سياسة

فرنسا وإسرائيل: من التحالف الاستراتيجي إلى الفتور السياسي

April 24, 2026 admin لا توجد تعليقات

بقلم د. وليد العزبي

لم يكن الصراع العربي–الإسرائيلي مجرّد نزاع إقليمي محدود، بل ظلّ على الدوام ساحة صراع بين القوى الكبرى على النفوذ والهيمنة. وإذا كانت الولايات المتحدة قد تولّت منذ سبعينيات القرن العشرين موقع الراعي الأول لإسرائيل، فإن فرنسا سبقتها إلى هذا الدور في البدايات، حين صاغت مع تل أبيب شبكة مصالح سياسية وعسكرية جعلت منها الداعم الأبرز للكيان الوليد حتى عام 1967. غير أنّ هذه العلاقة لم تلبث أن شهدت تحولات جذرية وصلت إلى حد القطيعة، قبل أن تستقرّ لاحقًا عند مستوى من الفتور السياسي والتباعد الاستراتيجي.


أولًا: من الاعتراف المبكر إلى العدوان الثلاثي

سارعت فرنسا عام 1948 إلى الاعتراف بإسرائيل، في خطوة منحت الكيان الوليد شرعية دولية جزئية في وقت كان يعاني عزلة سياسية خانقة(1). وقد وجدت باريس في تل أبيب شريكًا يمكن الاعتماد عليه لتعويض تراجع نفوذها في الشرق الأوسط. ومع اندلاع ثورة يوليو 1952، زاد هذا التقارب، إذ رأت فرنسا في جمال عبد الناصر خصمًا مزدوجًا: عدوًا لإسرائيل وحليفًا أساسيًا لحركات التحرر، وعلى رأسها الثورة الجزائرية التي هددت المصالح الفرنسية المباشرة.

بلغ هذا التحالف ذروته في العدوان الثلاثي عام 1956، حين اصطفّت باريس ولندن إلى جانب إسرائيل في حرب ضد مصر الناصرية، في أول إعلان صريح بأن إسرائيل تحوّلت إلى حليف استراتيجي يحارب إلى جوار فرنسا “عدوًا مشتركًا” اسمه عبد الناصر(2).

ثانيًا: ديمونة وبداية القدرات النووية

لم يقتصر التعاون الفرنسي–الإسرائيلي على صفقات السلاح التقليدي. ففي مطلع الستينيات، ساعدت باريس إسرائيل سرًا على بناء مفاعل “ديمونة” النووي في صحراء النقب(3). وقد شكّل هذا الدعم حجر الأساس لترسانة إسرائيل النووية، التي ما زالت حتى اليوم سلاحها الرادع الاستراتيجي.

كما أغدقت فرنسا على تل أبيب أحدث المقاتلات من طراز “ميراج III”، والدبابات المتطورة، ما جعل إسرائيل تدخل حرب 1967 وهي مجهزة بأحدث إنتاج الصناعات العسكرية الفرنسية(4).


ثالثًا: فيصل وديغول – لحظة التحول

غير أنّ الرياح لم تجرِ كما اشتهت تل أبيب. فبعد حرب 1967، التقى الملك فيصل بن عبد العزيز بالجنرال شارل ديغول في باريس. حاول الأخير أن يقنعه بأن إسرائيل أصبحت “أمرًا واقعًا”، فجاء رد فيصل قاطعًا: الاحتلال لا يخلق شرعية، كما لم يخلقها احتلال هتلر لفرنسا(5). هذا الرد أربك ديغول، فخرج من اللقاء معلنًا حظر تصدير السلاح إلى إسرائيل. كانت تلك اللحظة نقطة تحوّل مفصلية: فقدت إسرائيل أهم مورد عسكري لها، وبدأت القطيعة مع فرنسا.


رابعًا: من حرب أكتوبر إلى الهيمنة الأمريكية

ظلّ الحظر الفرنسي قائمًا حتى اندلاع حرب أكتوبر 1973. وفي هذه الأثناء، استخدم الملك فيصل سلاح النفط للضغط على الغرب الداعم لإسرائيل، فانفجرت أزمة الطاقة العالمية وخرج الأمريكيون في مظاهرات يهتفون: “البترول لا إسرائيل”(6). ومنذ ذلك الحين اضطرت تل أبيب إلى الاعتماد الكلّي على الولايات المتحدة، التي تحوّلت إلى الراعي العسكري والسياسي الأول لها، فيما تراجع الدور الفرنسي إلى الهامش.


خامسًا: فرنسا اليوم – بين التردد والفتور

مع مرور العقود، تراجعت العلاقة الفرنسية–الإسرائيلية إلى مستوى من البرود السياسي. لم تعد باريس المورد الأول للسلاح ولا الحليف الاستراتيجي كما في الخمسينيات والستينيات. وخلال حرب غزة 2023–2024، بدا ذلك جليًا: فرنسا لم تقدّم دعمًا عسكريًا لإسرائيل، بل انشغلت بالدعوة إلى وقف إطلاق النار وتأمين المساعدات الإنسانية، بينما شهدت شوارعها مظاهرات ضخمة مؤيدة لفلسطين(7).

كما أنّ الموقف الفرنسي داخل الاتحاد الأوروبي بات أكثر ميلاً إلى لعب دور “الصوت المتوازن”، لا “الحليف المطلق”، خاصة في ظل ضغوط داخلية من الرأي العام الفرنسي المتنوع والمتأثر بالهجرة العربية والإسلامية.


خاتمة

منذ الاعتراف المبكر بإسرائيل عام 1948، مرورًا بالعدوان الثلاثي 1956، وبناء مفاعل ديمونة، ولقاء فيصل–ديغول 1967، ثم حرب أكتوبر 1973، وصولًا إلى حرب غزة 2024، عرفت العلاقات الفرنسية–الإسرائيلية تحولات متناقضة: من التحالف العسكري المطلق، إلى القطيعة، وصولًا إلى حالة من الفتور السياسي الراهن.

ويبدو أنّ أبلغ دروس هذه المسيرة يتمثل في أنّ لحظة حاسمة واحدة – كما فعل فيصل أمام ديغول – قد تغيّر مجرى التاريخ وتوقف تدفّق السلاح، وتعيد رسم خرائط التحالفات الدولية. واليوم، لم تعد باريس حليفًا استراتيجيًا لتل أبيب كما كانت، بل شريكًا ثانويًا ضمن المظلّة الأمريكية، فيما يبقى الموقف الشعبي الفرنسي شاهدًا على أنّ التوازن بين المصالح والتحولات الأخلاقية لا يزال حاضرًا بقوة في السياسة الأوروبية.


الهوامش
1. محمد حسنين هيكل، ملفات السويس (القاهرة: الأهرام، 1980)، ص 112.
2. نفس المرجع، ص 145–150.
3. آفنر كوهين، إسرائيل والقنبلة (ترجمة مركز الدراسات الفلسطينية، بيروت: 2002)، ص 97–103.
4. رونالد ستورك، “التعاون النووي الفرنسي–الإسرائيلي”، مجلة الدراسات الأمنية، العدد 14، 1998، ص 45.
5. عبد الرحمن الراشد، الملك فيصل وفلسطين (الرياض: دار الساقي، 1995)، ص 201.
6. ويليام كواندت، سلام لا حرب: الدبلوماسية الأمريكية والصراع العربي–الإسرائيلي 1967–1973 (واشنطن: بروكنغز، 1984)، ص 265–270.
7. تغطية صحيفة لوموند الفرنسية، 12 نوفمبر 2023.

المقال التالي ← → المقال السابق