بقلم د. وليد العزبي
مقدمة: بين النص والواقع… حين يصبح القانون مرآة لعالمٍ مضطرب
لم يكن قرار مجلس الأمن بشأن غزة لحظة بروتوكولية عابرة، بل كان تجسيدًا لحظةٍ تشابك فيها الدم بالسياسة، والشرعية بالقوة، والمستقبل بالمصالح الكبرى. بدا القرار وكأنه لا يريد أن يصرّح بما يقصده؛ لا هدنة كاملة، ولا سلامًا ناجزًا، بل مسارًا انتقاليًا ذا ملامح “وصاية دولية” بلباسٍ جديد¹.
وفي الخلفية يقف الرئيس الأمريكي الحالي دونالد ترامب، مدفوعًا بنهجه المعتمد على “صفقات كبرى” أكثر من اعتماده على بناء مؤسسات مستقرة، بعدما دفع بمشروع من 20 نقطة حاول مجلس الأمن صياغته في نصٍّ مُلزم تحت الفصل السابع². وبينما رأى البعض في القرار مدخلًا لتسوية تاريخية، يراه آخرون محاولة لإعادة تشكيل مفهوم السيادة الفلسطينية عبر إدارة دولية ذات صلاحيات واسعة³.
أولًا: موجز القرار S/RES/2803 (2025)
يتحرك القرار في ثلاثة محاور رئيسية:
1. وقف إطلاق نار مرحلي ومتدرّج.
2. تفويض قوة دولية (ISF) بصلاحيات أمنية واسعة تشمل تثبيت الهدنة ونزع السلاح وتفكيك البنى العسكرية.
3. إنشاء مجلس سلام دولي (Board of Peace) يمارس أدوارًا تنفيذية داخل غزة خلال المرحلة الانتقالية⁴.
ويربط القرار انسحاب القوات الإسرائيلية بالتقدّم في نزع السلاح ونجاح الإدارة الدولية.
ثانيًا: تحليل قانوني فقرة–بفقرة
- التفويض الدولي: فصلٌ سابع بملامح وصاية
القرار يستند إلى الفصل السابع، ما يجعله مُلزمًا للدول الأعضاء⁵.
لكن أخطر ما فيه أنه يمنح قوة دولية صلاحيات أمنية وإدارية داخل إقليمٍ يُفترض أنه تحت سيادة شعبٍ له حق تقرير مصيره—even مع واقع الاحتلال.
هذا يقربه كثيرًا من نماذج الإدارة الدولية مثل كوسوفو وتيمور الشرقية.
- نزع السلاح كشرطٍ سابق للسيادة
القرار يربط أي تقدّم سياسي بتنفيذ نزع السلاح.
لكن وفق القانون الدولي، حق تقرير المصير غير مشروط ولا يجوز تقييده بترتيبات أمنية عابرة⁶.
وهذا يخلق سابقة غير مألوفة في الحالة الفلسطينية.
- مجلس السلام الدولي: سلطة فوق السلطة
يمارس المجلس صلاحيات تنفيذية واسعة: إدارة معابر، رقابة أمنية، إشراف على إعادة الإعمار.
السؤال الجوهري:
هل وافق ممثلون شرعيون للشعب الفلسطيني على هذا التفويض؟
القرار نفسه لا يشير إلى أي موافقة فلسطينية وضوحًا، ما يفتح بابًا للطعن في شرعيته.
- انسحاب إسرائيل المشروط
الانسحاب يصبح نتيجة وليس مقدمة، ويرتبط بنجاح نزع السلاح والإدارة الدولية.
لكن قواعد لاهاي واتفاقيات جنيف تنص على أن الاحتلال لا يكتسب شرعية بمرور الزمن أو بالشروط⁷.
- الإغاثة وإعادة الإعمار دون آليات إلزامية
النصّ يتحدث عن المعابر والمساعدات، لكنه لا يحدد:
- آليات رقابة
- مسؤوليات قانونية
- حقوق السكان تجاه القوة الدولية
وهو نقص واضح من منظور القانون الإنساني الدولي.
ثالثًا: أثر القرار على حق الفلسطينيين في تقرير مصيرهم
أ. تقرير المصير المشروط
الوعد بإمكانية الدولة موجود… لكنه مشروط بإصلاحات أمنية وسياسية خارجية.
وهذا يتعارض مع الطبيعة غير المشروطة لهذا الحق.
ب. سيادة مُعلّقة
وجود قوة دولية ومجلس سلام ينتج:
- تعليق اختصاصات الدولة
- إدارة دولية للمعابر
- مركزية القرار الأمني خارج الإطار الوطني
وهذا يجعل السيادة الفلسطينية سيادة مُدارة.
ج. انتقالية قد تتحول إلى دائمة
التجارب السابقة تُظهر أن الإدارة الدولية قد تبدأ انتقالية… ثم تطول… ثم تعيد تشكيل المشهد قبل نهايتها.
رابعًا: لماذا امتنعت الصين وروسيا؟
الامتناع رسالة قانونية وسياسية تُعبّر عن:
1. رفض تعميم نموذج التدخل الدولي دون موافقة الأطراف المتأثرة.
2. التخوف من جعل نزع السلاح شرطًا سياسيًا للحقوق الأساسية.
3. رفض منح الولايات المتحدة نفوذًا مهيمنًا في الإشراف على غزة.
خامسًا: نقد قانوني شامل
- مساواة “السلام” بـ“نزع السلاح”
وهو انقلاب على القاعدة التي تجعل نزع السلاح نتيجة لاتفاق سياسي وليس شرطًا لبدء الحقوق الأساسية.
- غياب المساءلة الدولية
لا توجد آلية واضحة لمحاسبة القوة الدولية عن أي انتهاكات محتملة.
- ربط الإعمار بالقبول السياسي
الإعمار حق للمدنيين، وليس أداة ضغط لفرض ترتيبات سياسية.
سادسًا: الخلاصة – بين القانون والواقع
يضع القرار غزة أمام مفترق حساس:
- إدارة دولية واسعة الصلاحيات
- سلطة فلسطينية مشروطة بالإصلاح
- انسحاب إسرائيلي مفتوح زمنيًا
- نزع سلاح إلزامي يسبق أي مسار سياسي
ووسط هذا كله، يقف الفلسطينيون أمام معادلة قاسية:
طريقٌ قد يفتح باب الدولة… وقد يعيد إنتاج نموذج وصاية جديدة إن لم يُضبط قانونيًا وإقليميًا.
الهوامش بعد تنقيحها (بدون الجزيرة)
1. Financial Times – تحليل الموقف الأمريكي وصياغة القرار.
2. وثائق مجلس الأمن – مسودة القرار والمداولات.
3. The Guardian – تحليل بنية “مجلس السلام الدولي”.
4. نص القرار S/RES/2803 (2025).
5. ميثاق الأمم المتحدة – الفصل السابع.
6. قرار الجمعية العامة 3236 (1974) بشأن حق تقرير المصير.
7. قواعد لاهاي واتفاقيات جنيف بشأن إنهاء الاحتلال.