بقلم د. وليد العزبي
في الكاريبي البعيد، خرج هنري مورجان ليصنع مجدًا على أنقاض الآخرين. لم يكن مجرد قرصان يطارد الذهب، بل مشروعًا سياسيًا في خدمة الإمبراطورية البريطانية. فقد مُنح رخصة القرصنة (Privateering) التي ميّزت بين القرصان الخارج عن القانون وبين “المفوَّض” بالنهب باسم الدولة【1】. وهكذا صار في نظر القانون الدولي التقليدي عدوًّا، وفي ذاكرة التاج بطلًا.
لقد كان مورجان سيد المفارقة: قاتلٌ يرتدي عباءة المغامر الشريف، ثم تحوّل بثروته إلى مزارع ووجه اجتماعي مرموق. وبينما لم تغفر القوانين ضعفه، غفرت له الإمبراطورية لأنه خدم مصالحها الاستعمارية【1】.
واليوم، يتجدد المشهد في ثوب آخر مع رجل اسمه دونالد ترامب. فإذا كان مورجان قرصان الأمواج، فإن ترامب قرصان السياسة. كلاهما بارع في استغلال المناطق الرمادية: الأول استند إلى رخصة ملكية تشرعن العنف البحري، والثاني إلى ثغرات النظام السياسي والاقتصادي الأمريكي والعالمي【2】.
مورجان قدّم نفسه حاميًا للمصالح البريطانية ضد الإسبان، وترامب قدّم نفسه حاميًا لـ“أمريكا المنسية” ضد العولمة والنخب【3】. كلاهما ارتدى قناع المنقذ، فيما كانت اليد الأخرى تحصي الغنائم: ذهب الكاريبي هناك، وأصوات حزام الصدأ هنا.
لكن الأخطر يكمن في إسقاط منطق القرصنة على العالم. كما شرعن مورجان النهب باسم التاج، يحاول ترامب شرعنة “سرقة غزة” باسم “السلام”. صفقة القرن لم تكن سوى مشروع عقاري على دماء الشعوب، متعارضة مع قواعد القانون الدولي التي ترفض الاستيلاء بالقوة على الأراضي【4】. بل ذهب أبعد حين رشّح نفسه لجائزة نوبل للسلام، وتباهى بأنه لم يفرض “رسوم عبور” على الممرات البحرية، واقترح ساخرًا تسمية بحر المانش بـ“الخليج الأمريكي”【2】.
إنها عقلية القرصان: من لا يكتفي بالذهب، يسعى لرسم العالم على صورته. مورجان بالسيف والمدفع، وترامب بالقوانين والرسوم والصفقات. والأخطر أن كليهما حوّل الجدل الأخلاقي إلى رصيد بطولي: فمورجان أعاد تسويق الدم كبطولة، وترامب حوّل صدامه مع المؤسسات إلى دليل على أنه “صوت الشعب”【5】.
غير أن التاريخ يعلّمنا أن المجد القائم على القرصنة ينتهي بالفضيحة. فقد انتهى مورجان مريضًا ومعزولًا【1】، وإذا غفرت له إنجلترا لأنه خدمها، فلا يليق بأمريكا أن تخلع القداسة على رئيسٍ يحوّل السياسة إلى مقامرة، والجغرافيا إلى عقار، والسلام إلى صفقة.
الهوامش (مختصرة العدد مع توضيح كافٍ)
1. كلارنس هارينغ، القراصنة في جزر الهند الغربية في القرن السابع عشر (1910)، ص 204–210؛ وألفريد روبين، قانون القرصنة (1998)، ص 13 وما بعدها.
2. نعومي كلاين، عقيدة الصدمة (2007)، ص 422؛ وخطابات ترامب الرسمية بالبيت الأبيض حول التجارة (2019).
3. دونالد ترامب، أمريكا المعاقة (2015)، ص 34؛ توماس فرانك، استمع أيها الليبرالي (2016)، ص 177.
4. اتفاقية جنيف الرابعة لعام 1949، المادة 49 بشأن عدم جواز الاستيلاء على الأراضي بالقوة.
5. كاس مود وكريستوبال روفيرا، الشعبوية: مقدمة قصيرة جدًا (2017)، ص 95.