تاريخ

قبل أن تعبر مصر القناة: كيف أُعدّت ملحمة السادس من أكتوبر؟ الجزء الرابع: الساعة الثانية ظهرًا — يوم سقط الحاجز النفسي قبل أن يسقط خط بارليف بقلم د. وليد العزبي

October 15, 2026 admin لا توجد تعليقات

في الثانية ظهر يوم السادس من أكتوبر ١٩٧٣، انتهت سنوات الإعداد وبدأ التنفيذ.

في تلك اللحظة لم تكن مصر تختبر خطة عسكرية فحسب، بل كانت تختبر كل ما أعادت بناءه منذ عام ١٩٦٧:

الجيش.

والقيادة.

والتدريب.

والهندسة العسكرية.

والدفاع الجوي.

والقدرة على التنسيق بين الأسلحة المختلفة.

والأهم من ذلك كله، القدرة على تحويل سنوات التخطيط إلى عملية عسكرية منظمة تُنفذ تحت النيران.

وفي التوقيت نفسه تقريبًا كانت القوات السورية تبدأ هجومها على جبهة الجولان.

وهكذا بدأت الحرب على جبهتين في وقت واحد.

وبعد سنوات من الاعتقاد بأن الجيش المصري غير قادر على تنفيذ عملية هجومية كبرى عبر قناة السويس، أصبح ما اعتُبر مستبعدًا واقعًا عسكريًا خلال دقائق. [١]

الضربة الأولى

بدأ الهجوم المصري بضربة جوية أعقبها تمهيد مدفعي كثيف على امتداد جبهة القناة.

استهدفت الطائرات والمَدفعية مواقع القيادة والسيطرة، ومواقع المدفعية والدفاعات والتحصينات الإسرائيلية، إلى جانب أهداف عسكرية أخرى في سيناء.

لكن الضربة الجوية والقصف المدفعي لم يكونا غاية في ذاتهما.

كان الهدف هو خلق الظروف المناسبة للعملية الأهم:

عبور المشاة.

فبينما كانت المواقع الإسرائيلية تتعرض للقصف، كانت وحدات الاقتحام تستعد على الضفة الغربية للقناة.

وبعد وقت قصير بدأت القوارب تتحرك شرقًا.

وهنا بدأ الاختبار الحقيقي للخطة المصرية. [١]

القوارب قبل الكباري

من أهم تفاصيل عملية السادس من أكتوبر أن الجيش المصري لم ينتظر إقامة الكباري حتى يبدأ الهجوم.

فلو حدث ذلك لأصبح تجمع القوات والمعدات على الضفة الغربية هدفًا واضحًا للطيران والمدفعية الإسرائيلية.

ولذلك قامت الفكرة على العكس تمامًا.

المشاة أولًا.

عبرت الموجات الأولى في قوارب الاقتحام الخفيفة والمطاطية، ووصل الجنود إلى الضفة الشرقية قبل عبور الدبابات والمدفعية الثقيلة.

وبمجرد الوصول بدأوا في توسيع مناطق السيطرة، وتأمين مواقعهم، والتعامل مع التحصينات القريبة، والاستعداد لمواجهة الاحتياطيات المدرعة الإسرائيلية التي كان متوقعًا أن تتحرك سريعًا نحو القناة.

وتشير الدراسات العسكرية إلى أن عناصر من خمس فرق مشاة مصرية عبرت قناة السويس يوم السادس من أكتوبر، وبدأت في إقامة رؤوس جسور شرق القناة، في واحدة من أكبر عمليات اقتحام الموانع المائية في الحروب الحديثة. [٢]

وهنا ظهرت فلسفة الخطة:

لا تنتظر وصول الدبابة حتى تحمي الجندي.

بل يعبر الجندي أولًا ليهيئ الأرض التي ستعبر عليها الدبابة.

الهجوم على جبهة واسعة

لم تعتمد مصر على فتح ثغرة واحدة تستطيع إسرائيل تركيز قواتها أمامها.

