في 23 أكتوبر 2026
لا تقتصر الإشكالية القانونية التي أثارتها مذكرة التفاهم البحرية الموقعة بين ليبيا وتركيا عام 2019، وما أعقب موافقة مجلس النواب الليبي عليها في أكتوبر 2026، على مسألة مشروعية الاتفاق أو مدى جواز الاحتجاج به على الدول الثالثة، وإنما تمتد إلى تحديد القواعد القانونية الملزمة للدول التي تختلف مراكزها تجاه المعاهدات الدولية.
ففي الوقت الذي أصبحت فيه مصر طرفاً في اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار لعام 1982، وقعت ليبيا على الاتفاقية دون التصديق عليها، بينما لم تنضم تركيا إليها.
وهو ما يثير تساؤلاً أساسياً: هل يؤدي اختلاف المراكز التعاهدية إلى اختلاف القواعد التي تحكم الاستحقاقات البحرية وترسيم الحدود؟ أم أن ثمة مبادئ قانونية مشتركة تلزم الدول الثلاث بصرف النظر عن عضويتها في الاتفاقية؟
وقد تناولنا في الجزء الأول من هذه السلسلة مشروعية الاتفاق التركي الليبي وآثاره في مواجهة مصر، ثم عرضنا في الجزء الثاني الأسانيد القانونية التي يمكن أن يستند إليها الموقف المصري لحماية حقوقه السيادية، وفي مقدمتها الطبيعة الأصلية للحقوق البحرية وعدم جواز فرض الحدود المتفق عليها على الدول الثالثة.
أما هذا الجزء، فيتناول الأساس العرفي لهذه القواعد، وكيفية إثباتها، ودور القضاء الدولي في تطوير مناهج الترسيم المنصف، ومدى إمكان توظيف هذه المبادئ في تقييم المطالبات البحرية المتعارضة في شرق البحر المتوسط.
وتكمن أهمية هذا التناول في أن العرف الدولي لا يمثل مجرد مصدر مكمل للمعاهدات، وإنما يعد مصدراً مستقلاً للقانون الدولي، قد يفرض التزامات قانونية على الدول حتى وإن لم تكن أطرافاً في الاتفاقيات التي تتضمن القواعد ذاتها.
أولاً: العرف الدولي مصدراً مستقلاً للقانون الدولي
حددت المادة 38 من النظام الأساسي لمحكمة العدل الدولية العرف الدولي ضمن المصادر التي تطبقها المحكمة، بوصفه دليلاً على ممارسة عامة مقبولة باعتبارها قانوناً.
ويقصد بالعرف الدولي القواعد التي تنشأ عن ممارسة عامة للدول، مصحوبة باعتقادها بأن هذه الممارسة تستند إلى حق أو التزام قانوني.
ويقوم العرف الدولي على عنصرين أساسيين:
العنصر المادي: ويتمثل في الممارسة العامة للدول، بما يشمل التشريعات الوطنية، والتصرفات الرسمية، والمواقف الدبلوماسية، والتطبيقات العملية للقانون الدولي.
العنصر المعنوي: ويتمثل في الاعتقاد بالإلزام القانوني، أي أن تكون ممارسة الدول مستندة إلى تصور قانوني بوجوب التصرف أو جوازه، وليس مجرد اعتبارات سياسية أو مجاملات دولية.
وقد أكدت لجنة القانون الدولي بالأمم المتحدة، في استنتاجاتها الصادرة عام 2018 بشأن تحديد قواعد القانون الدولي العرفي، ضرورة توافر العنصرين لإثبات وجود القاعدة العرفية.
ولا يشترط لتكوّن العرف أن تتطابق ممارسات جميع الدول بصورة مطلقة، أو أن تستمر لمدة زمنية محددة، وإنما يتعين أن تكون الممارسة عامة وممثلة ومتسقة بدرجة كافية، ومصحوبة بالاعتقاد بإلزاميتها القانونية.
ومن ثم، فإن إثبات القاعدة العرفية لا يتحقق بمجرد إيراد نص قانوني أو حكم قضائي، بل يستلزم دراسة الممارسة الدولية ومدى قبولها بوصفها قانوناً.
ثانياً: العلاقة بين اتفاقية قانون البحار والقواعد العرفية
لا يعني ورود قاعدة في معاهدة دولية أنها أصبحت بالضرورة قاعدة عرفية ملزمة للدول غير الأطراف فيها.
