سياسة

إعدام الأسرى الفلسطينيين: جريمة في مرآة القانون الدولي

April 26, 2026 admin لا توجد تعليقات

بقلم د. وليد العزبي

في لحظات الحرب، حيث تتآكل الحدود بين الضرورة العسكرية والانفلات، يبرز القانون الدولي الإنساني بوصفه الحاجز الأخير الذي يحفظ للإنسان كرامته حين يسقط في قبضة خصمه. غير أن هذا الحاجز يبدو اليوم موضع اختبار بالغ الدقة، في ضوء ما يُثار—في تقارير إعلامية وحقوقية متعددة—من وقائع تتعلق بقتل أو إعدام أشخاص فلسطينيين بعد وقوعهم تحت سيطرة القوات الإسرائيلية، خارج نطاق القضاء.

ولئن كانت هذه الوقائع لا يمكن الجزم بها إلا من خلال تحقيقات مستقلة ومحايدة تستوفي معايير الإثبات الدولية، فإن مجرد إثارتها يفرض مقاربة قانونية دقيقة، تكشف حدود المشروعية، وتضع هذه الأفعال—إن ثبتت—في ميزان القانون الدولي.


أولًا: الحماية القانونية للأشخاص الخارجين عن القتال

أرست اتفاقيات جنيف الأربع لعام 1949 نظامًا متكاملًا لحماية الأشخاص الذين يخرجون من دائرة الأعمال العدائية، سواء كانوا أسرى حرب، أو مدنيين محتجزين، أو أشخاصًا أصبحوا عاجزين عن القتال. وتُعد المادة الثالثة المشتركة حجر الزاوية في هذا النظام، إذ تحظر صراحةً “الاعتداء على الحياة والسلامة البدنية، وبخاصة القتل بجميع أشكاله” بحق هؤلاء الأشخاص¹.

وقد أكد القضاء الدولي أن هذه المادة تمثل الحد الأدنى من الضمانات الإنسانية الواجبة التطبيق في جميع النزاعات المسلحة، دون تمييز بين دولية وغير دولية، بما يرسّخ طبيعتها الآمرة في النظام القانوني الدولي².

ولا يقتصر هذا الحظر على القتل المباشر، بل يمتد ليشمل ضرورة المعاملة الإنسانية، ومنع أي إجراء تعسفي يمسّ حياة أو كرامة الشخص الواقع تحت السيطرة.


ثانيًا: ضمانات المحاكمة العادلة وحدود عقوبة الإعدام

جاء البروتوكول الإضافي الأول لعام 1977 ليعزّز هذه الحماية، حيث نصّت المادة (75) منه على مجموعة من الضمانات القضائية الأساسية، تحظر تنفيذ أي عقوبة—وخاصة الإعدام—إلا بموجب حكم صادر عن محكمة مشكلة تشكيلًا قانونيًا، تتوافر فيها شروط الاستقلال والحياد، وتكفل للمتهم حق الدفاع بصورة فعالة³.

وقد استقر الفقه والقضاء الدوليان على أن هذه الضمانات لم تعد مجرد التزامات تعاقدية، بل اكتسبت طابعًا عرفيًا ملزمًا، بما يجعلها واجبة الاحترام حتى بالنسبة للدول غير الأطراف في البروتوكول.

وعليه، فإن أي إعدام يتم خارج إطار هذه الضمانات يُعد—في حال ثبوته—إعدامًا خارج نطاق القانون، فاقدًا لأي غطاء شرعي.


ثالثًا: بين القانون الداخلي والالتزامات الدولية

يثار أحيانًا تساؤل مفاده: هل يمكن للدولة أن تُضفي المشروعية على مثل هذه الأفعال من خلال تشريع وطني يجيزها؟

الإجابة في ضوء القانون الدولي واضحة: لا يجوز للدولة التذرع بقانونها الداخلي لتبرير الإخلال بالتزاماتها الدولية. وهو مبدأ راسخ أكدته المحاكم الدولية منذ محاكمات نورمبرغ، وأصبح من قواعد القانون الدولي المستقرة⁴.