بل نُفذ العبور على امتداد جبهة واسعة وفي قطاعات متعددة للجيشين الثاني والثالث الميدانيين.

وكان لذلك أثر بالغ الأهمية.

فالتصور الدفاعي الإسرائيلي كان يفترض بدرجة كبيرة إمكانية مواجهة عمليات عبور محدودة عن طريق نقاط خط بارليف ثم دفع الاحتياطيات المدرعة سريعًا إلى مناطق الاختراق.

لكن ما وقع في السادس من أكتوبر كان مختلفًا.

لم تكن هناك قوة صغيرة تحاول فتح ممر واحد.

كان هناك هجوم واسع، وموجات متعددة من المشاة، وقطاعات عبور عديدة، وتحرك متزامن لوحدات الهندسة والمدفعية والدفاع الجوي والإمداد.

وتشير الدراسات العسكرية الأمريكية إلى أن الدفاع الإسرائيلي كان أكثر استعدادًا للتعامل مع محاولات عبور محدودة منه للتعامل مع عملية اقتحام واسعة على طول الجبهة بهذا الحجم. [٢]

وبذلك فرضت مصر منذ البداية شكل المعركة الذي أعدته هي، لا الشكل الذي توقعه خصمها.

الساتر الترابي: العقبة الثانية

لم تكن قناة السويس نهاية المشكلة.

بل كانت بدايتها.

فبعد المياه مباشرة كان الجنود أمام ساتر ترابي ضخم أقامته إسرائيل على الضفة الشرقية، شديد الارتفاع والانحدار في قطاعات عديدة، ويشكل عائقًا خطيرًا أمام انتقال الدبابات والمدفعية والعربات.

وكان لا بد من فتح عشرات الممرات فيه خلال وقت قصير.

واستخدام المتفجرات وحدها كان يعني الحاجة إلى كميات ضخمة منها وإلى وقت أطول، كما أن المعدات الميكانيكية الثقيلة كانت ستواجه صعوبة شديدة في التعامل مع هذا الحجم من الرمال تحت القتال.

وهنا ظهر أحد أشهر الحلول الهندسية في حرب أكتوبر:

مضخات المياه ذات الضغط العالي.

وُجهت مياه قناة السويس بقوة نحو الساتر الترابي، فبدأت الرمال تنهار وتُزاح، وتتكون الممرات التي تستطيع من خلالها المعدات الثقيلة الوصول إلى سيناء.

وتؤكد المصادر الإسرائيلية نفسها أن الخطة المصرية قامت على تفتيت الساتر الترابي في عشرات المواقع باستخدام تيارات المياه ذات الضغط المرتفع. [٣]

وكان في الأمر مفارقة تاريخية لافتة:

المياه التي كان ينبغي أن تكون جزءًا من المانع الذي يحمي سيناء، أصبحت هي نفسها أداة لفتح الطريق إليها.

المهندسون: المعركة التي لا تظهر في الصورة

عندما تُذكر حرب أكتوبر، تتصدر الذاكرة غالبًا صورة الجندي المصري وهو يعبر القناة أو يرفع العلم على الضفة الشرقية.

لكن خلف هذه الصورة كانت تدور معركة أخرى لا تقل أهمية.

معركة المهندسين.

فنجاح المشاة في الوصول إلى الضفة الشرقية لا يكفي وحده لتحقيق النصر.

فالمشاة يحتاجون إلى الذخيرة.

ويحتاجون إلى المدفعية.

والمدفعية تحتاج إلى طرق.

والدبابات تحتاج إلى الكباري.

والقوات كلها تحتاج إلى الوقود والمؤن والإخلاء والإمداد المستمر.

ولهذا كان على وحدات المهندسين، بينما القتال مستمر، أن تفتح الممرات في الساتر، وتشغل المعديات، وتقيم الكباري، وتنظم حركة آلاف المركبات والأفراد بين ضفتي القناة.

كانت هذه عملية عسكرية ولوجستية شديدة التعقيد.

