أدب

من رسائل الإمام الشافعي إلى «قاع الهامور».. كيف يكتب المصريون حكاياتهم وشكاواهم؟ بقلم د. وليد العزبي

September 15, 2026 admin لا توجد تعليقات

ثمة كتب تقرؤها لتعرف موضوعًا، وثمة كتب أخرى تفتحها فتجد مجتمعًا كاملًا ينظر إليك من بين الصفحات.

ومن هذا النوع كتاب عالم الاجتماع المصري الكبير الدكتور سيد عويس «رسائل إلى الإمام الشافعي».

فالكتاب، في ظاهره، دراسة عن رسائل كان بعض المصريين يبعثون بها إلى ضريح الإمام الشافعي. لكنك ما إن تتقدم في صفحاته حتى تكتشف أن موضوعه الحقيقي أوسع بكثير: الإنسان المصري نفسه.

ما الذي يخيفه؟

ما الذي يطلبه حين تضيق به السبل؟

كيف يروي مظلمته؟

وأين يذهب بحكايته حين يشعر أن أحدًا لم يسمعها؟

وبعد عقود طويلة من دراسة سيد عويس، تبدو المقارنة مغرية مع عالم رقمي ساخر ظهر أخيرًا على مواقع التواصل الاجتماعي: «قاع الهامور».

المسافة بين ضريح الإمام الشافعي ومدينة خيالية مستوحاة من «سبونج بوب» تبدو شاسعة.

لكن ربما ليست شاسعة كما نتصور.

فالوسائل تتغير، بينما تظل حاجة الإنسان إلى الحكي، والشكوى، والضحك، والبحث عمن يسمعه، واحدة من أكثر حاجاته ثباتًا.

طفل يكتب رسالة.. ثم يعود إليها عالمًا للاجتماع

وُلد سيد عويس عام 1913، وأصبح لاحقًا واحدًا من أبرز رواد علم الاجتماع الميداني في مصر.

وكانت ميزته الأساسية أنه لم ينظر إلى المجتمع من شرفة الأكاديمية.

اقترب من الناس.

من الشارع.

من العادات.

من الحكايات.

ومن تلك التفاصيل الصغيرة التي قد تمر أمامنا كل يوم فلا ننتبه إليها، بينما يراها عالم الاجتماع مرآة لمجتمع كامل.

والطريف أن فكرة أشهر دراساته بدأت من ذكرى طفولة.

يروي سيد عويس أنه، حين كان صغيرًا وشعر بالقلق على مستقبله الدراسي، كتب ورقة يطلب فيها العون من الإمام الشافعي ووضعها في مقصورة الضريح.

مرت الأعوام.

كبر الطفل.

وأصبح عالم اجتماع.

لكن الورقة الصغيرة بقيت في ذاكرته.

ثم عاد إليه السؤال بصورة مختلفة:

إذا كنت قد فعلت ذلك طفلًا، فماذا يكتب الآخرون؟

ولماذا يكتبون؟

وماذا يمكن لهذه الأوراق البسيطة أن تكشف عن المصريين؟

ومن هنا بدأت واحدة من أمتع المغامرات البحثية في علم الاجتماع المصري.

163 رسالة.. و163 نافذة على الحياة

درس سيد عويس 163 رسالة وصلت إلى ضريح الإمام الشافعي عن طريق البريد، يعود معظمها إلى الفترة من مايو 1952 إلى مايو 1958.

لم تكن رسائل متشابهة.

بل كانت الحياة المصرية نفسها وقد تحولت إلى أوراق.

رجل فقد ماله.

امرأة تعاني مشكلة أسرية.

فلاح يبحث عن حق.

مريض يتمنى الشفاء.

شاب يريد الزواج.

فتاة تنتظر نصيبها.

شخص يريد معرفة من سرقه.

وآخر يشكو ممن ظلمه.

وقد يقرأ إنسان هذه الرسائل اليوم فيبتسم.

لكن عظمة سيد عويس أنه لم يضحك من أصحابها.

لم يتعامل معهم باعتبارهم مادة طريفة، وإنما باعتبارهم بشرًا يواجهون الخوف والقلق والظلم بالوسائل التي يعرفونها.

