سياسة

ظلال النمر: بين دعوى الجبري وابتزاز ترامب لمحمد بن سلمان

April 26, 2026 admin لا توجد تعليقات

بقلم د. وليد العزبي


مقدمة: حين يتقاطع الخوف بالحصانة

ليست كل القضايا تُقاس بميزان المحاكم، فبعضها يُقاس بمدى ما تُحدثه من ارتجافٍ في دهاليز السياسة، وارتباكٍ في غرف القرار.
قضية سعد الجبري لم تكن مجرد نزاعٍ بين مسؤولٍ سابق ووليّ عهدٍ صاعد، بل كانت مرآةً لعالمٍ سريّ تتقاطع فيه الأسرار الأمنية مع الحسابات الدولية، وتغدو العدالة فيه ورقةً في يد السياسة، لا ميزانًا فوقها.


أولًا: من الرياض إلى أوتاوا — رحلة خوفٍ طويل

سعد الجبري، أحد أبرز رجال الاستخبارات في عهد الأمير محمد بن نايف، عرف دهاليز الدولة العميقة وأسرار التحالفات الغربية في مكافحة الإرهاب.
لكن حين تبدّل ميزان السلطة عام 2017 وصعد محمد بن سلمان إلى قمة الهرم، وجد الجبري نفسه مطاردًا، فغادر إلى كندا حاملاً ملفات حساسة.
وفي عام 2020، رفع دعوى أمام محكمة واشنطن الفيدرالية يتهم فيها ولي العهد بمحاولة اغتياله عبر وحدة تُعرف بـ “فرقة النمر” — وهي الفرقة نفسها التي اتُّهمت بتنفيذ عملية مقتل الصحفي جمال خاشقجي في إسطنبول سنة 2018.

ووفقًا لما ورد في نص الدعوى (الملف رقم 1:20-cv-02146)، فإن مجموعة من عناصر الفرقة وصلت إلى مطار تورونتو حاملين أدوات تشريحية، لكن سلطات الحدود الكندية اشتبهت بهم ومنعتهم من الدخول.¹


ثانيًا: فرقة النمر — أسطورة الخفاء ومرآة القوة

تُوصف “فرقة النمر” بأنها وحدة ظلّ تضم عناصر من الاستخبارات العامة والأمن الخاص، تعمل في مهام غير معلنة لحماية النظام من خصومه في الداخل والخارج.
التقارير الغربية — مثل نيويورك تايمز وبي بي سي — تربطها مباشرةً باغتيال خاشقجي، وتزعم أن هدفها الأساسي هو “إسكات المعارضين أو إعادتهم بالقوة”.
أما الرياض، فتصف هذا الحديث بأنه “اختلاق إعلامي مشبوه”، مؤكدةً أن كل عملياتها الأمنية تتم وفق الأطر القانونية.

ومع غياب الاعتراف الرسمي، تظلّ الفرقة رمزًا دلاليًا لفكرة “اليد التي لا تُرى” في السلطة، وجزءًا من سردية الخوف التي تطارد كل من خرج من عباءة الدولة.²


ثالثًا: الحصانة الأمريكية — من الاتهام إلى الغطاء

حين بلغت الدعوى ذروتها، تدخّلت وزارة الخارجية الأمريكية لتُبلغ المحكمة أن محمد بن سلمان يتمتع بحصانة بصفته رئيسًا للوزراء، بعد تعيينه في ذلك المنصب أواخر عام 2022.
وبناءً على هذا الموقف الرسمي، أسقطت المحكمة الدعوى احترامًا للأعراف الدبلوماسية.³
لكن الإعفاء القضائي لم يُلغِ الأثر السياسي؛ فاسم “فرقة النمر” صار يُذكر كلما زار بن سلمان واشنطن، تمامًا كما يُذكر ظلّ خاشقجي كلما تحدّث أحد عن “الإصلاح والانفتاح”.


رابعًا: ترامب — التاجر الذي يبيع الحصانة بالصفقات

لم يكن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بعيدًا عن هذه اللوحة المعقّدة.
فبينما كانت الدعوى تتفاعل في واشنطن، كان البيت الأبيض يغدق المديح على بن سلمان، ويتحدث عن “عبقريته الاقتصادية” و”جرأته الإصلاحية”، متجاهلًا العواصف الحقوقية.
لكنّ كل ذلك لم يكن مجّانًا؛ إذ رأت إدارة ترامب في بن سلمان صندوقًا ذهبيًا:
صفقات أسلحة بمئات المليارات، واستثمارات في التكنولوجيا والطاقة، ودور محوري في ضبط أسعار النفط.
ومن هنا، تحوّلت ملفات مثل قضية الجبري إلى ورقة ضغطٍ هادئة: تُفتح حين تُريد واشنطن امتيازًا، وتُغلق حين تنضج الصفقة.

بعبارة أخرى، لم يستغلّ ترامب القضية علنًا، لكنه استخدمها ضمنيًا كـ“مخزون نفوذ” يُذكّر به الرياض أن الحصانة ليست هبة دائمة، بل امتياز مشروط.⁴


خامسًا: زيارة واشنطن — الحصانة القانونية والحرج الأخلاقي

بعد إسقاط الدعوى، لم يعد في وجه بن سلمان أي خطر قضائي عند دخوله الأراضي الأمريكية.
لكن ذلك لا يمنع الحرج السياسي:
   •   فالإعلام الأمريكي يذكّره دائمًا بـ “فرقة النمر”،
   •   والمنظمات الحقوقية تطالب بإعادة فتح التحقيق،
   •   وأعضاء في الكونغرس يرون أن العلاقات الأمريكية-السعودية تُدار بمبدأ “النفط مقابل الصمت”.
ومع عودة ترامب إلى المشهد السياسي عام 2025، تبدو القضية أشبه بـ سيفٍ مُعلّق فوق الطاولة — لا يقطع، لكنه يُذكّر الجميع من يملك النصل.


خاتمة: العدالة في زمن الصفقات

قضية الجبري كشفت هشاشة الحدود بين القانون والسياسة، بين الحصانة والمساءلة.
أما “فرقة النمر”، فقد تحوّلت من وحدةٍ سرية إلى رمزٍ عالميّ للسلطة حين تخرج عن القانون.
وفي قلب كل ذلك، يظهر ترامب كتاجرٍ بارع يعرف كيف يُحوّل الفضائح إلى أوراق تفاوض، وكيف يبيع الحصانة كسلعةٍ دبلوماسية.
وهكذا، يصبح السؤال الحقيقي:
هل انتهت قضية الجبري؟
أم أنها بدأت حين صارت تُستخدم لا للعدالة… بل للنفوذ؟


الهوامش
1. نص الدعوى: سعد الجبري ضد محمد بن سلمان وآخرين، المحكمة الفيدرالية لمقاطعة كولومبيا، الولايات المتحدة، 6 أغسطس 2020.
2. تقرير نيويورك تايمز بعنوان: “اتهامات للسعودية باستخدام فرقة النمر لإسكات المعارضين”، أكتوبر 2018.
3. بيان وزارة الخارجية الأمريكية بشأن الحصانة الممنوحة لمحمد بن سلمان، نوفمبر 2022.
4. تقرير وكالة رويترز بعنوان: “ترامب وبن سلمان: علاقة بُنيت على النفط وصفقات السلاح”، مايو 2025.

المقال التالي ← → المقال السابق