فالهدف لم يكن مجرد إيصال الجندي إلى شرق القناة.

بل تحويل وجوده هناك من قوة اقتحام خفيفة إلى قوة عسكرية كاملة تستطيع البقاء والقتال وصد الهجوم المضاد.

ولهذا كان المهندس، إلى جانب جندي المشاة، أحد أبطال الساعات الأولى للحرب. [١]

ماذا حدث لخط بارليف؟

قبل الحرب كان اسم «خط بارليف» قد اكتسب صورة رمزية هائلة.

فهو لم يكن مجرد مجموعة من المواقع المحصنة.

كان جزءًا من تصور أوسع بأن قناة السويس والتحصينات والاحتياطيات المدرعة والطيران الإسرائيلي تجعل تنفيذ هجوم مصري ناجح مهمة شديدة الصعوبة.

لكن الخطة المصرية لم تقبل أن تفرض تلك الحصون شكل المعركة.

لم يكن من الضروري إسقاط كل نقطة حصينة في الدقائق الأولى.

في مواقع عديدة جرى عبور القناة بين التحصينات، ثم عزل المواقع الإسرائيلية وتطويقها والتعامل معها تباعًا بعد أن تكون القوات المصرية قد ثبتت أقدامها شرق القناة.

وتؤكد المصادر الإسرائيلية أن التصور المصري قام على عبور القوات في المسافات بين المواقع الحصينة، وضرب هذه المواقع وعزلها أولًا، ثم مهاجمتها بعد استقرار رؤوس الجسور. [٣]

وهذه نقطة أساسية لفهم ما يعنيه القول إن «خط بارليف سقط».

فالخط لم يختف في لحظة واحدة.

ولم تسقط جميع حصونه في الساعة نفسها.

بل استمر القتال حول بعض النقاط الحصينة أيامًا، وظلت نقطة «بودابست» في أقصى الشمال في يد القوات الإسرائيلية طوال الحرب. [٣]

لكن الخط فقد منذ الساعات الأولى وظيفته الاستراتيجية الأساسية:

لم يمنع الجيش المصري من عبور القناة، ولم يمنعه من إقامة وجود عسكري واسع ومستقر شرقها.

وهذا هو المعنى الحقيقي لانهيار خط بارليف كمنظومة دفاعية.

الدبابات الإسرائيلية تتحرك

كان رد الفعل الإسرائيلي المتوقع هو الدفع بالمدرعات سريعًا نحو مناطق العبور.

وهذا تحديدًا ما استعد له المصريون.

فالعقيدة العسكرية الإسرائيلية بعد حرب ١٩٦٧ أعطت للدبابة والمناورة المدرعة دورًا بالغ الأهمية.

وكان المتوقع أن تتحرك الوحدات المدرعة نحو القناة للقضاء على قوات المشاة المصرية قبل أن تتمكن من تثبيت مواقعها واستكمال عبور الأسلحة الثقيلة.

لكن المشاة المصريين لم يعبروا القناة بلا وسيلة لمواجهة الدبابات.

كانوا يحملون معهم كثافة من الأسلحة المضادة للدروع، من الصواريخ الموجهة والقواذف المضادة للدبابات إلى الأسلحة الأخرى المخصصة لمواجهة المدرعات.

وبذلك تحولت بعض نقاط القوة الإسرائيلية إلى أهداف معدة سلفًا.

فعندما اندفعت الدبابات نحو مناطق العبور واجهت مشاة لا يحاولون الهروب منها، بل ينتظرونها.

وتسجل الدراسات العسكرية أن هجمات مدرعة إسرائيلية تعرضت لخسائر كبيرة أمام شبكة الدفاع المضاد للدبابات المصرية في الأيام الأولى للحرب. [٢]

وهنا ظهر تحول مهم في ميدان القتال:

الدبابة الإسرائيلية لم تعد وحدها صاحبة المبادرة.

مظلة الصواريخ

بقي الخطر الأكبر:

الطيران الإسرائيلي.