وهنا تكمن إحدى أجمل وظائف علم الاجتماع:

أن يفهم الإنسان قبل أن يحاكمه.

حين تتحول الشكوى إلى حكاية

المدهش في تلك الرسائل أنها لم تكن كلها مجرد أدعية أو طلبات روحية.

كثير منها كان أقرب إلى محضر شكوى مكتوب بلغة الحياة اليومية.

هناك واقعة.

وهناك ظالم ومظلوم.

وهناك تفاصيل.

وهناك طلب برد حق أو كشف حقيقة أو إنصاف.

وكأن صاحب الرسالة كان يعيد ترتيب العالم على الورق.

يروي ما حدث له.

يسمي الأشياء بأسمائها.

ثم يضع حكايته في مكان يمنحه شعورًا بأن الشكوى وصلت إلى جهة تسمعها، ولو رمزيًا.

وهذا لا يعني، بطبيعة الحال، أن تلك الرسائل كانت بديلًا عن القضاء أو مؤسسات الدولة.

الأمر أعمق وأكثر إنسانية.

فالإنسان قد يطرق أبواب القانون، ويستعين بأسرته، ويشتكي إلى من حوله، ثم يظل بعد كل ذلك محتاجًا إلى شيء آخر:

أن يحكي.

أن يقول ما حدث كاملًا.

أن يشعر بأن أحدًا سمعه.

وما لا تقوله الأرقام

ومن أكثر أفكار سيد عويس إثارة حديثه عما سماه «الجرائم غير المنظورة».

والمقصود هنا ليس أن الرسائل كانت سجلًا جنائيًا موازيًا، وإنما أنها تكشف طبقة من الحياة الاجتماعية قد لا تصل أصلًا إلى السجلات الرسمية.

نزاع بين جارين.

مشكلة داخل أسرة.

شعور بالظلم.

خوف من شخص ما.

إهانة.

تهديد.

سرقة لم يُبلّغ عنها.

أو حتى إحساس بالخذلان لا يعرف صاحبه كيف يصيغه في لغة قانونية.

هذه الأشياء قد لا تظهر في جداول الإحصاء.

لكنها موجودة.

تتحرك داخل المجتمع.

وتترك أثرها في الناس.

وهنا تتضح قيمة التفاصيل الصغيرة.

فالأرقام تخبرنا بما تم تسجيله.

أما الحكايات فتخبرنا أحيانًا بما عاشه الناس.

الإنسان لا يريد المال فقط

تكشف الرسائل أيضًا شيئًا بالغ الأهمية عن معنى العدالة.

فالإنسان حين يُظلم لا يبحث دائمًا عن تعويض مالي فقط.

أحيانًا يريد أن يسمع أحدهم اعترافًا واضحًا:

أنت كنت على حق.

أحيانًا يريد استعادة كرامته.

أحيانًا يريد معرفة لماذا حدث ما حدث.

وأحيانًا يريد أن يرى الحقيقة تظهر أمام الناس.

فالمال قد يعوض خسارة، لكنه لا يعالج دائمًا جرح الكرامة.

ولهذا كانت بعض الرسائل تطلب كشف الحقيقة أو رد الاعتبار أو إنصاف صاحبها أكثر مما تطلب مالًا.

العدالة، في الوعي الإنساني، ليست رقمًا فقط.

إنها شعور أيضًا.

من «الفلاح الفصيح» إلى صاحب المنشور

وهنا تفرض نفسها مقارنة مصرية قديمة.

قصة «الفلاح الفصيح».

إنسان بسيط يتعرض للظلم، ثم يصر على الكلام.

يشرح.

ويكرر.

ويطالب بأن يُسمع.

وبين ذلك الفلاح المصري القديم، وبين صاحب رسالة أرسلها إلى الإمام الشافعي في القرن العشرين، آلاف السنين.

تغيرت الدولة.

وتغير القانون.

وتغيرت اللغة.

وتغير المجتمع.

لكن شيئًا واحدًا ظل موجودًا:

حاجة الإنسان إلى أن يروي مظلمته.

وهذه الحاجة لم تختف مع دخولنا العصر الرقمي.

