لم يكن الطابق السادس في مبنى الأهرام مجرد طابق في مؤسسة صحفية، ولم تكن غرفه مكاتب تقليدية يجلس فيها كتّاب يؤدون عملًا يوميًا ثم ينصرفون. كان، في لحظة استثنائية من تاريخ مصر الثقافي، أشبه بمجمع للعقل المصري والعربي؛ مكانًا اجتمعت فيه أسماء لو وُزعت على عصور مختلفة لكفت كل واحدة منها لصناعة مشهد ثقافي كامل.
هناك كان توفيق الحكيم، ونجيب محفوظ، ويوسف إدريس، وزكي نجيب محمود، ولويس عوض، وعائشة عبد الرحمن «بنت الشاطئ»، وحسين فوزي، وصلاح طاهر، وثروت أباظة، وغيرهم من كبار الأدباء والمفكرين والفنانين. وكان مكتب توفيق الحكيم، الغرفة رقم 606، أشهر غرف ذلك الطابق وأكثرها ازدحامًا بالحوارات واللقاءات الفكرية.[1]
ثم جاء محمود درويش، الشاعر الفلسطيني الشاب آنذاك، ليجد نفسه فجأة بين أسماء كان يقرأها قبل أن يجالسها.
ولعل سر هذه التجربة لم يكن في شهرة أصحابها وحدها، بل في الفكرة التي صنعتها.
حين قاد محمد حسنين هيكل «الأهرام»، لم يتعامل مع الصحيفة باعتبارها أوراقًا تُطبع كل صباح فحسب، بل باعتبارها مؤسسة قادرة على صناعة المجال العام، وتشكيل الذائقة، وإدارة الحوار بين الفكر والسياسة والأدب.
ومن هنا جاءت فكرة استقطاب كبار الكتّاب والمثقفين، ليس فقط لكي يكتبوا للأهرام، وإنما لكي يكونوا داخلها.
فالقيمة الحقيقية لم تكن في المقال وحده، بل في وجود صاحبه.
أن يكون توفيق الحكيم على بعد خطوات من نجيب محفوظ، وأن يلتقي يوسف إدريس بزكي نجيب محمود، وأن يمر صحفي شاب على غرفة أحدهم فيسمع حوارًا لم يكن ليقرأه في كتاب، كان في حد ذاته مدرسة لا تقل أثرًا عن الجامعة.
وكانت الغرفة 606، مكتب توفيق الحكيم، قلب هذه المدرسة.
لم تكن مكتبًا بالمعنى الإداري، بل تحولت مع الوقت إلى ما يشبه الصالون الثقافي أو «البرلمان الفكري» غير الرسمي، يجتمع فيه الأدباء والصحفيون والفنانون، وتبدأ أحاديثه بالأدب فلا يُعرف أين تنتهي؛ عند السياسة، أم الفلسفة، أم أحوال المجتمع.
والأجمل أن أصحاب هذا المجلس لم يكونوا أبناء اتجاه واحد.
كان بينهم اليساري والمحافظ، والعقلاني والمهتم بالتراث، والروائي والفيلسوف، والفنان والصحفي السياسي. لم تكن قيمة المكان في الاتفاق، وإنما في قدرة المختلفين على البقاء حول مائدة واحدة.
وهنا تظهر إحدى أهم ملامح ذلك العصر: كان الخلاف الفكري لا يعني القطيعة.
كانت الأفكار تتصارع، لكن أصحابها يلتقون.
ولعل هذا بالتحديد مما نفتقده اليوم.
ومن التفاصيل الدالة على مكانة ذلك الطابق أن محمد سلماوي روى أن هيكل، رغم مكانته ونفوذه، حين كان يريد لقاء كبار الكتّاب والمفكرين كان يصعد إليهم في الطابق السادس بدلًا من أن يستدعيهم إلى مكتبه.[1]
وفي هذا المشهد معنى يتجاوز المجاملة الشخصية.
كان الاعتراف بأن للإدارة سلطانًا، ولكن للفكر هيبة.
وكان نجيب محفوظ نموذجًا آخر لذلك العالم.
رجل شديد الانضباط، دقيق في مواعيده، هادئ في حضوره، حتى إن محمود درويش روى أنه إذا عرض عليه القهوة نظر أولًا إلى ساعته ليتأكد مما إذا كان موعدها قد حان.
وعلى الطرف الآخر كان يوسف إدريس؛ أكثر اندفاعًا وصخبًا، وأقرب إلى الحياة البوهيمية المتدفقة.
