بقلم د. وليد العزبي
في أقصى الجنوب من نصف الكرة الغربي، تتدلّى فنزويلا كجوهرةٍ نفطية محاصَرة بالفوضى، يطوّقها الفقر من الداخل وتتنازعها القوى الكبرى من الخارج. وعلى الضفة الأخرى من الخريطة، يجلس الرئيس الأمريكي الحالي دونالد ترامب خلف مكتبٍ اعتاد رسم خرائط النفوذ أكثر مما يكتب القوانين. وبين المكتب وكاراكاس — العاصمة الفنزويلية — يمتد خيطٌ مشدود من المصالح والاصطفافات، ينسج فوقه القانون الدولي خيوطه المتقاطعة، فيما تتحرك الجغرافيا السياسية بثقلها الكامل.
لم تكن أزمة واشنطن مع فنزويلا مجرّد خلاف سياسي؛ بل صدامًا بين دولة تحمل أكبر احتياطي نفطي مؤكد في العالم حسب تقارير منظمة الأوبك[1]، وبين قوة عظمى ترى أن ترك هذا الاحتياطي لروسيا أو الصين أو إيران خطرٌ استراتيجي على مناطق نفوذها التقليدية.
هنا يبدأ القانون… وعندما يبدأ، تبدأ السياسة في التلاعب بنصوصه.
أولًا: الشرعية بين النص والواقع
في يناير 2019، أعلنت إدارة ترامب اعترافها بزعيم المعارضة خوان غوايدو “رئيسًا مؤقتًا” لفنزويلا. كان القرار ذو طبيعة سياسية قبل أن يكون قانونية.
ففي القانون الدولي، معيار الشرعية يرتكز على الاعتراف الجماعي، لا على اعتراف دولة منفردة — ولو كانت قوة عظمى. ويظل مقعد الأمم المتحدة هو المعيار الموضوعي لتحديد الحكومة الشرعية[2].
وبما أن الجمعية العامة لم تنقل مقعد فنزويلا، بقي نيكولاس مادورو رئيسًا بحكم القانون (de jure)، وغوايدو رئيسًا بحكم السياسة لا النصوص.
تظهر هنا إشكالية مركزية:
هل يمكن لدولة عظمى أن تصنع شرعية دولية دون إجماع دولي؟
الجواب: لا.
فالشرعية الدولية ليست قرارًا أحاديًا، بل بناء جماعي متفق عليه.
ثانيًا: العقوبات… القيد الذي يخنق شعبًا قبل أن يغيّر نظامًا
فرضت إدارة ترامب سلسلة من أقسى العقوبات الاقتصادية في نصف الكرة الغربي:
• شل نشاط شركة النفط الوطنية PDVSA
• تجميد الأصول الفنزويلية في الخارج
• منع التعاملات البنكية
• حظر تصدير الذهب والمواد الخام[3]
هذه العقوبات لم تصدر بتفويض من مجلس الأمن، ما يجعلها عقوبات أحادية تخضع لانتقادات قانونية واسعة في مجال احترام مبدأ عدم التدخل وحق الشعوب في التنمية الاقتصادية[4].
ورغم أن واشنطن أعلنت أن الهدف هو “إعادة الديمقراطية”، إلا أن النتائج كانت اجتماعية وإنسانية قاسية:
انهيار العملة، نقص الدواء، انهيار الخدمات، وتوسع الهجرة نحو كولومبيا والبرازيل.
هنا، تكلّم الواقع بصوتٍ أعلى من النص.
ثالثًا: شبح القوة… عندما يتحوّل القول إلى تهديد
صرّح ترامب في مؤتمر 2019 بأن “الخيار العسكري مطروح على الطاولة”[5]، وهو تهديد مباشر مخالف للمادة 2/4 من ميثاق الأمم المتحدة التي تحظر التهديد باستخدام القوة.
كما دعمت الولايات المتحدة محاولات تمرد، أبرزها محاولة 2020 المعروفة باسم عملية “Gideon”، والتي انتهت بإحباط تام واعتقال مرتزقة حاولوا دخول فنزويلا بحرًا[6].
موقف القانون الدولي واضح:
التدخل لتغيير نظام حكم بالقوة، سواء عبر تدخل مباشر أو عبر وكلاء، غير مشروع ومخالف للميثاق الأممي.
رابعًا: لماذا فشل ترامب؟
لم تكن المواجهة مع مادورو وحده؛ بل مع حلفائه:
• روسيا: دعم أمني واستخباراتي
• الصين: استثمارات بمليارات الدولارات في النفط والبنية التحتية
• إيران: تشغيل مصافي النفط وتوفير الوقود رغم العقوبات[7]
أضف إلى ذلك:
تماسك الجيش، ضعف المعارضة، ونجاح النظام في الالتفاف على العقوبات عبر شبكات تهريب النفط والذهب.
هكذا تحولت فنزويلا إلى ساحة صراع دولي، وفشل ترامب في تحقيق وعده بإسقاط النظام خلال “90 يومًا”.
خامسًا: عودة ترامب 2025… نفس الخريطة بوجوه جديدة
عودة ترامب إلى البيت الأبيض أعادت الملف الفنزويلي، لكن بترتيب أولويات مختلف:
• الحد من موجات الهجرة إلى الولايات المتحدة
• وقف التغلغل الصيني في الأمريكيتين
• السعي إلى صفقات نفطية تُخفف أزمة الأسعار أمريكيًا
• تقليص النفوذ الإيراني في نصف الكرة الغربي
لم يعد إسقاط مادورو هدفًا مباشرًا، بل أصبحت الأزمة حدودية قبل أن تكون اقتصادية، وجيوسياسية قبل أن تكون أيديولوجية.
ومع ذلك ظل جوهر الصراع ثابتًا:
النفط… والهجرة… والخرائط الدولية.
خاتمة: القانون في مواجهة الجغرافيا السياسية
أزمة ترامب مع فنزويلا تقدم درسًا فصيحًا عن حدود القانون الدولي أمام موجات الجغرافيا السياسية.
فالقوة تستطيع تهديد الحكومات، لكنها:
• لا تصنع شرعية
• لا تكتب دستورًا لشعبٍ آخر
• ولا تغيير نظامًا متجذّرًا دون توافق داخلي
لذلك بقيت فنزويلا، رغم صغرها، تُربك حسابات القوى الكبرى، ويبقى مادورو في السلطة مهما تغيّرت رغبات البيت الأبيض… ومهما صمت القانون.
✦ الهوامش ✦
1. تقارير منظمة أوبك حول الاحتياطي النفطي المؤكد لفنزويلا (OPEC Annual Statistical Bulletin).
2. قرارات الجمعية العامة للأمم المتحدة بشأن تمثيل فنزويلا (2019–2021).
3. وزارة الخزانة الأمريكية – OFAC Venezuela Sanctions Regulations (2017–2020).
4. انظر: أدبيات القانون الدولي بشأن مشروعية العقوبات الأحادية، خاصة في إطار مبادئ عدم التدخل والتنمية الاقتصادية.
5. تصريحات ترامب الرسمية في مؤتمر البيت الأبيض – أغسطس 2019.
6. التحقيقات الفنزويلية والأمريكية حول عملية “Gideon” – مايو 2020.
7. تقارير وزارة الخارجية الأمريكية ووكالات دولية عن الدعم الروسي–الصيني–الإيراني لفنزويلا.