أدب

حين أبدعت مصر.. قراءة في العصر الليبرالي المصري ١٩١٩:١٩٥٢ بقلم د. وليد العزبي

October 15, 2026 admin لا توجد تعليقات

لا تُقاس عظمة المراحل التاريخية بطول بقائها، ولا بنجاح أنظمتها السياسية في الاحتفاظ بالسلطة، وإنما بما تتركه من أثر في حياة الشعوب، وما تنتجه من عقول ومؤسسات وإبداعات تتجاوز حدود زمانها.

ولعل العصر الليبرالي المصري، الممتد من ثورة 1919 حتى يوليو 1952، يقدم نموذجاً جديراً بالتأمل؛ فقد شهدت مصر خلال ثلاثة عقود، رغم الاحتلال الأجنبي والاضطرابات السياسية والتفاوت الاجتماعي، نهضة فكرية وثقافية وفنية وقانونية أسهمت في ترسيخ مكانتها مركزاً للإشعاع الحضاري في العالم العربي.

ولم تكن تلك المرحلة عصراً مثالياً، كما لم تكن مجرد حقبة من الصراعات السياسية والإخفاقات الاجتماعية؛ وإنما كانت تجربة تاريخية ثرية، اجتمع فيها التقدم والتناقض، والإبداع والأزمات.

دولة دستورية ونهضة فكرية

مثلت ثورة 1919 تحولاً مهماً في تطور الوعي الوطني، وأسهم صدور دستور 1923 في تأسيس حياة نيابية وحزبية عرفت المنافسة السياسية والصحافة المعارضة والنقاش العام حول الدستور والحقوق والحريات.

ورغم أن الاحتلال البريطاني وتدخل القصر الملكي حالا دون استقرار التجربة الديمقراطية، فإن تلك المرحلة أسهمت في ترسيخ تقاليد دستورية وسياسية مهمة في تاريخ مصر الحديث (1).

غير أن الإنجاز الأبرز للعصر الليبرالي لم يكن سياسياً بقدر ما كان ثقافياً وحضارياً.

ففي الأدب والفكر، برز طه حسين والعقاد وأحمد لطفي السيد وتوفيق الحكيم ومحمد حسين هيكل، وبدأ نجيب محفوظ مشروعه الروائي. وفي الشعر، تألقت أسماء أحمد شوقي وحافظ إبراهيم وإبراهيم ناجي وعلي محمود طه، وتعددت المدارس الأدبية والفكرية التي أسهمت في تشكيل الثقافة العربية الحديثة (2).

وفي الموسيقى، صعدت أم كلثوم ومحمد عبد الوهاب، وامتد تأثير سيد درويش، بينما تطورت السينما والمسرح وبرز نجيب الريحاني ويوسف وهبي، وتأسس ستوديو مصر عام 1935، لتصبح الفنون المصرية إحدى أبرز أدوات التأثير الثقافي في المنطقة.

وامتدت النهضة إلى العلم والتعليم والقانون؛ فأصبحت الجامعة المصرية جامعة حكومية عام 1925، وتأسس مجمع اللغة العربية عام 1932، وبرز العالم علي مصطفى مشرفة، كما قدم عبد الرزاق السنهوري إسهامه التشريعي الكبير في صياغة القانون المدني المصري الصادر عام 1948، والذي امتد تأثيره إلى عدد من التشريعات العربية.

وهكذا لم تكن مصر تستقبل الأفكار وحدها، بل كانت تنتجها وتطورها، وتقدم إلى محيطها العربي نماذج رائدة في الفكر والفن والقانون.

ما سر هذا الازدهار؟

لم تنشأ هذه النهضة من فراغ، ولم تكن نتاج النظام السياسي وحده؛ فقد سبقتها جهود تحديث بدأت منذ القرن التاسع عشر، وشملت التعليم والصحافة والطباعة وبناء المؤسسات والاتصال بالمعارف الحديثة.

لكن العصر الليبرالي أتاح، رغم قيوده، مساحة نسبية من التعددية الفكرية والصحفية والحزبية، فتجاورت المدارس الفكرية وتنافست الاتجاهات الأدبية، واحتدمت المناقشات حول قضايا الدين والمرأة والتعليم والهوية والحداثة.