كما أن مفهوم “المحاكمة العادلة” في القانون الدولي لا يُقاس بالشكل، بل بالمضمون؛ فلا يكفي وجود نص أو محكمة اسمية، بل يجب أن تتوافر ضمانات حقيقية للاستقلال والحياد وحق الدفاع. وقد قضت المحاكم الدولية بأن أي محاكمة تفتقر إلى هذه الضمانات تُعد إجراءً صوريًا لا يعتد به قانونًا⁵.


رابعًا: التكييف القانوني—من جريمة حرب إلى جريمة ضد الإنسانية

في حال ثبوت وقائع القتل أو الإعدام خارج القضاء بحق أشخاص محميين، فإنها تندرج ضمن جرائم الحرب، وفقًا لنظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية، بوصفها قتلًا عمديًا لأشخاص يتمتعون بالحماية القانونية في سياق نزاع مسلح⁶.

غير أن خطورة هذه الأفعال لا تتوقف عند هذا الحد؛ فإذا ثبت أنها ارتُكبت في إطار نمط واسع النطاق أو منهجي، موجّه ضد مجموعة من السكان، فإنها قد ترقى إلى جرائم ضد الإنسانية، وهو توصيف يعبّر عن انتقال الفعل من مجرد انتهاك فردي إلى سياسة أو ممارسة منظمة⁷.


خامسًا: المسؤولية الجنائية—امتدادها إلى القيادات

لا تقف المسؤولية الجنائية عند حدود المنفذ المباشر، بل تمتد إلى القيادات العسكرية والسياسية التي تأمر، أو تعلم، أو كان ينبغي لها أن تعلم، بوقوع هذه الأفعال، دون أن تتخذ التدابير اللازمة لمنعها أو معاقبة مرتكبيها.

ويُعرف هذا المبدأ في القانون الدولي بمسؤولية القائد، وقد كرسه نظام روما الأساسي كأحد أهم أدوات مكافحة الإفلات من العقاب⁸.


خاتمة

إن ما يُثار بشأن إعدام أشخاص فلسطينيين بعد وقوعهم تحت السيطرة، خارج نطاق القضاء—وفي حال ثبوته—لا يُعد مجرد خرق قانوني عابر، بل يمثل اختبارًا حقيقيًا لمدى فاعلية القانون الدولي الإنساني في مواجهة منطق القوة.

فهذا القانون لم يُصغ لزمن السلم، بل لزمن الحرب، حيث تكون الحاجة إليه أشد، والانتهاك أكثر إغراءً. وإذا ما تراجع أمام الضغوط السياسية أو التبريرات الأمنية، فإن الخسارة لا تصيب طرفًا بعينه، بل تمتد إلى فكرة العدالة ذاتها، التي تُصبح حينها مجرد نص بلا أثر.


الهوامش
1. اتفاقيات جنيف الأربع لعام 1949، المادة الثالثة المشتركة، الفقرة (1/أ).
2. قضية دوشكو تاديتش (Duško Tadić)، المحكمة الجنائية الدولية ليوغوسلافيا السابقة، قرار الاختصاص، 2 أكتوبر 1995، الفقرة 98.
3. البروتوكول الإضافي الأول لاتفاقيات جنيف لعام 1977، المادة 75 (الفقرتان 2/أ و4).
4. حكم محاكم نورمبرغ (Nuremberg Trials)، المحكمة العسكرية الدولية، 1946.
5. قضية ديلايليتش (تشليبيتش) – Delalić (Čelebići case)، المحكمة الجنائية الدولية ليوغوسلافيا السابقة، حكم، 16 نوفمبر 1998.
6. نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية لعام 1998، المادة 8 (2/أ/1) والمادة 8 (2/ج/1).
7. نظام روما الأساسي، المادة 7 (1/أ).
8. نظام روما الأساسي، المادة 28 (أ) و(ب).

→ المقال السابق