بقلم: د. وليد العزبي
ما كان يومًا خيالًا أدبيًا أسود كتبه جورج أورويل عام 1949، نعيشه اليوم واقعًا ملموسًا في فلسطين. ففي روايته 1984، تخيّل عالمًا يحكمه الاستبداد والمراقبة واللغة المزوّرة¹. واليوم، على الأرض الفلسطينية، يتجسّد المشهد: جدار إسمنتي يقسّم الأرض، كاميرات تراقب كل حركة، وخطاب سياسي يقلب الحقائق رأسًا على عقب.
في عالم أورويل، كانت وزارة الحقيقة تعيد صياغة التاريخ بما يخدم السلطة. وفي فلسطين، لا يختلف الأمر كثيرًا: الاحتلال يُسوَّق كـ”أرض الميعاد”، والجدار العازل يُقدَّم كـ”حاجز أمني”، والمقاومة تُختزل في بعض الروايات إلى مجرد “إرهاب”. النتيجة واحدة: الحقيقة تُمحى من دفاتر البشر لتبقى حكرًا على الأقوى.
وكما كان “الأخ الأكبر” يطارد الناس في كل زاوية، تحاصر الطائرات المسيّرة ونقاط التفتيش والكاميرات حياة الفلسطينيين اليومية. وكما ابتكر أورويل اللغة الجديدة² لإفراغ الكلمات من معناها، يُفرغ الخطاب السياسي المعاصر القضية الفلسطينية من إنسانيتها، ويمنح الجلاد حق الادعاء بالدفاع عن النفس.
ومع ذلك، ثمة فارق جوهري: بطل الرواية “وينستون سميث” انهزم أمام آلة القمع، بينما الفلسطيني ظلّ يقاوم. يقاوم بالحجر أمام الدبابة، بالذاكرة أمام محاولات المحو، وبالأمل رغم الرصاص المطاطي والقرارات الدولية الباردة.
هنا يلتقي الأدب بالقانون. فبينما استخدم أورويل الكلمة للتحذير، تكشف فلسطين الانتهاكات بنصوص القانون الدولي نفسها: اتفاقية جنيف الرابعة (1949)³ تحظر النقل القسري والاستيطان (المادة 49)، والإعلان العالمي لحقوق الإنسان (1948)⁴ يضمن الحق في الحياة والكرامة (المادة 3)، ومحكمة العدل الدولية أكدت في رأيها الاستشاري عام 2004 عدم شرعية الجدار العازل. أما نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية (1998)⁵، فيُدرج الترحيل القسري واستهداف المدنيين ضمن جرائم الحرب (المادة 8(2)(b)(viii)) والجرائم ضد الإنسانية (المادة 7(1)(d)).
إذن، لم تعد 1984 مجرد خيال أدبي، بل صارت واقعًا عربيًا يعيشه الفلسطيني. والسؤال اليوم لم يعد نظريًا، بل وجوديًا: هل نسمح أن تتحوّل فلسطين إلى نسخة أبدية من عالم أورويل، أم نكتب روايتنا بأيدينا قبل أن يُعاد التاريخ بمداد الاحتلال؟
إن ما يجري في فلسطين ليس اختبارًا للقانون الدولي فقط، بل امتحان لضمير الأمة العربية. فالعمل العربي المشترك لم يعد ترفًا سياسيًا، بل ضرورة لمواجهة عزلة تفرضها الجدران والاحتلال. الدفاع عن فلسطين هو دفاع عن ذاكرتنا المشتركة وحقنا في أن نكون أمة واحدة.
باختصار، الجدار لا يسقط بالحجر وحده، بل حين تتكاتف الأيدي، وحين ندرك أن فلسطين هي البوصلة: إذا ضاعت، ضاع كل اتجاه.
الهوامش
1. جورج أورويل، 1984 (1949)، رواية سياسية شهيرة حذّرت من الأنظمة الشمولية.
2. “اللغة الجديدة” (Newspeak): نظام لغوي ابتكره أورويل لتقليص المفردات وتشويه المعاني للسيطرة على الفكر.
3. اتفاقية جنيف الرابعة (1949)، المادة 49، تحظر النقل القسري والاستيطان في الأراضي المحتلة.
4. الإعلان العالمي لحقوق الإنسان (1948)، المادة 3: “لكل فرد الحق في الحياة والحرية وفي الأمان على شخصه.”
5. نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية (1998)، المواد 7(1)(d) و8(2)(b)(viii) تصنّف الترحيل القسري واستهداف المدنيين كجرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية.