سياسة

من النيل إلى البحر الأحمر.. هل تعيد مصر رسم ميزان القوى حول إثيوبيا؟ بقلم د. وليد العزبي

September 15, 2026 admin لا توجد تعليقات

لم يعد من الدقة اختزال الخلاف بين مصر وإثيوبيا في كونه نزاعًا فنيًا حول سد النهضة، كما لم يعد ممكنًا قراءة التحركات المصرية المتزايدة في القرن الأفريقي والبحر الأحمر باعتبارها مجرد علاقات ثنائية منفصلة مع إريتريا أو الصومال أو غيرهما.

فالمشهد الذي يتشكل تدريجيًا يوحي بأننا أمام تحول أوسع في التفكير الاستراتيجي المصري: من إدارة أزمة السد إلى إدارة ميزان القوى المحيط بإثيوبيا.

وهذا فارق جوهري.

فالدولة التي استطاعت أن تفرض واقعًا جديدًا على النيل الأزرق من خلال بناء سد النهضة وتشغيله، تجد نفسها، في المقابل، أمام نقطة ضعف جغرافية لا تقل أهمية: إثيوبيا دولة حبيسة، والوصول المستقر والآمن إلى البحر الأحمر يمثل بالنسبة إليها مسألة تتجاوز التجارة والنقل إلى الأمن القومي ومكانة الدولة ومستقبلها كقوة إقليمية.

ومن هنا تلتقي جغرافيتان تبدوان للوهلة الأولى منفصلتين: جغرافيا النيل وجغرافيا البحر الأحمر.

إثيوبيا.. قوة المنبع ومأزق البحر

منحت الجغرافيا إثيوبيا إحدى أهم أوراقها الاستراتيجية في مواجهة مصر؛ فهي تقع في أعالي النيل الأزرق، وقد نجحت، بعد سنوات طويلة من الخلاف والمفاوضات، في تحويل سد النهضة إلى حقيقة مادية وسياسية قائمة.

ومع الافتتاح الرسمي للسد في سبتمبر 2025، أصبح السؤال المصري أقل ارتباطًا بإمكان منع المشروع ذاته، وأكثر ارتباطًا بكيفية إدارة آثاره، وضمان ألا تتحول السيطرة الإثيوبية المتزايدة على منشآت أعالي النيل إلى مصدر ضغط استراتيجي دائم على دولة المصب.[1]

لكن الجغرافيا التي منحت إثيوبيا القوة عند النهر فرضت عليها في الوقت ذاته ضعفًا عند البحر.

فمنذ استقلال إريتريا عام 1993 أصبحت إثيوبيا دولة بلا ساحل، تعتمد بدرجة كبيرة على موانئ الدول المجاورة في تجارتها الخارجية. ولهذا لم يعد البحث الإثيوبي عن منفذ أكثر استقرارًا إلى البحر مجرد مطلب اقتصادي، بل أصبح جزءًا متزايد الحضور في الخطاب الإثيوبي حول الأمن القومي ومكانة الدولة ومستقبلها الإقليمي.

وهنا تحديدًا تبدأ أهمية البحر الأحمر في المعادلة المصرية.

إريتريا.. الجغرافيا التي لا يمكن تجاهلها

لا يمكن فهم التقارب بين القاهرة وأسمرة بعيدًا عن هذه المعادلة.

فإريتريا ليست مجرد دولة مجاورة لإثيوبيا؛ بل هي الدولة التي تفصل أجزاء واسعة من الشمال الإثيوبي عن البحر الأحمر، وتمتلك ساحلًا طويلًا وموانئ بالغة الأهمية، وفي مقدمتها عصب ومصوع.

وفي الوقت نفسه تحمل العلاقات الإثيوبية–الإريترية تاريخًا بالغ التعقيد من الحرب والعداء والمصالحة والتحالف ثم التوتر من جديد.

ومع عودة قضية الوصول الإثيوبي إلى البحر إلى صدارة النقاش الإقليمي، اكتسب ميناء عصب، على وجه الخصوص، حساسية استراتيجية متزايدة.