فقد تكون المعاهدة قد دونت قاعدة عرفية قائمة، أو ساهمت في بلورتها، أو تضمنت أحكاماً تعاهدية لم تكتسب بعد صفة العرف الدولي.
وقد عالجت محكمة العدل الدولية هذه المسألة في قضايا الجرف القاري لبحر الشمال عام 1969، عندما بحثت مدى اكتساب طريقة تساوي الأبعاد، الواردة في اتفاقية جنيف لعام 1958، صفة العرف الدولي.
وانتهت المحكمة إلى عدم ثبوت إلزام تلك الطريقة عرفياً في النزاع المعروض عليها، مؤكدة أن مجرد إدراج حكم في معاهدة لا يكفي بذاته لاكتسابه قوة عرفية عامة.
وتبرز أهمية هذا الحكم بالنسبة إلى النزاع المصري الليبي التركي في أنه يفرض التمييز بين النصوص الاتفاقية الملزمة لأطرافها والقواعد العرفية التي تسري بصورة مستقلة.
فعدم انضمام تركيا إلى اتفاقية قانون البحار، وعدم تصديق ليبيا عليها، لا يعفيهما من القواعد العرفية الثابتة المتعلقة بالاستحقاقات البحرية والترسيم المنصف.
وفي المقابل، لا يجوز الاحتجاج عليهما بجميع الأحكام التفصيلية للاتفاقية بوصفها قواعد عرفية دون إثبات ذلك.
وبالتالي، فإن أساس الالتزام لا يتحدد بمجرد عضوية الدولة في الاتفاقية، وإنما بطبيعة القاعدة القانونية ومصدر إلزامها.
ثالثاً: الاعتراض المستمر على القاعدة العرفية وحدوده
يعرف القانون الدولي، بشروط محددة، فكرة الدولة المعترضة باستمرار على قاعدة عرفية خلال مرحلة تكوّنها.
وقد تناولت لجنة القانون الدولي هذه المسألة في الاستنتاج رقم 15 لعام 2018.
ويشترط الاعتداد بهذا الاعتراض أن يكون واضحاً، وأن يكون قد أُعلن للدول الأخرى، وأن يصدر أثناء تكوّن القاعدة العرفية ويستمر بعد استقرارها.
ولا يكفي مجرد امتناع الدولة عن التوقيع على معاهدة أو التصديق عليها لإثبات توافر هذه الشروط.
ومن ثم، فإن عدم انضمام تركيا إلى اتفاقية قانون البحار لا يعني تلقائياً أنها اعترضت اعتراضاً مستمراً على جميع القواعد العرفية التي تعكسها الاتفاقية.
كما أن توقيع ليبيا على الاتفاقية دون التصديق لا يحول دون إلزامها بالقواعد العرفية المستقرة.
ويقتضي تطبيق هذا المفهوم تحديد القاعدة محل الاعتراض وتاريخ تكوّنها، وتحليل المواقف القانونية والممارسات ذات الصلة، دون الخلط بين الاعتراض على معاهدة والاعتراض على قاعدة عرفية بعينها.
رابعاً: الترسيم المنصف في قضاء محكمة العدل الدولية
يعد تحقيق حل منصف من المبادئ الأساسية التي تحكم تعيين الحدود البحرية بين الدول ذات السواحل المتقابلة أو المتجاورة.
وقد أكدت محكمة العدل الدولية في حكم بحر الشمال لعام 1969 ضرورة مراعاة المبادئ المنصفة والظروف ذات الصلة، وعدم التقيد بطريقة هندسية واحدة بصورة آلية.
كما تناولت المحكمة في حكم الجرف القاري بين ليبيا ومالطا الصادر في الثالث من يونيو 1985 العلاقة بين الجغرافيا البحرية والاستحقاقات القانونية وتحقيق نتيجة منصفة.
وتطور القضاء الدولي لاحقاً نحو استخدام منهج أكثر تحديداً، ظهرت معالمه في حكم البحر الأسود بين رومانيا وأوكرانيا عام 2009، ثم في حكم الصومال ضد كينيا عام 2021.
ويقوم هذا المنهج، في الحالات المناسبة، على ثلاث مراحل مترابطة.
الأولى: تحديد السواحل ذات الصلة ورسم خط مؤقت لتساوي الأبعاد أو خط الوسط بحسب الوضع الجغرافي.
الثانية: فحص الظروف ذات الصلة التي قد تستوجب تعديل هذا الخط لتحقيق نتيجة منصفة.