ودرويش نفسه وصف الصديقين بأنهما شخصيتان متناقضتان: محفوظ شديد الانضباط، وإدريس يعيش حياة أكثر فوضوية وبوهيمية.[3]
تخيل أن يجلس محفوظ وإدريس في مساحة واحدة، وبينهما محمود درويش، وعلى مقربة منهم توفيق الحكيم.
لم يكن الطابق السادس يجمع أسماء فقط، بل كان يجمع طبائع ومدارس وأمزجة إنسانية متباعدة.
وهذا تحديدًا ما أعطاه سحره.
ومن أجمل ما رُوي عن ذلك المكان ما حدث بين نجيب محفوظ والكاتب الشاب آنذاك محمد سلماوي.
أعطى سلماوي محفوظ بروفات إحدى مجموعاته القصصية، فقرأها محفوظ وأعادها إليه وقد سجل عليها ملاحظاته بالقلم الرصاص، موضحًا أنه اختار الرصاص حتى يستطيع سلماوي محو تلك الملاحظات إذا لم يقتنع بها.[1]
واختيار الرصاص هنا يكاد يكون درسًا في ذاته.
كأن نجيب محفوظ يقول لكاتب شاب:
هذه رؤيتي، وليست حكمًا نهائيًا عليك.
درس في الأدب، ودرس أكبر في التواضع.
لم يكن الكبار يومها يقيمون أسوارًا عالية بينهم وبين الأجيال الجديدة. كان الصحفي أو الكاتب الشاب يستطيع أن يقترب، وأن يسأل، وأن يستمع، وأن يتعلم، وربما أن يختلف أيضًا.
ولهذا لم يكن الدور السادس مخزنًا للمشاهير، بل مصنعًا للأجيال.
لكن الطابق الذي عرف الأدب والفن عرف السياسة كذلك.
ففي مارس 1973، وفي ذروة حالة «اللا سلم واللا حرب»، ارتبط عدد من مثقفي الأهرام ببيان اعترض على استمرار حالة الجمود، وكان من بين الموقعين نجيب محفوظ. وتحولت القضية إلى أزمة مع السلطة طالت بعض الكتّاب والصحفيين، ووصل أثرها إلى وقف مقال محفوظ الأسبوعي لبعض الوقت.[2]
وهنا ندرك أن الغرفة 606 لم تكن معزولة عن الشارع والدولة.
كانت الثقافة وقتها طرفًا أصيلًا في المجال العام، وكان للمثقف وزن يجعل كلمة يوقع عليها قادرة على إثارة أزمة سياسية.
ثم مرت السنوات.
توفي توفيق الحكيم عام 1987، وبقي مكتبه يحمل شيئًا من حضوره.
وفي العام التالي، 1988، حصل نجيب محفوظ على جائزة نوبل في الأدب، فأصبح مقصده الصحفيون والدبلوماسيون والباحثون والوفود القادمة من أنحاء العالم.
وقررت إدارة الأهرام فتح مكتب توفيق الحكيم، الغرفة 606، وتخصيصه لمحفوظ لاستقبال زواره.
لكن محفوظ ظل يتعامل مع الغرفة كأنه ضيف فيها.
وتروي شهادات الأهرام أنه لم يكن يجلس خلف مكتب الحكيم، بل ظل يجلس على الأريكة المقابلة، احترامًا لأستاذه، حتى بعد أن أصبح هو نفسه أول أديب عربي يحصل على جائزة نوبل في الأدب.[2]
وقد يكون هذا المشهد وحده كافيًا لفهم روح ذلك الجيل.
كاتب أصبح اسمه عالميًا، ومع ذلك بقيت في داخله مساحة تسمح له بأن يرى أستاذه أكبر من الجائزة.
ثم تأتي حكاية محمود درويش لتمنح الطابق السادس بعده العربي.
حين جاء الشاعر الفلسطيني إلى القاهرة، انتقل إلى الأهرام بدعوة من محمد حسنين هيكل، وعمل في الطابق السادس بين تلك القامات. وقد استعاد درويش بنفسه لاحقًا دهشته من وجوده إلى جوار نجيب محفوظ ويوسف إدريس وتوفيق الحكيم وغيرهم.[3]
لم تعد تلك الأسماء بالنسبة إليه أغلفة كتب على رفوف المكتبة.
أصبحت وجوهًا يراها، وأصواتًا يسمعها، وعقولًا يحاورها.