وقد ذهب تحليل نشره معهد مانوهار باريكار للدراسات والتحليلات الدفاعية في يونيو 2026 إلى أن التقارب المصري–الإريتري يجري في بيئة تتداخل فيها بصورة واضحة قضية سد النهضة، والطموح الإثيوبي للوصول إلى البحر الأحمر، وإعادة تشكيل التوازنات الأمنية في القرن الأفريقي.[2]

لكن المصالح المصرية والإريترية، وإن تقاطعت، ليست متطابقة.

فالقاهرة تنظر أساسًا إلى حماية أمنها المائي ومصالحها في البحر الأحمر، بينما تنظر أسمرة إلى حماية سيادتها ومنع تحول البحث الإثيوبي عن منفذ بحري إلى مصدر ضغط على أراضيها أو موانئها.

وهذا التمييز مهم؛ لأنه يعني أن العلاقة بين البلدين لا ينبغي وصفها ببساطة باعتبارها «تحالفًا ضد إثيوبيا»، بقدر ما يمكن فهمها بوصفها تلاقيًا للمصالح في مواجهة اختلال محتمل في ميزان القوى الإقليمي.

هل تحاصر مصر إثيوبيا؟

تعبير «الحصار» جذاب إعلاميًا، لكنه ليس الأكثر دقة من الناحية الاستراتيجية.

فمصر لا تستطيع ــ ولا يبدو أن من مصلحتها ــ حصار دولة بحجم إثيوبيا وثقلها السكاني والسياسي وعلاقاتها الإقليمية والدولية.

الأقرب إلى الواقع أن القاهرة تسعى إلى بناء شبكة من العلاقات الإقليمية تمنع طرفًا واحدًا من الانفراد بقواعد اللعبة في القرن الأفريقي.

وهنا تصبح الخريطة أكثر وضوحًا.

إريتريا تقع إلى الشمال من إثيوبيا، والصومال إلى الشرق والجنوب الشرقي، والسودان إلى الغرب، بينما تمثل جيبوتي الشريان البحري والتجاري الأهم للاقتصاد الإثيوبي.

وقد كشفت الأزمة التي أعقبت توقيع إثيوبيا مذكرة تفاهم مع «أرض الصومال» مطلع عام 2024 حجم الحساسية التي يمكن أن يثيرها أي تغيير في معادلة الوصول إلى البحر. كما ساهم الخلاف في دفع مقديشو نحو تعاون أوثق مع القاهرة وأسمرة، في أحد أبرز مظاهر إعادة الاصطفاف التي شهدها القرن الأفريقي خلال السنوات الأخيرة.[3]

ومن ثم، فالأدق وصف ما يجري بأنه محاولة لبناء قوس من التوازن الاستراتيجي حول إثيوبيا، وليس طوقًا للحصار.

والفارق بين التعبيرين ليس لغويًا فحسب.

فالحصار يستهدف خنق الخصم، أما التوازن فيستهدف رفع كلفة الانفراد بالقرار.

سد النهضة لم يعد وحده في الملعب

وهنا تكمن، في تقديري، أهم نقطة في التحول المصري.

فعلى مدى أكثر من عقد، جرى التعامل مع الأزمة باعتبار سد النهضة مركز الصراع، وبالتالي انصب الجزء الأكبر من الجهد السياسي والقانوني والدبلوماسي على التفاوض حول الملء والتشغيل والقواعد المنظمة لاستخدام مياه النيل.

لكن اكتمال السد وبدء تشغيله فرضا سؤالًا مختلفًا:

ماذا بعد سد النهضة؟

هل تستمر مصر في إدارة خلاف فني وقانوني طويل حول منشأة أصبحت حقيقة قائمة بالفعل، أم تنتقل إلى التأثير في البيئة الاستراتيجية التي تتحرك داخلها إثيوبيا؟

يبدو أن الخيار الثاني أصبح أكثر حضورًا.

ومن هنا تتسع رقعة المنافسة من النيل إلى البحر الأحمر، ومن ملف المياه إلى الموانئ والأمن البحري والصومال وإريتريا والسودان، بل وإلى مستقبل النظام الأمني في القرن الأفريقي بأكمله.

