حين تتحول نظرية الدفاع الوقائي إلى تقويض ممنهج لحظر استخدام القوة
بقلم د. وليد العزبي
لم تكن الضربات العسكرية التي وقعت في 28 فبراير 2026 ضد إيران مجرد عملية عسكرية عابرة في سياق صراع إقليمي متوتر، بل تمثل — من منظور القانون الدولي — لحظة كاشفة لأزمة عميقة في بنية النظام القانوني الدولي ذاته. فهذه العمليات تعكس اتجاهاً متنامياً نحو استخدام القوة تحت تأويلات توسعية لمفهوم الدفاع الشرعي، وهو ما يهدد بتآكل أحد أهم المبادئ الآمرة في العلاقات الدولية الحديثة، والمتمثل في حظر استخدام القوة المنصوص عليه صراحة في المادة (2/4) من ميثاق الأمم المتحدة¹.
أولًا: القاعدة الأصلية — الحظر شبه المطلق لاستخدام القوة
أرسى ميثاق الأمم المتحدة منذ عام 1945 قاعدة قانونية واضحة تحكم سلوك الدول في علاقاتها الدولية، مفادها التزام جميع الدول بالامتناع عن التهديد باستخدام القوة أو استعمالها ضد سلامة الأراضي أو الاستقلال السياسي لأي دولة¹.
وقد استقر الفقه الدولي المعاصر على اعتبار هذه القاعدة حجر الزاوية في النظام القانوني الدولي الذي نشأ بعد الحرب العالمية الثانية، إذ هدفت بالأساس إلى إنهاء المرحلة التاريخية التي كانت القوة العسكرية فيها وسيلة مشروعة لتحقيق المصالح السياسية للدول.
ومن ثم، فإن توجيه ضربات عسكرية داخل إقليم دولة ذات سيادة — كإيران — يندرج مبدئيًا ضمن نطاق “استخدام القوة” المحظور في القانون الدولي، ما لم يكن ذلك مستندًا إلى أحد الاستثناءات القانونية المحدودة التي يقرها الميثاق.
ثانيًا: غياب التفويض الأممي وسقوط إطار الأمن الجماعي
يجيز ميثاق الأمم المتحدة لمجلس الأمن، بموجب الفصل السابع، اتخاذ تدابير قسرية — بما فيها استخدام القوة العسكرية — للحفاظ على السلم والأمن الدوليين².
غير أنه حتى تاريخ كتابة هذا المقال لا يوجد تفويض صادر عن مجلس الأمن يجيز استخدام القوة العسكرية ضد إيران في هذا السياق.
ويترتب على ذلك أن العمليات العسكرية تخرج من إطار نظام الأمن الجماعي الذي أنشأه الميثاق، لتقع ضمن نطاق الأفعال الأحادية أو التحالفية خارج الإطار المؤسسي للأمم المتحدة، وهو النمط الذي ظل محل انتقاد واسع في الفقه الدولي، نظرًا لما يتيحه من إمكانية استخدام القوة بعيدًا عن الرقابة القانونية الجماعية.
وتبرز هنا مفارقة قانونية لافتة في بنية النظام الدولي المعاصر، إذ كلما كانت الدولة المنفذة للعمل العسكري أكثر نفوذًا في النظام الدولي، تقلّ احتمالات خضوعها للمساءلة الدولية الفعلية، خاصة في ظل شلل مجلس الأمن الناتج عن آلية استخدام حق النقض (الفيتو).
ثالثًا: إشكالية “الدفاع الوقائي” كذريعة قانونية
يرتكز التبرير القانوني الأكثر تداولًا لمثل هذه الضربات العسكرية على ما يُعرف في الفقه الاستراتيجي بمفهوم الدفاع الوقائي أو الضربة الاستباقية.
غير أن هذا المفهوم لا يجد سندًا صريحًا في نص المادة (51) من ميثاق الأمم المتحدة، التي تقر حق الدفاع الشرعي للدول فقط في حال وقوع هجوم مسلح عليها³.
وقد أكدت محكمة العدل الدولية هذا التفسير في حكمها الشهير في قضية الأنشطة العسكرية وشبه العسكرية في نيكاراغوا وضدها (نيكاراغوا ضد الولايات المتحدة) عام 1986، حيث اعتبرت أن ممارسة حق الدفاع الشرعي تظل مشروطة بوقوع هجوم مسلح فعلي يبرر الرد الدفاعي⁴.
وفي السياق الفقهي الأوسع، يميز القانون الدولي بوضوح بين حالتين:
• الدفاع عن النفس في مواجهة هجوم مسلح فعلي أو وشيك.
• الحرب الوقائية القائمة على افتراض تهديد مستقبلي محتمل.
وقد استقر الفقه الدولي منذ حادثة كارولاين عام 1837 على أن الدفاع الاستباقي لا يكون مشروعًا إلا إذا كان الخطر فوريًا ووشيكًا ولا يترك للدولة أي خيار آخر للرد، وهو معيار صارم نادر التحقق في الممارسة الدولية المعاصرة⁵.
وبناءً عليه، فإن توسيع مفهوم الدفاع الشرعي ليشمل ضربات عسكرية واسعة النطاق ضد تهديدات محتملة يثير إشكاليات قانونية جدية تتعلق بحدود الاستثناء من قاعدة حظر استخدام القوة.
رابعًا: إسقاط تعريف العدوان على الضربات العسكرية
اعتمدت الجمعية العامة للأمم المتحدة عام 1974 القرار رقم 3314 الذي يتضمن تعريفًا قانونيًا للعدوان⁶.
ويعرّف القرار العدوان بأنه استخدام القوة المسلحة من قبل دولة ضد سيادة دولة أخرى أو سلامتها الإقليمية أو استقلالها السياسي.