وهكذا لم يعد الطابق السادس مساحة مصرية فقط، بل أصبح في جانب منه ملتقى للعقل العربي كذلك.
والسؤال الذي يفرض نفسه اليوم ليس: لماذا كان هؤلاء عظماء؟
فلكل واحد منهم تاريخه ومنجزه.
السؤال الأهم هو:
كيف استطاعت مؤسسة واحدة أن تجمع هذا العدد من القامات في ممر واحد؟
والإجابة، في تقديري، أن تلك التجربة فهمت شيئًا ربما نفتقد بعضه اليوم:
أن الثقافة لا تُصنع بالنشر وحده، وإنما تُصنع كذلك بالمجال الذي يسمح للفكر بأن يلتقي بفكر آخر.
ليس المهم أن تمتلك كاتبًا كبيرًا.
الأهم أن تخلق بيئة تجعل الكبار يلتقون، والشباب قريبين منهم، والاختلاف مقبولًا، وتجعل المؤسسة نفسها ترى في الفكر قيمة مستقلة، لا مجرد زينة تضاف إلى واجهتها.
كان يمكن لتوفيق الحكيم أن يكتب من منزله.
وكان يمكن لنجيب محفوظ أن يرسل مقاله دون أن يلتقي بأحد.
وكان يمكن ليوسف إدريس أن يكتب في أي مكان.
لكن العبقرية كانت في جمعهم.
في أن يكون الحوار غير المخطط له جزءًا من يومهم.
أن يمر أحدهم على الآخر.
أن تولد فكرة في ممر.
أن يتغير رأي في جلسة قهوة.
وأن يتعلم كاتب شاب من جملة عابرة ربما قالها أستاذ كبير ثم نسيها، بينما بقيت معه طوال حياته.
ولهذا بقي الطابق السادس في الذاكرة.
ليس لأنه كان الأعلى في المبنى، ولا لأنه كان الأكثر فخامة، بل لأنه كان، في زمن ما، واحدًا من أعلى طوابق مصر من حيث قيمة من جلسوا فيه.
وكان عنوانًا لمرحلة آمنت بأن قوة الدولة ليست فقط في اقتصادها وسلاحها ومؤسساتها، وإنما أيضًا في كتّابها ومفكريها وفنانيها.
وحين ننظر إليه اليوم، لا ينبغي أن نتعامل معه باعتباره مجرد حكاية جميلة من الماضي، بل باعتباره سؤالًا للمستقبل:
هل نستطيع مرة أخرى أن نصنع مكانًا يجمع قامات مختلفة؛ تتحاور بلا خوف، وتختلف بلا قطيعة، وتمنح الأجيال الجديدة فرصة أن تتعلم بالمجالسة كما تتعلم بالكتب؟
لقد انتهى عصر الطابق السادس بشخوصه، لكن فكرته لم تفقد صلاحيتها.
وربما كان أجمل وفاء لذلك الجيل ألا نكتفي بالحنين إليه، وإنما أن نحاول استعادة المعنى الذي مثله:
أن يكون للفكر مكان، وللمثقف هيبة، وللاختلاف مساحة، وللأجيال باب مفتوح على من سبقها.
وهكذا لم يكن الطابق السادس في مبنى الأهرام مجرد عنوان بريدي.
كان، لفترة من الزمن، عنوانًا للعقل العربي نفسه.
المراجع
[1] نادية عبد الحليم، «حكايات سكان الدور السادس في الأهرام»، صحيفة الشرق الأوسط، 29 أغسطس 2019. ويتضمن المقال شهادات للكاتب محمد سلماوي حول الغرفة 606، وصعود محمد حسنين هيكل إلى كتّاب الطابق السادس، وقصة ملاحظات نجيب محفوظ بالقلم الرصاص.
[2] مؤسسة الأهرام: «حكاية الغرفة 606»، الأهرام اليومي، 12 أغسطس 2022؛ وانظر أيضًا ملف الأهرام عن نجيب محفوظ وعلاقته بالمؤسسة، وما ورد فيه بشأن بيان المثقفين في مارس 1973 وانتقال محفوظ إلى مكتب الحكيم بعد نوبل.
[3] الأهرام العربي، «حصل على راتب 140 جنيهًا.. ننشر لأول مرة قرار تعيين محمود درويش في الأهرام»، متضمنًا شهادة محمود درويش عن انتقاله إلى الأهرام ووجوده في الطابق السادس وعلاقته بنجيب محفوظ ويوسف إدريس وتوفيق الحكيم.