بل ربما أصبحت أكثر وضوحًا.

الهاتف المحمول حل محل الورقة

المصري اليوم لم يعد يحتاج إلى قلم وطابع بريد.

يكفي أن يفتح هاتفه.

يكتب منشورًا.

أو يسجل فيديو.

أو ينشر تعليقًا.

أو يدخل إلى مجموعة خاصة بالسكان أو الحي أو المدرسة أو العمل.

ثم يبدأ:

«يا جماعة حصل معايا النهارده…»

وهذه الجملة وحدها تكفي لفتح مسرح اجتماعي كامل.

قد يشكو شخص من جار.

أو موظف.

أو صاحب محل.

أو مشكلة أسرية.

أو موقف حدث في الشارع.

وفي دقائق، تتدفق التعليقات.

شخص يتعاطف.

وشخص يسخر.

وثالث يعطي نصيحة.

ورابع يؤكد أنه مر بالموقف نفسه.

وخامس يحول القصة كلها إلى نكتة.

وهكذا لم تعد الشكوى رسالة في اتجاه واحد.

لقد تحولت إلى حوار جماعي.

ثم جاء «قاع الهامور»

وهنا ندخل إلى واحدة من أكثر الظواهر الرقمية طرافة: «قاع الهامور».

المشهد في أصله بسيط.

عالم خيالي مستوحى من «سبونج بوب».

لكن المصريين فعلوا ما يجيدونه دائمًا.

أخذوا العالم الخيالي، ثم أعادوا بناء مصر داخله.

ظهرت أحياء.

ومحال.

وإعلانات.

وسكان.

ووظائف.

ومشكلات أسرية.

وخلافات.

وشكاوى.

ومواقف يومية.

وفجأة صار «قاع الهامور» أقل شبهًا بمدينة تحت الماء، وأكثر شبهًا بحي مصري انتقل إلى قاع البحر.

وهنا تكمن العبقرية الشعبية في الظاهرة.

فالمصري لا يدخل العالم الخيالي وحده.

يحمل معه مجتمعه كاملًا.

لغته.

وطريقة كلامه.

ونكاته.

وشكل علاقاته.

وتفاصيل يومه.

وطريقته في الشكوى أيضًا.

السخرية ليست ضحكًا بريئًا دائمًا

للمصريين علاقة قديمة ومعقدة بالسخرية.

فالنكتة عند المصري لا تؤدي وظيفة واحدة.

هي ضحك، نعم.

لكنها أحيانًا تفسير.

وأحيانًا مقاومة.

وأحيانًا تفريغ للضغط.

وأحيانًا طريقة مختصرة لقول أشياء كثيرة لا تحتاج بعدها إلى شرح.

يكفي أن تقول:

«جار مزعج».

أو «صاحب محل».

أو «موظف خدمة عملاء».

أو «مشكلة في العمارة».

وسرعان ما يبني الناس في خيالهم قصة كاملة.

لأننا لا نضحك فقط على الكلمات.

نحن نضحك على خبرة مشتركة.

وهذه الخبرة الاجتماعية المشتركة هي المادة الخام الحقيقية لـ«قاع الهامور».

لهذا يمكن النظر إلى الظاهرة باعتبارها أكثر من موجة كوميدية.

إنها، في جانب منها، إعادة تمثيل ساخرة للمجتمع المصري.

ماذا لو كان سيد عويس بيننا اليوم؟

من الخطأ طبعًا أن ننسب إلى عالم راحل رأيًا لم يقله.

لكن يظل من المشروع أن نتخيل سؤاله البحثي لو عاش عصر الهواتف الذكية.

هل كان سيكتفي بالرسائل الورقية؟

أغلب الظن أن العالم الذي وجد مجتمعًا كاملًا في 163 رسالة كان سيجد مادة لا تنتهي في ملايين المنشورات والتعليقات.

ربما كان سيدرس مجموعات الأحياء.

أو صفحات الشكاوى.

أو النكات.

أو التعليقات.

أو «الميمز».

أو تلك العوالم الساخرة التي يصنعها الناس ثم يبدأون فجأة في التعامل معها وكأنها أماكن حقيقية.