كما تنص المادة (3) من القرار على أن قصف إقليم دولة أخرى أو الهجوم العسكري على أراضيها يُعد من بين الأفعال التي يمكن أن تشكل صورًا من العدوان⁶.
وبتطبيق هذه المعايير الموضوعية على الضربات العسكرية التي استهدفت مواقع داخل الأراضي الإيرانية، تتوافر عدة عناصر قانونية لافتة، من بينها:
• استخدام القوة العسكرية المباشرة،
• داخل إقليم دولة ذات سيادة،
• دون تفويض صادر عن مجلس الأمن،
• وفي سياق تبرير يقوم على افتراض تهديد مستقبلي.
وبناءً على ذلك، يرى عدد من فقهاء القانون الدولي أن مثل هذه العمليات قد تندرج ضمن صور استخدام القوة التي تقترب من العتبة القانونية لمفهوم العدوان وفق المعايير الموضوعية الواردة في القرار 3314.
خامسًا: ازدواجية المعايير وتسييس الشرعية الدولية
تكشف أحداث عام 2026 عن إشكالية أعمق من مجرد نزاع عسكري، تتمثل في ظاهرة انتقائية تطبيق القانون الدولي.
فالأفعال ذاتها قد توصف في بعض الحالات بأنها عدوان واضح إذا صدرت عن دولة ضعيفة، بينما يعاد توصيفها في حالات أخرى باعتبارها عمليات ردع أو ضربات وقائية إذا صدرت عن قوى كبرى تمتلك نفوذًا سياسيًا واسعًا داخل النظام الدولي.
ولا يعكس هذا التباين اختلافًا في النصوص القانونية ذاتها، بل يعكس بصورة أكبر تأثير موازين القوة السياسية في تفسير تلك النصوص وتطبيقها عمليًا.
سادسًا: التوسع في الاستثناء يهدد القاعدة
تكمن الخطورة الحقيقية في مثل هذه العمليات العسكرية ليس فقط في آثارها المباشرة، بل في الأثر التراكمي لتبريرها قانونيًا تحت مظلة الدفاع الوقائي.
فإذا أصبح مجرد التهديد المحتمل مبررًا كافيًا لاستخدام القوة العسكرية، فإن قاعدة حظر استخدام القوة ستتحول تدريجيًا من قاعدة قانونية آمرة إلى قاعدة مرنة خاضعة للتقدير الأمني لكل دولة.
وقد حذر عدد من فقهاء القانون الدولي من هذا الاتجاه منذ حرب العراق عام 2003، معتبرين أن التوسع في تفسير الدفاع الشرعي قد يؤدي إلى تقويض جوهر نظام الأمن الجماعي الذي أنشأه ميثاق الأمم المتحدة⁷.
سابعًا: بين القانون والواقع الدولي
من الناحية القانونية البحتة، يصعب توصيف العمليات العسكرية الاستباقية واسعة النطاق داخل إقليم دولة ذات سيادة باعتبارها ممارسة تقليدية لحق الدفاع الشرعي، خاصة في ظل غياب هجوم مسلح فعلي أو تهديد وشيك بالمعنى الضيق الذي استقر عليه الفقه الدولي.
لكن من الناحية الواقعية، تكشف الممارسة الدولية عن اتجاه متزايد نحو إعادة تشكيل قواعد استخدام القوة من خلال الممارسة العملية للدول (ممارسة الدول)، وهو ما قد يؤدي مع مرور الوقت إلى نشوء عرف دولي أكثر تساهلًا مع مفهوم الضربات الوقائية.
خاتمة: هل نحن أمام أزمة قانون أم أزمة نظام دولي؟
إن قراءة حرب 28 فبراير 2026 لا ينبغي أن تقتصر على بعدها العسكري، بل يجب فهمها في سياقها القانوني الأعمق.
فإما أن يظل مبدأ حظر استخدام القوة قاعدة قانونية ملزمة تُطبَّق دون انتقائية،
وإما أن يتحول تدريجيًا إلى مبدأ نظري يعاد تفسيره كلما تعارض مع المصالح الاستراتيجية للقوى الكبرى.
ومن ثم، فإن القراءة القانونية التقليدية لنصوص ميثاق الأمم المتحدة وتعريف العدوان تميل إلى عدم تبرير مثل هذه الضربات تحت غطاء الدفاع الوقائي، بل ترى فيها نموذجًا لاستخدام القوة خارج الإطار المؤسسي للأمم المتحدة، وهو ما يثير تساؤلات جدية حول مستقبل القيود القانونية على اللجوء إلى القوة في النظام الدولي المعاصر.
الهوامش
1. ميثاق الأمم المتحدة، المادة (2/4)، مؤتمر سان فرانسيسكو، 1945.
2. ميثاق الأمم المتحدة، الفصل السابع المتعلق بإجراءات حفظ السلم والأمن الدوليين.
3. ميثاق الأمم المتحدة، المادة (51) الخاصة بحق الدفاع الشرعي عن النفس.
4. محكمة العدل الدولية، قضية الأنشطة العسكرية وشبه العسكرية في نيكاراغوا وضدها (نيكاراغوا ضد الولايات المتحدة)، حكم 27 يونيو 1986.
5. حادثة كارولاين (Caroline) بين الولايات المتحدة وبريطانيا، 1837، والتي أرست معيار الضرورة الفورية والخطر الوشيك في الدفاع الشرعي في القانون الدولي.
6. الجمعية العامة للأمم المتحدة، القرار رقم 3314 لسنة 1974 بشأن تعريف العدوان.
7. كريستين غراي، القانون الدولي واستخدام القوة، مطبعة جامعة أكسفورد.