الثالثة: إجراء اختبار عدم التناسب، للتأكد من عدم وجود تفاوت صارخ بين أطوال السواحل ذات الصلة والمساحات البحرية الناتجة عن الترسيم.
ولا يعني هذا المنهج أن الترسيم يتم على أساس توزيع رياضي للمساحات البحرية بما يتناسب حسابياً مع أطوال السواحل.
كما أنه ليس قاعدة جامدة تصلح للتطبيق دون مراعاة خصوصيات كل نزاع.
وتبرز أهمية هذه المبادئ عند تحليل أي خطوط بحرية متعارضة في شرق المتوسط؛ إذ يتعين دراسة السواحل والاستحقاقات الفعلية والظروف الجغرافية، قبل الوصول إلى استنتاج بشأن مدى إنصاف الترسيم.
خامساً: أثر الجزر في إنشاء الاستحقاقات البحرية وتعيين الحدود
تمثل مسألة الجزر اليونانية، ولا سيما جزيرة كريت، إحدى القضايا القانونية المهمة في الخلاف بشأن مذكرة التفاهم التركية الليبية.
وتقتضي المعالجة القانونية التمييز بين أهلية الجزيرة لإنشاء استحقاقات بحرية، وبين مقدار التأثير الذي تمنح له أثناء عملية الترسيم.
فالمادة 121 من اتفاقية قانون البحار تقرر، وفقاً لشروطها، إمكان تمتع الجزر بمناطق بحرية تشمل المنطقة الاقتصادية الخالصة والجرف القاري، مع استثناء الصخور التي لا تستطيع إعالة سكنى بشرية أو حياة اقتصادية خاصة بها.
غير أن وجود استحقاق بحري للجزيرة لا يعني بالضرورة منحها تأثيراً كاملاً عند تعيين الحدود مع السواحل المقابلة.
وقد شهد القضاء الدولي حالات مُنحت فيها بعض الجزر تأثيراً محدوداً لتجنب نتيجة غير منصفة.
وفي المقابل، لا يجوز تجاهل الاستحقاقات البحرية الناشئة عن الجزر لمجرد تعارضها مع مصالح دولة أخرى، أو افتراض أن جميع الجزر يجب أن تمنح الأثر نفسه.
ومن ثم، فإن تحديد تأثير الجزر اليونانية يستلزم دراسة الخصائص الجغرافية لكل جزيرة، وموقعها بالنسبة إلى السواحل المتقابلة، ومدى تأثيرها على النتيجة النهائية للترسيم.
ويكتسب هذا التمييز أهمية خاصة عند تقييم الحجج التركية واليونانية المرتبطة بخطوط الترسيم في شرق المتوسط، دون أن يعني ذلك حسم النزاع لصالح أي منهما بمجرد التمسك بمبدأ عام بشأن الجزر.
سادساً: القبول الضمني وحدوده في منازعات الحدود البحرية
لا تقتصر أهمية مواقف الدول على الاتفاقات المكتوبة والاعتراضات الصريحة، بل تمتد إلى بحث ما إذا كان سلوك الدولة قد يدل على قبول ضمني بحدود بحرية معينة.
وقد تناولت محكمة العدل الدولية هذه المسألة في حكمها الصادر في الثاني عشر من أكتوبر 2021 في قضية الصومال ضد كينيا.
فقد ادعت كينيا وجود حدود بحرية قبلتها الصومال ضمناً من خلال ممارساتها وسكوتها عن مطالبات سابقة.
غير أن المحكمة أكدت أن إثبات اتفاق ضمني على حدود بحرية دائمة يتطلب أدلة مقنعة وواضحة، ولا يجوز افتراضه بسهولة من مجرد السكوت أو التصرفات غير الحاسمة.
ويكتسب هذا المبدأ أهمية بالنسبة إلى الموقف المصري، في ضوء استمرار الاعتراضات الرسمية على مذكرة التفاهم التركية الليبية وعلى المطالبات البحرية التي تعتبرها مصر متعارضة مع حقوقها.
كما يمتد إلى تقييم الاعتراضات الليبية على الإحداثيات المصرية المعلنة بموجب القرار الجمهوري رقم 595 لسنة 2022.
ولا يعني الاعتراض المستمر أن الحدود التي تطالب بها الدولة تصبح صحيحة تلقائياً، لكنه يمثل عنصراً مهماً في إثبات عدم قبولها بالمطالبات المقابلة.
ومن ثم، فإن تقييم الممارسة الدبلوماسية ينبغي أن يتم في ضوء مضمونها وسياقها ومدى استمرارها، وعلاقتها بالأدلة القانونية والجغرافية الأخرى.