وكانت القيادة المصرية تعرف أن استمرار التفوق الجوي الإسرائيلي حقيقة لا يمكن تجاهلها.

ولذلك لم تبن الخطة على افتراض أن القوات الجوية المصرية ستسيطر على سماء سيناء.

بل قامت الخطة على تقليل قدرة إسرائيل على استخدام تفوقها الجوي بحرية.

وهنا ظهر الدور الذي أُعد له حائط الصواريخ خلال السنوات السابقة للحرب.

فعبرت القوات المصرية، ثم أقامت رؤوس جسورها داخل النطاق الذي تستطيع فيه شبكة الدفاع الجوي المصرية تقديم حماية مؤثرة.

ولذلك ارتبط عمق التقدم في المرحلة الأولى بمدى الحماية الجوية المتاحة.

وتشير الدراسات العسكرية إلى أن التصور المصري الأولي استهدف السيطرة على شريط محدود نسبيًا شرق القناة، بحيث تبقى القوات في نطاق تستطيع الصواريخ المضادة للطائرات حمايته. [٢]

وهذا يكشف إحدى أهم أفكار حرب أكتوبر:

مصر لم تحاول أن تكون أقوى من إسرائيل في كل مجال.

بل بنت معركة تقل فيها قدرة إسرائيل على استخدام بعض عناصر تفوقها.

لم تكن المسألة احتلال أكبر مساحة ممكنة

في الحروب قد يبدو التقدم السريع على الخريطة علامة نجاح.

لكن الخطة المصرية في المرحلة الأولى لم تكن مبنية على فكرة:

اعبر ثم اندفع بأقصى سرعة نحو عمق سيناء.

بل كانت أكثر انضباطًا.

العبور.

ثم إقامة رؤوس الجسور.

ثم فتح الممرات.

ثم إقامة الكباري.

ثم دفع الدبابات والمدفعية.

ثم صد الهجمات المضادة.

ثم دمج رؤوس الجسور وتثبيت القوات شرق القناة.

وكان المنطق بسيطًا:

الأرض التي يمكن الاحتفاظ بها عسكريًا أهم من أرض واسعة يمكن الوصول إليها ثم فقدها.

وبذلك كان الهدف في الساعات والأيام الأولى هو تغيير الواقع العسكري بصورة لا تستطيع إسرائيل محوها بسرعة.

وقد نجحت القوات المصرية في تحقيق هذا الجزء الأساسي من الخطة. [١]

من رؤوس جسور صغيرة إلى وجود عسكري كامل

خلال الساعات التالية استمرت موجات العبور.

وتدفقت الأسلحة والمعدات.

وعملت المعديات والكباري.

واتسعت رؤوس الجسور تدريجيًا.

وأصبح ما بدأ بقوارب تحمل مجموعات من المشاة وجودًا عسكريًا يزداد ثقلًا شرق القناة مع مرور الوقت.

وهذه ربما أهم نقطة في فهم عملية السادس من أكتوبر.

النجاح لم يكن في الوصول إلى الضفة الأخرى فقط.

فالعبور في حد ذاته لا يكفي.

كان النجاح الحقيقي هو القدرة على نقل قوة كافية إلى الشرق، وإمدادها، وتسليحها، وربطها بالضفة الغربية، ثم جعل إزاحتها تحتاج إلى معركة إسرائيلية واسعة.

وبذلك انتقلت مصر خلال ساعات من محاولة اقتحام مانع مائي إلى إنشاء جبهة جديدة داخل سيناء.

مساء السادس من أكتوبر

مع حلول مساء السادس من أكتوبر كانت صورة الجبهة قد تغيرت جذريًا مقارنة بما كانت عليه في الصباح.

أعداد كبيرة من الجنود المصريين أصبحت شرق القناة.

ومناطق العبور اتسعت.

والممرات في الساتر الترابي كانت تُفتح.

والمعديات والكباري تدخل العمل تباعًا.

والأسلحة الثقيلة بدأت تصل إلى الضفة الشرقية.

