بقلم د. وليد العزبي
في عالمٍ يتغير بسرعة تُربك خرائط القوى التقليدية، تعود التحالفات القديمة لتفرض نفسها، لا كحنينٍ للماضي بل كضرورة لإعادة تشكيل المستقبل. وهكذا بدت زيارة الرئيس الروسي فلاديمير بوتين إلى الهند في ديسمبر 2025؛ زيارة تتجاوز البروتوكول لتصبح اختبارًا لمعادلات القوة في نظام دولي يولد من جديد، وتستحضر مسارًا ممتدًا من التعاون بين البلدين منذ أكثر من نصف قرن¹.
العلاقة التي تجاوزت الحرب الباردة وانهيار الاتحاد السوفيتي وصعود الصين، تثبت اليوم قدرتها على التعامل مع تداعيات حرب أوكرانيا وضغوط الغرب².
أولًا: جذور العلاقة… من نهرو وخروتشوف إلى مودي وبوتين
منذ الخمسينيات، وجدت الهند في الاتحاد السوفيتي شريكًا يمنحها ما لم يمنحه الغرب:
• دعمًا سياسيًا في قضية كشمير³.
• منظومات تسليح متقدمة بشروط لا تمسّ السيادة⁴.
وفي عام 1971 جاءت معاهدة الصداقة والتعاون لتؤسس لتحالف استراتيجي طويل المدى⁵.
وبعد انهيار الاتحاد السوفيتي، لم تنكسر العلاقة بل تحولت إلى شراكة براغماتية قائمة على المصالح المتبادلة⁶.
ثانيًا: زيارة تحمل رسائل دولية كبرى
الهند اليوم لاعب محوري في الجغرافيا السياسية:
• عضو فاعل في تحالف الرباعي (QUAD) مع الولايات المتحدة واليابان وأستراليا⁷.
• شريك لروسيا والصين في تكتل البريكس+ الذي يزداد تأثيرًا عالميًا⁸.
• أحد أكبر مستوردي النفط الروسي منذ 2022⁹.
استقبال مودي لبوتين في المطار كان رسالة واضحة:
الهند ترى العالم بعينيها، لا بعيون الآخرين.
ثالثًا: ملفات الزيارة… بين السلاح والطاقة والتجارة
- الدفاع… حجر الزاوية
رغم توسع علاقة الهند بالغرب، فإن أكثر من نصف معدات جيشها ذات منشأ روسي¹⁰، ما يجعل التعاون العسكري بين البلدين ضرورة استراتيجية.
- الطاقة… رئة الاقتصاد الهندي
الهند استفادت من أسعار النفط الروسي المخفض، وروسيا استفادت من سوق ضخم خارج العقوبات الغربية¹¹.
- التجارة… محاولة لإعادة التوازن
بلغ حجم التجارة نحو 70 مليار دولار، أغلبها لصالح روسيا بسبب الطاقة.
الهند تسعى لزيادة صادرات الدواء والخدمات التكنولوجية.
- السياسة الدولية… الهند وسيط غير معلَن
الهند تلتزم بموقف متزن تجاه حرب أوكرانيا: دعم الحوار دون إدانة موسكو¹².
رابعًا: رسائل الزيارة للعالم
- إلى واشنطن
الهند ترفض أي ضغوط تمسّ مصالحها الاستراتيجية في الطاقة والتسليح.
- إلى بكين
الهند تريد منع تحول روسيا إلى ذراع صينية كاملة، وتبحث الحفاظ على التوازن داخل مثلث آسيا القوى.
- إلى الغرب
من خلال الهند، يثبت بوتين أن روسيا ليست معزولة عالميًا.
- إلى الداخل
مودي وبوتين يعززان صورة القيادة المستقلة في بلدَيهم.
خامسًا: التوازن الصعب
الهند تمسك خيوطًا متناقضة:
• تعاون دفاعي مع واشنطن،
• اعتماد على السلاح الروسي،
• استفادة من النفط المخفض،
• منافسة شرسة مع الصين.
وروسيا تحتاج الهند لتقليل اعتمادها على الصين، وللحفاظ على منفذ اقتصادي وسياسي مستقر.
سادسًا: الخلاصة
زيارة بوتين إلى نيودلهي ليست حدثًا عابرًا؛ إنها فصل من تحول عالمي عميق.
الهند لا تريد أن تكون أداة بيد أحد، وروسيا تدرك أنها بحاجة لشركاء خارج الفضاء الغربي.
وفي عالم يتغير من واشنطن إلى بكين، يظهر مودي وبوتين ليقولا:
“العالم لم يعد شرقًا وغربًا… بل شبكة مصالح تتغير كل يوم.”
الهوامش :
1. وزارة الخارجية الهندية – العلاقات الهندية–الروسية: خلاصة تاريخية.
2. Carnegie Endowment – تحليل موقف الهند من حرب أوكرانيا.
3. سجلات مجلس الأمن – مناقشات قضية كشمير.
4. SIPRI – بيانات اعتماد الهند على السلاح الروسي.
5. نص معاهدة الصداقة والتعاون 1971 – وزارة الخارجية الهندية.
6. CSIS – العلاقات الهندية–الروسية بعد تفكك الاتحاد السوفيتي.
7. وثيقة QUAD – بيان التعاون الأمني (2022).
8. إعلان البريكس+ (2024).
9. Reuters – بيانات مشتريات الهند من النفط الروسي بعد 2022.
10. SIPRI – نسبة التسليح الروسي في الجيش الهندي.
11. وزارة الطاقة الروسية – صادرات النفط لآسيا.
12. خطاب وزير الخارجية الهندي – مؤتمر ميونيخ للأمن (2023).