سابعاً: حسن النية والأنشطة البحرية في المناطق المتنازع عليها
يمثل مبدأ حسن النية والتزام التسوية السلمية للمنازعات إطاراً أساسياً للعلاقات بين الدول.
وقد أكدت محكمة العدل الدولية في قضايا بحر الشمال أهمية إجراء مفاوضات ذات معنى تتجه إلى البحث الجاد عن تسوية، وليس مجرد تبادل مواقف شكلية لا تسمح بإمكان الوصول إلى اتفاق.
كما تكتسب طبيعة الأنشطة البحرية في المناطق المتنازع عليها أهمية قانونية مستقلة.
فأعمال المسح البحري أو البحث الجيولوجي قد تختلف من حيث آثارها عن الحفر أو استخراج الموارد الطبيعية.
ولا يكفي مجرد وقوع نشاط في منطقة متنازع عليها للقول تلقائياً بقيام مسؤولية دولية.
وقد تناول حكم الصومال ضد كينيا لعام 2021 الادعاءات المتعلقة ببعض الأنشطة البحرية، وأوضح أهمية التحقق من طبيعة تلك الأنشطة والالتزامات القانونية التي تحكمها.
وتقرر المادتان 74 و83 من اتفاقية قانون البحار التزامات تتعلق بالسعي إلى ترتيبات مؤقتة وعدم عرقلة الوصول إلى اتفاق نهائي، بالنسبة إلى الدول الأطراف فيها.
أما بالنسبة إلى الدول غير الأطراف، فيتعين التحقق من مدى وجود قواعد عرفية أو التزامات مستقلة تنظم سلوكها.
ومن ثم، فإن تقييم الأنشطة البحرية المرتبطة بالتعاون التركي الليبي يقتضي تحديد مواقعها وطبيعتها وآثارها الفعلية، وربط ذلك بالحقوق القانونية محل النزاع.
ثامناً: كيف يمكن توظيف قواعد العرف الدولي في إثبات الحقوق المصرية؟
لا تقتصر أهمية العرف الدولي على بيان أن ليبيا وتركيا تخضعان لقواعد قانونية مشتركة رغم اختلاف مراكزهما التعاهدية، وإنما تمتد إلى إمكان الاستفادة من هذه القواعد في تقييم المطالبات البحرية المتعارضة.
ويتطلب ذلك الانتقال من الاستدلال النظري إلى التحليل القانوني والجغرافي.
وتبدأ هذه العملية بتحديد الإحداثيات الرسمية الواردة في الاتفاقيات والقرارات المعنية، ثم تحديد السواحل ذات الصلة والمناطق التي قد تتداخل فيها الاستحقاقات البحرية.
ويلي ذلك تحديد القواعد القانونية الواجبة التطبيق، والتمييز بين القواعد التعاهدية التي تلزم أطرافها والقواعد العرفية التي تسري بصورة مستقلة.
كما ينبغي دراسة الظروف الجغرافية التي قد تؤثر على الترسيم، وفي مقدمتها موقع الجزر وامتداد السواحل وأثر الخطوط المقترحة في حجب الاستحقاقات البحرية.
ثم يجري تقييم المطالبات في ضوء المناهج التي أرساها القضاء الدولي، دون التعامل مع تلك المناهج بوصفها قواعد رياضية جامدة.
وفي هذا السياق، يجب التمييز بين ثلاثة مفاهيم قانونية:
الاستحقاق البحري: وهو وجود حق قانوني للدولة الساحلية في منطقة بحرية وفقاً للشروط التي يقررها القانون الدولي.
الترسيم البحري: وهو تحديد الحدود الفاصلة بين الاستحقاقات المتداخلة للدول.
حجية الترسيم: وهي مدى إمكان الاحتجاج بالحدود المعلنة أو المتفق عليها في مواجهة الدول المعنية.
وتظهر أهمية هذا التمييز عند المقارنة بين مذكرة التفاهم التركية الليبية لعام 2019، والاتفاق المصري اليوناني لعام 2020، والحدود المصرية الغربية المعلنة عام 2022.
فمجرد اختلاف الخطوط البحرية لا يكفي بذاته لإثبات بطلان أحدها، وإنما ينبغي تحديد أساس كل مطالبة ومدى توافقها مع الاستحقاقات التي يقررها القانون الدولي.