وفي الوقت نفسه كانت القيادة الإسرائيلية تحاول استيعاب حجم العملية.

لم تعد تواجه غارة محدودة.

ولم تعد أمام محاولة عبور يمكن القضاء عليها بمجموعة من الدبابات.

بل بدأت تدرك أنها أمام عملية عسكرية كاملة أُعد لها على مدى سنوات.

وتقر الدراسات العسكرية، بما فيها الدراسات الأمريكية والإسرائيلية، بأن العملية المصرية الأولى كانت متوافقة بدرجة كبيرة مع قدرات الجيش المصري، واستفادت من نقاط ضعف التصور الدفاعي الإسرائيلي على جبهة القناة. [٢][٣]

ليست «المفاجأة» وحدها

من السهل تفسير نجاح السادس من أكتوبر بكلمة واحدة:

المفاجأة.

لكن المفاجأة وحدها لا تعبر قناة.

ولا تفتح عشرات الممرات في ساتر ترابي.

ولا تقيم الكباري.

ولا تنقل المدفعية والدبابات.

ولا تحمي رؤوس الجسور.

ولا توقف الهجمات المدرعة المضادة.

المفاجأة أعطت مصر ميزة حاسمة في البداية.

لكن تحويل هذه الميزة إلى واقع عسكري احتاج إلى شيء آخر:

سنوات من التدريب والتخطيط.

احتاج إلى تنسيق بين القوات الجوية والمدفعية والمشاة والمهندسين والدفاع الجوي.

وإلى جنود يعرف كل منهم أين يذهب وماذا يفعل بعد الوصول إلى الضفة الأخرى.

وإلى منظومة إمداد تستطيع أن تستمر بينما المعركة دائرة.

ولذلك فإن اختزال نجاح السادس من أكتوبر في أن «إسرائيل فوجئت» يقلل من طبيعة الإنجاز العسكري نفسه.

فالعدو قد يُفاجأ ساعات.

لكن القوات غير المدربة لا تستطيع استغلال المفاجأة وتحويلها إلى موطئ قدم عسكري مستقر.

ثم جاءت الهجمات المضادة

بعد امتصاص الصدمة بدأت إسرائيل في تعبئة احتياطياتها وتنظيم قواتها ومحاولة استعادة المبادرة.

وكان هذا متوقعًا في التخطيط المصري.

فالقيادة المصرية لم تكن تتصور أن إسرائيل ستترك القوات التي عبرت تستقر دون محاولة تدميرها.

ومن هنا كان تثبيت رؤوس الجسور ومواجهة الاحتياطيات المدرعة جزءًا أساسيًا من المرحلة الأولى للحرب.

وفي الثامن من أكتوبر شنت القوات الإسرائيلية هجومًا مضادًا واسعًا على الجبهة المصرية.

لكن هذا الهجوم انتهى بخسائر كبيرة وفشل في دفع القوات المصرية مرة أخرى إلى غرب القناة. [٢]

وكان لهذه النتيجة معنى مهم:

بعد يومين من الحرب، لم تعد المسألة مجرد نجاح مصري في عبور القناة تحت تأثير المفاجأة.

لقد حاولت إسرائيل بالفعل استخدام قواتها المدرعة لاستعادة الموقف، ولم تستطع في تلك المرحلة محو رؤوس الجسور المصرية.

وهكذا أصبح الوجود المصري شرق القناة حقيقة عسكرية.

اليوم الذي تغير فيه معنى سيناء

منذ يونيو ١٩٦٧ كانت قناة السويس تمثل خطًا نفسيًا بقدر ما كانت تمثل خطًا جغرافيًا.

على غربها القوات المصرية.

وعلى شرقها سيناء المحتلة.

ومع مرور السنوات أصبح عبور هذا الحاجز يبدو لكثيرين مهمة بالغة الصعوبة.

لكن في مساء السادس من أكتوبر لم يعد هذا التقسيم قائمًا.

