة الجاد لا فضول العابر، فقال:
«كيف تكون الكويت صاحبة أقوى عملة في العالم، بينما اقتصادها لا يندرج ضمن أقوى اقتصادات العالم؟ أليست قوة العملة مؤشرًا على قوة الدولة؟»
ولأن السؤال لا يخص الكويت وحدها، بل يمسّ جوهر التفكير الاقتصادي نفسه، وجدتني أجيبه بما هو أعمق من رقمٍ يتراقص على شاشات الصرف.
العملة يا بُنَي… قرار لا قَدَر
في اقتصاد العالم، لا تعكس قوة العملة دائمًا قوة الاقتصاد؛ تمامًا كما لا تعكس قوة الصوت دائمًا قوة الحجة.
فالعملات تُرفع وتُخفض بقرارات نقدية، وباحتياطيات مالية ضخمة، وبسياسات تهدف إلى الاستقرار لا إلى استعراض العضلات.
ولم يكتسب الدينار الكويتي مكانته من اقتصاد متنوع، بل من ثلاثة عوامل واضحة:
1. ثروة نفطية هائلة واحتياطيات مالية تُعدّ من الأكبر عالميًا نسبةً إلى عدد السكان.
2. عدد سكاني محدود يسمح بتوزيع الفائض دون ضغط.
3. سياسة نقدية محكمة تعتمد ربطًا مدروسًا بسلة عملات وتحديد سعر صرف مرتفع لتحقيق الاستقرار.
هذه العوامل تصنع عملة قوية… لكنها لا تصنع بالضرورة اقتصادًا قويًا.
بين الثروة والقوة… مسافة لا تطويها الأرقام
الكويت دولة ثرية، نعم؛ لكن الثروة ليست معيار القوة الاقتصادية.
فقد تأتي الثروة من مورد واحد، أما القوة فلا تُبنى إلا على تنويع إنتاجي قادر على الصمود أمام تقلبات الأسواق والتحولات العالمية.
وحين يعتمد اقتصادٌ على النفط—مهما بلغت قيمته—يبقى عرضةً لتحولات الطاقة، والهزات الجيوسياسية، وتقلبات الأسعار.
وهكذا يظهر الفارق بين الدولة الغنية و الدولة القوية:
• الغِنى يمنح القدرة على الإنفاق،
• أما القوة فتصنع القدرة على الاستمرار.
العملة القوية… عبءٌ متخفٍّ لمن يريد أن يقوى
قد يبدو ارتفاع العملة مكسبًا، لكنه مكسبٌ مشروط.
فالعملة القوية تجعل:
• الصادرات أعلى سعرًا وأقل تنافسية،
• المنتجات المحلية أغلى من المستورد،
• والاستثمار الأجنبي أكثر حذرًا أمام كلفة التشغيل.
وهكذا ينكمش التنويع الاقتصادي وتتراجع فرص بناء قاعدة إنتاجية حقيقية.
وليس هذا كلامًا نظريًا؛ فالتاريخ الاقتصادي يُسعفنا بأمثلة واضحة:
• الصين حرصت على إبقاء اليوان أقل من قيمته الحقيقية لسنوات، لأن قوتها في صادراتها لا في ارتفاع عملتها.
• اليابان امتلكت ينًا قويًا، لكن قوة العملة أسهمت في عقود من الركود وأضعفت تنافسية الصادرات.
• الولايات المتحدة صاحبة أقوى اقتصاد عالمي، لكن الدولار ليس الأعلى سعرًا؛ لأن القوة الاقتصادية تُبنى على الإنتاج والابتكار والنفوذ المؤسسي.
• سويسرا تحمل واحدة من أقوى العملات، لكنها بَنَت قوتها على الصناعة الدقيقة، والقطاع المالي، والاستقرار المؤسسي، لا على سعر صرف الفرنك.
هذه الأمثلة تُذكّرنا أن الأرقام قد تخفي أكثر مما تُظهر.
القوة ليست في الرقم… بل فيما يصنع الرقم
ليس معيار الدولة أن تقول:
«ديناري يساوي ثلاثة دولارات».
بل أن تقول:
«أُنتج ما يغزو الأسواق، وأبتكر ما يدهش العالم، وأبني ما يضيف قيمة للإنسان».
وفي هذا الميزان نجد الكويت—على ثرائها—عالقة بين:
• اعتماد شبه كامل على النفط،
• توترات سياسية متكررة،
• تباطؤ مزمن في الإصلاح الاقتصادي،
• وهيكل ريعي لا يليق بثروة بهذا الحجم.
الدروس التي ينبغي أن نفهمها… لا تلك التي نرددها
إذا نظرنا إلى العالم بعين الاقتصادي لا بعين المتابع:
• قوة العملة انعكاس لسياسة نقدية، لا لقاعدة صناعية.
• الثروات الطبيعية قد ترفع العملة… لكنها لا ترفع معها تنويع الاقتصاد.
• والدول التي تقف على مورد واحد، تبقى واقفة على قدم واحدة.
والدول… لا تقف طويلًا على قدم واحدة.
كلمة أخيرة
حين نُقيّم دولة ما، لا نبدأ من قيمة عملتها، بل من قيمة ما تُنتجه.
ولا نقرأ سعر الصرف… بل نقرأ بنية الاقتصاد، ومتانة المؤسسات، وقدرة الدولة على الصمود أمام الزمن.
ولهذا يا بُني،
الكويت ليست لغزًا.
اللغز هو أن نظن أن الأرقام—مهما بلغت دقتها—تحكي الحقيقة وحدها.
فالحقيقة دائمًا في العمق…
لا في سعر الدينار.