بقلم د. وليد العزبي
في عالمٍ تتقاطع فيه اعتبارات الأمن القومي مع قيود القانون الدولي، يبرز كتاب Rise and Kill First بوصفه عملًا استقصائيًا استثنائيًا يكشف واحدة من أخطر أدوات الدولة الحديثة: سياسة الاغتيالات المستهدفة. ويقدّم الصحفي رونين بيرغمان من خلال هذا العمل قراءة معمقة لكيفية تحوّل القتل الاستباقي من تدبير أمني محدود إلى نهج مؤسسي راسخ داخل بنية الدولة¹.
أولًا: من المبدأ العقائدي إلى الإطار المؤسسي
ينطلق الكتاب من قاعدة فكرية ذات جذور دينية مفادها: “إذا جاء من يقتلك، فانهض واقتله أولًا”، وهي قاعدة تم توظيفها تدريجيًا لتأسيس فلسفة أمنية قائمة على الاستباق الوقائي.
لم تكن هذه الفلسفة وليدة الدولة الحديثة، بل سبقتها ممارسات التنظيمات المسلحة قبل عام 1948، ثم جرى تطويرها داخل أجهزة الدولة لتتحول إلى ركيزة مركزية في العقيدة الأمنية².
وهكذا، لم يعد الاغتيال إجراءً استثنائيًا، بل أصبح جزءًا من أدوات إدارة الصراع.
ثانيًا: الاغتيال كأداة سياسية
يكشف الكتاب أن الاغتيالات لم تقتصر على منع خطر وشيك، بل تحولت إلى وسيلة لإعادة تشكيل الواقع السياسي. فقد استهدفت العمليات شخصيات يُنظر إليها باعتبارها تهديدًا مستقبليًا، لا مجرد خطر حالي³.
وبذلك، خرج الاغتيال من نطاق الدفاع المشروع ليصبح أداة:
• لتوجيه الرسائل الاستراتيجية
• لإعادة هندسة موازين القوى
• لإدارة النزاع بدلًا من تسويته
وهو ما يعكس تحولًا خطيرًا من منطق الضرورة إلى منطق السيطرة.
ثالثًا: حدود التكنولوجيا أمام الخطأ البشري
يوثق الكتاب تطور وسائل التنفيذ، من الأساليب التقليدية إلى التقنيات المتقدمة، بما في ذلك الطائرات المسيّرة والوسائل عالية الدقة⁴.
غير أن هذا التقدم لم يمنع وقوع:
• أخطاء استخباراتية
• إصابات مدنية غير مقصودة
• أزمات سياسية ودبلوماسية
وهنا تتجلى الحقيقة الأعمق:
الدقة التقنية لا تعني بالضرورة دقة القرار.
رابعًا: الإشكالية القانونية في ضوء القانون الدولي
تُثير هذه السياسة تساؤلات جوهرية في إطار قواعد الأمم المتحدة، خاصة فيما يتعلق بحظر القتل خارج نطاق القضاء⁵.
ففي القانون الدولي لحقوق الإنسان، يُعد الحق في الحياة من الحقوق الأساسية التي لا يجوز المساس بها إلا في حالات استثنائية ضيقة. أما في إطار القانون الدولي الإنساني، فقد تُقبل بعض العمليات ضمن شروط محددة، منها:
• وجود نزاع مسلح
• استهداف مقاتلين بشكل مباشر
• الالتزام بمبدأي التناسب والتمييز
غير أن ما يكشفه الكتاب هو أن هذه الحدود غالبًا ما يتم تجاوزها أو إعادة تفسيرها بما يخدم مقتضيات الأمن.
خامسًا: النجاح التكتيكي والفشل الاستراتيجي
رغم ما تحققه الاغتيالات من نتائج فورية، يخلص الكتاب إلى أنها لم تنجح في تحقيق أمن دائم⁶.
بل على العكس، فقد:
• أسهمت في تصعيد دوائر العنف
• أفرزت قيادات بديلة أكثر تشددًا
• عمّقت جذور النزاع بدلًا من معالجته
ومن ثم، فإن الاغتيال قد يحقق نصرًا لحظيًا، لكنه يحمل في طياته خسارة استراتيجية ممتدة.
سادسًا: أثر السياسة على بنية الدولة
إن أخطر ما يكشفه الكتاب هو التأثير الداخلي لهذه السياسة، حيث يؤدي الاعتماد المستمر على الاغتيالات إلى:
• تآكل القيود القانونية
• توسيع مفهوم الضرورة الأمنية
• ترسيخ ثقافة الاستثناء
ومع مرور الوقت، يتحول الاستثناء إلى قاعدة، وتصبح الدولة محكومة بمنطق البقاء أكثر من خضوعها لمنطق القانون.
خاتمة: بين البقاء والشرعية
لا يقدّم الكتاب حكمًا قاطعًا، بل يضعنا أمام معضلة عميقة:
هل يمكن للدولة أن تحمي نفسها دون أن تتجاوز حدود القانون؟
فالاغتيال، رغم فاعليته الظاهرة، يظل أداة محدودة الأثر، لا تعالج جذور النزاع، بل قد تعيد إنتاجه في صور أكثر تعقيدًا.
إن الدولة التي توسّع من دائرة القوة، قد تنجح في تحقيق الردع، لكنها تخاطر في الوقت ذاته بتآكل شرعيتها.
الهوامش
¹ رونين بيرغمان، انهض واقتل أولًا: التاريخ السري لسياسة الاغتيالات الإسرائيلية (دار راندوم هاوس، 2018).
² المرجع السابق.
³ المرجع السابق.
⁴ المرجع السابق.
⁵ الإعلان العالمي لحقوق الإنسان لعام 1948، المادة 3؛ العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية لعام 1966، المادة 6.
⁶ رونين بيرغمان، مرجع سابق.