وكان لذلك التنوع أثر مهم في إثراء الحياة الثقافية، إذ أوجد بيئة تتفاعل فيها الأفكار وتتطور من خلالها الاتجاهات العلمية والأدبية.

ولم تكن الحريات مطلقة، ولم تغب الرقابة أو الضغوط السياسية والاجتماعية، لكن حيوية النقاش العام كانت إحدى السمات البارزة لتلك المرحلة.

والحقيقة أن النهضة الحضارية لا يصنعها عامل منفرد؛ وإنما تتشكل حين تتكامل المؤسسات التعليمية مع الطاقات الفكرية، ويتفاعل التراث مع التجديد، وتتحول المعرفة إلى إنتاج ثقافي وعلمي قادر على الاستمرار.

الوجه الآخر للتجربة

ومع ذلك، فإن الاحتفاء بالإنجازات لا ينبغي أن يحجب الإخفاقات.

فقد عجز النظام السياسي عن تحقيق الاستقرار الدستوري والاستقلال الكامل طوال معظم المرحلة، كما استمرت الفوارق الاجتماعية والاقتصادية الحادة، وظلت قطاعات واسعة من الريف المصري تعاني الفقر والأمية وضعف الخدمات.

وكانت المشكلة الأساسية أن النهضة الفكرية والثقافية لم تصاحبها نهضة اجتماعية بالاتساع نفسه، فبقيت فرص التعليم والتقدم متفاوتة بين فئات المجتمع.

وقد أسهمت هذه التناقضات، إلى جانب الأزمات السياسية وتطور الحركة الوطنية، في تهيئة الظروف التي سبقت تحولات يوليو 1952 (3).

ومن هنا، فإن الإنصاف يقتضي الاعتراف بأن العصر الليبرالي نجح في بناء مؤسسات وإنتاج نخبة فكرية وثقافية متميزة، لكنه لم ينجح بالقدر ذاته في تعميم ثمار التقدم أو إرساء نظام سياسي مستقر.

نهضة تتجاوز الأنظمة

لم تتوقف مسيرة النهضة المصرية بانتهاء العصر الليبرالي؛ فقد شهدت البلاد بعد يوليو 1952 تحولات مهمة في التعليم والإصلاح الزراعي والتصنيع والحراك الاجتماعي، واستمر الإنتاج الأدبي والفني والعلمي، واتسعت قاعدة المستفيدين من فرص التعليم والعمل.

ولذلك، لا ينبغي قراءة التاريخ المصري الحديث باعتباره صراعاً بين مراحل متعارضة، وإنما بوصفه مسيرة متصلة من البناء والتطور، أسهمت فيها أجيال متعاقبة، واختلفت خلالها الأولويات والظروف والتحديات.

ولعل القيمة الحقيقية للعصر الليبرالي تكمن في أنه ترك رصيداً حضارياً تجاوز عمره السياسي؛ فما زال طه حسين يُقرأ، وأم كلثوم تُسمع، وأعمال محفوظ تُدرس، وتراث السنهوري حاضراً في الفكر القانوني.

وليس استمرار هذا التراث دليلاً على مثالية تلك المرحلة، وإنما شاهد على أن الإنجازات الحضارية قد تكون أبقى من النظم السياسية التي نشأت في ظلها.

فالنجاح التاريخي لا يُقاس فقط بما تحققه الدولة أثناء مرحلة معينة، بل بما تتركه للأجيال التالية من معرفة ومؤسسات وفرص للتقدم.

وهنا يكمن الدرس الأهم: إن الحضارة المصرية الحديثة لم يصنعها عهد واحد، ولم تحتكرها تجربة سياسية بعينها، وإنما هي حصيلة تراكم طويل من العمل والإبداع والتجديد.

فالحكومات تتغير، والعصور تتعاقب، أما الأمم العظيمة فتظل حاضرة بما تصنعه من عقول، وما تشيده من مؤسسات، وما تضيفه إلى الحضارة الإنسانية.

⸻

المراجع

(1) عبد العظيم رمضان، تطور الحركة الوطنية في مصر من سنة 1918 إلى سنة 1936، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة.

(2) شوقي ضيف، الأدب العربي المعاصر في مصر، دار المعارف، القاهرة.

(3) طارق البشري، الحركة السياسية في مصر 1945–1952، دار الشروق، القاهرة.

→ المقال السابق