وربما كان «قاع الهامور» سيجذبه تحديدًا.

لا باعتباره مزحة فقط.

بل باعتباره سؤالًا اجتماعيًا:

لماذا يعيد المصري بناء حياته الحقيقية داخل عالم خيالي؟

والإجابة ربما تبدأ من النقطة نفسها التي بدأ منها كتاب «رسائل إلى الإمام الشافعي»:

لأن الإنسان حين يحكي، يكشف عن نفسه أكثر مما يظن.

المجتمع يكتب نفسه كل يوم

وهنا نصل إلى الفكرة الأهم.

المجتمع لا يكتب تاريخه فقط في الصحف والوثائق الرسمية.

يكتبه الناس أيضًا.

يكتبونه في رسالة امرأة خائفة.

وفي شكوى فلاح.

وفي نكتة.

وفي تعليق.

وفي تسجيل صوتي.

وفي منشور مجهول على الإنترنت.

وفي «ميم» لا يعيش أكثر من يومين.

وربما في مدينة خيالية تحت الماء يسكنها المصريون أسبوعًا ثم يغادرونها إلى موجة أخرى.

هذه الأشياء تبدو عابرة.

لكنها ليست بلا قيمة.

لأنها تحفظ شيئًا شديد الأهمية:

مزاج اللحظة.

كيف كان الناس يتكلمون؟

مم كانوا يخافون؟

ما الذي كان يضحكهم؟

ما الذي كان يزعجهم؟

وكيف كانوا يرون أنفسهم والآخرين؟

وأحيانًا تخبرنا نكتة واحدة عن عصرها أكثر مما تخبرنا صفحات من الأرقام.

كلمة أخيرة

بعد أكثر من نصف قرن على دراسة سيد عويس، لم يعد السؤال فقط:

لماذا كتب بعض المصريين إلى الإمام الشافعي؟

السؤال اليوم أكبر:

كيف يكتب المصري نفسه في كل عصر؟

مرة كتب على ورقة.

ثم كتب في صحيفة.

ثم على شاشة كمبيوتر.

واليوم يكتب بإبهامه على الهاتف.

أضاف الصورة.

والفيديو.

والتعليق.

والـ«ميم».

وأحيانًا يصنع عالمًا كاملًا في «قاع الهامور» لكي يحكي بطريقة ساخرة ما يحدث فوق سطح الأرض.

ومن هنا ربما يصبح الرابط بين «رسائل الإمام الشافعي» و«قاع الهامور» أقل غرابة مما بدا في البداية.

ففي الحالتين هناك إنسان يحاول أن يحول تجربته إلى حكاية.

مرة يفعل ذلك برجاء.

ومرة بالسخرية.

ومرة بالشكوى.

ومرة بالضحك.

لكن الدافع الإنساني واحد تقريبًا:

أن يقول: هذه حكايتي.. فهل يسمعها أحد؟

لقد اكتشف سيد عويس أن رسالة صغيرة كتبها شخص مجهول يمكن أن تحمل داخلها مجتمعًا كاملًا.

واليوم ربما ينبغي لعلماء الاجتماع أن ينظروا بالجدية نفسها إلى ما يكتبه الناس على شاشات هواتفهم.

فخلف المزاح معنى.

وخلف الشكوى خوف أو أمل.

وخلف الحكاية مجتمع.

ومن رسائل الإمام الشافعي إلى «قاع الهامور» تتغير الوسائل، ويتغير شكل الحكي، لكن يبقى المصري محتفظًا بموهبة قديمة جدًا:

أن يحول ما يعيشه إلى حكاية.. وما يؤلمه إلى نكتة.. وما يشغله إلى قصة يتشاركها مع الآخرين.

المراجع

  1. سيد عويس، التاريخ الذي أحمله على ظهري: سيرة ذاتية.
  2. سيد عويس، رسائل إلى الإمام الشافعي: ظاهرة إرسال الرسائل إلى ضريح الإمام الشافعي – دراسة سوسيولوجية، الطبعة الثانية، 1978.
  3. سيد عويس، الخلود في التراث الثقافي المصري، دار المعارف، 1966.
المقال التالي ← → المقال السابق