كما لا يجوز افتراض أن جميع النزاعات المرتبطة بهذه الاتفاقيات والقرارات تمثل نزاعاً قانونياً واحداً بين الدول الثلاث، إذ يتعين تحديد الأطراف والمطالبات والحقوق محل كل خلاف.
ومن هنا تصبح قوة الموقف القانوني المصري مرتبطة بمدى القدرة على إثبات الحقوق البحرية، وتحديد مناطق التداخل، وتطبيق القواعد القانونية الواجبة على الوقائع الجغرافية الدقيقة.
خاتمة: العرف الدولي ضمانة للحقوق البحرية خارج نطاق الاتفاقيات
يكشف النزاع المرتبط بمذكرة التفاهم التركية الليبية أن القانون الدولي لا يستمد قوته الملزمة من الاتفاقيات وحدها، بل يقوم كذلك على قواعد عرفية نشأت عن ممارسة الدول المصحوبة بالاعتقاد بالإلزام القانوني.
فعدم تصديق ليبيا على اتفاقية قانون البحار وعدم انضمام تركيا إليها لا يعني تحللهما من القواعد العرفية المستقرة التي تحكم الاستحقاقات البحرية والترسيم المنصف.
وفي المقابل، فإن تصديق مصر على الاتفاقية لا يمنح جميع مطالباتها البحرية أفضلية تلقائية، وإنما تظل قوة تلك المطالبات مرتبطة بتطبيق القواعد القانونية على الوقائع الجغرافية ذات الصلة.
كما أن العرف الدولي لا يحسم وحده الحدود النهائية، بل يوفر المبادئ التي يجري في ضوئها تقييم الاستحقاقات والمطالبات المتعارضة.
ومن ثم، فإن حماية الحقوق السيادية المصرية تقتضي الجمع بين الأحكام التعاهدية والقواعد العرفية والسوابق القضائية الدولية، مع الاعتماد على أدلة فنية وجغرافية دقيقة.
وبذلك تتكامل الأجزاء الثلاثة لهذه الدراسة؛ فقد تناول الجزء الأول مشروعية الاتفاق وآثاره، وبحث الجزء الثاني الأسانيد القانونية لحماية الحقوق المصرية، بينما أوضح الجزء الثالث الأساس العرفي للقواعد التي يمكن تطبيقها على الدول المعنية، ودور القضاء الدولي في تحديد مضمونها.
وتبقى النتيجة الأساسية أن مشروعية الترسيم البحري لا تقاس بقوة الأطراف السياسية أو الاقتصادية، وإنما بمدى احترامه للقانون الدولي وتحقيقه نتيجة منصفة.
فالحق البحري لا يصنعه مجرد اتفاق، ولا يسقطه الامتناع عن الانضمام إلى معاهدة؛ وإنما يحدده القانون الدولي، وتثبته الأدلة، وتحميه الوسائل السلمية لتسوية المنازعات.
⸻
المراجع
- النظام الأساسي لمحكمة العدل الدولية، المادة 38/1/ب.
- لجنة القانون الدولي بالأمم المتحدة، استنتاجات تحديد قواعد القانون الدولي العرفي لعام 2018، ولا سيما الاستنتاجات 2 و8 و9 و10 و15.
- محكمة العدل الدولية، قضايا الجرف القاري لبحر الشمال، الحكم الصادر في 20 فبراير 1969.
- محكمة العدل الدولية، قضية الجرف القاري بين ليبيا ومالطا، الحكم الصادر في 3 يونيو 1985.
- محكمة العدل الدولية، قضية تعيين الحدود البحرية في البحر الأسود بين رومانيا وأوكرانيا، الحكم الصادر في 3 فبراير 2009.
- محكمة العدل الدولية، قضية الترسيم البحري في المحيط الهندي بين الصومال وكينيا، الحكم الصادر في 12 أكتوبر 2021.
- اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار لعام 1982، المواد 74 و76 و77 و83 و121.
- اتفاقية فيينا لقانون المعاهدات لعام 1969، المادة 34.
- ميثاق الأمم المتحدة لعام 1945، المادة 33.
- مذكرة التفاهم البحرية التركية الليبية الموقعة في 27 نوفمبر 2019.
- الاتفاق المصري اليوناني بشأن التعيين الجزئي للمنطقة الاقتصادية الخالصة، 6 أغسطس 2020.
- القرار الجمهوري المصري رقم 595 لسنة 2022 والمراسلات المصرية والليبية المودعة لدى الأمم المتحدة بشأن المطالبات البحرية.