عاد الجيش المصري إلى أرض سيناء بقوة السلاح.

ولم يعد السؤال:

هل يستطيع المصريون عبور القناة؟

فقد عبروا.

ولم يعد السؤال:

هل يمكن اختراق خط بارليف؟

فقد جرى تجاوزه وعزله وبدأ سقوط مواقعه تباعًا.

ولم يعد السؤال:

هل يستطيع الجندي المصري مواجهة المدرعات الإسرائيلية؟

فقد وقعت المواجهة بالفعل.

وهذا هو المعنى النفسي والسياسي الأعمق للساعات الأولى للحرب.

فحتى قبل أن تتضح النتيجة النهائية لكل مراحل القتال، كان أحد أهم آثار هزيمة يونيو قد بدأ ينهار:

الشعور بأن الواقع الذي فرضته حرب ١٩٦٧ لا يمكن تغييره بالقوة.

العبور الأكبر كان في العقل

ولهذا لم يكن السادس من أكتوبر مجرد عبور لمجرى مائي.

كان عبورًا لحاجز نفسي تكون على مدى ست سنوات.

ففي صباح ذلك اليوم كان خط بارليف قائمًا.

وكانت إسرائيل تسيطر على الضفة الشرقية.

وكان الجيش المصري غرب القناة.

وبعد ساعات أصبح الجيش المصري يقاتل في سيناء.

لكن النجاح في اليوم الأول لم يكن نهاية الحرب.

كان بداية مرحلة أكثر تعقيدًا.

فكلما استقرت رؤوس الجسور ظهر سؤال أكبر:

ماذا بعد؟

هل تتمسك القوات بالهدف الذي خُطط له؟

أم تتقدم إلى عمق أكبر؟

وماذا يحدث إذا ابتعدت القوات عن مظلة الدفاع الجوي؟

وكيف يؤثر الضغط الإسرائيلي المتزايد على الجبهة السورية في القرار المصري؟

وماذا سيحدث عندما تستعيد إسرائيل قدرتها على المبادرة وتبدأ البحث عن نقطة ضعف في الجبهة المصرية؟

من هذه الأسئلة ستبدأ أكثر مراحل الحرب إثارة للجدل.

وستنتقل القصة من نجاح العبور إلى قرارات التطوير، ثم إلى المنطقة الواقعة بين الجيشين الثاني والثالث عند الدفرسوار، حيث ستظهر ثغرة ستغير شكل المعركة في أيامها الأخيرة.

وفي الجزء الخامس: من قمة النجاح إلى الثغرة — لماذا تطور الهجوم المصري؟ وكيف حدثت الدفرسوار؟ وهل كانت الثغرة هزيمة عسكرية أم أزمة عملياتية أم نجاحًا إسرائيليًا محدودًا؟ وكيف انتهى القتال والجيش الثالث شرق القناة والقوات الإسرائيلية غربها؟

⸻

المراجع

[١] القوات المسلحة المصرية، وثائق حرب أكتوبر ١٩٧٣: إدارة العملية والحرب بمراحلها حتى وقف إطلاق النار، وما تتضمنه من وثائق عن الضربة الجوية والتمهيد النيراني وعبور قناة السويس وإنشاء رؤوس الجسور وصد الهجمات المضادة.

[٢] مركز دراسات القتال بالجيش الأمريكي، دراسات حرب أكتوبر ١٩٧٣ وعمليات عبور قناة السويس، وبصفة خاصة الدراسات التي تناولت عبور الجيشين الثاني والثالث، وخمس فرق المشاة، وخطة رؤوس الجسور، والدفاعات المضادة للدبابات، والهجوم الإسرائيلي المضاد.

[٣] أرشيف الجيش ووزارة الدفاع الإسرائيلية، وثائق حرب أكتوبر المتعلقة بمواقع خط بارليف وعبور القوات المصرية لقناة السويس واستخدام مضخات المياه وعزل المواقع الحصينة وسقوطها تباعًا.

المقال التالي ← → المقال السابق