وبهذا المعنى، لم يعد سد النهضة ملفًا منفصلًا، وإنما أصبح جزءًا من معادلة جيوسياسية أكبر.

النيل في مواجهة البحر؟

تظهر هنا واحدة من أهم مفارقات الجغرافيا السياسية في المنطقة.

إثيوبيا قوية عند النهر، لكنها ضعيفة عند البحر.

وفي المقابل:

مصر دولة مصب في النيل، لكنها قوة رئيسية في معادلة البحر الأحمر.

ومن هذه المفارقة قد ينشأ ما يمكن تسميته «توازن نقاط الضعف».

فإثيوبيا تدرك أن مياه النيل تمثل مسألة أمن قومي بالغة الحساسية بالنسبة لمصر، بينما تدرك القاهرة أن الوصول الآمن والمستقر إلى البحر يمثل أحد أهم القيود الجغرافية المفروضة على القوة الإثيوبية.

ولا يعني ذلك أن مصر تستطيع ــ أو ينبغي لها ــ أن تقايض مياه النيل بمنفذ بحري لإثيوبيا؛ فالعلاقات الدولية أكثر تعقيدًا من مثل هذه المقايضات المباشرة، كما أن سيادة الدول الساحلية وحقوقها لا يمكن أن تكون محل تفاوض من جانب أطراف أخرى.

لكن المعنى الأعمق هو أن أديس أبابا لم يعد من السهل عليها النظر إلى ملف النيل باعتباره جزيرة منفصلة عن بقية مصالحها الإقليمية.

وهنا تظهر القيمة الحقيقية لبناء النفوذ المصري في القرن الأفريقي.

فالهدف الاستراتيجي الأكثر ذكاءً ليس حرمان إثيوبيا من البحر، وإنما بناء بيئة تجعل التعاون الإقليمي أكثر فائدة لها من سياسة فرض الأمر الواقع.

من الردع إلى تغيير الحسابات

التوازن الاستراتيجي الناجح لا يعني بالضرورة امتلاك القدرة على منع الخصم من الحركة، وإنما القدرة على تغيير حساباته.

وهذا ربما يكون جوهر المرحلة الجديدة.

فإذا أدركت إثيوبيا أن علاقاتها الاقتصادية مع محيطها، وفرص وصولها إلى البحر، واستقرار حدودها، ومكانتها في القرن الأفريقي، تصبح جميعها أكثر استقرارًا في ظل علاقات تعاونية مع مصر ودول الجوار، فإن تكلفة التفاهم حول النيل تصبح أقل من تكلفة استمرار الصراع.

وهنا تتحول السياسة المصرية من مجرد الدفاع عن المياه إلى التأثير في البيئة التي تتخذ فيها إثيوبيا قراراتها.

والفارق كبير.

فالدبلوماسية التي تلاحق القرار بعد صدوره تختلف عن الاستراتيجية التي تؤثر في الحسابات التي تسبق اتخاذ القرار.

الخطر الحقيقي.. المعضلة الأمنية

غير أن لعبة التوازن هذه ليست بلا مخاطر.

فما تعتبره القاهرة إجراءات دفاعية لحماية أمنها المائي والبحري قد تفسره أديس أبابا باعتباره محاولة لتطويقها.

وفي المقابل، ما تعتبره إثيوبيا مطلبًا طبيعيًا لدولة حبيسة تبحث عن وصول مستقر إلى البحر قد تنظر إليه إريتريا أو الصومال باعتباره تهديدًا لسيادتهما أو محاولة لإعادة رسم موازين القوى الإقليمية.

وهنا تظهر ما تعرف في دراسات العلاقات الدولية بـ«المعضلة الأمنية».

فكل دولة تتحرك لكي تصبح أكثر أمنًا، فيفسر الطرف الآخر تلك التحركات باعتبارها تهديدًا، فيتخذ بدوره إجراءات مضادة، فيصبح الجميع في النهاية أقل أمنًا مما كانوا عليه في البداية.

وهذا هو الخطر الحقيقي.

فإذا تحول التنافس المصري–الإثيوبي من إدارة توازن القوى إلى صراع محاور، فقد تصبح دول القرن الأفريقي ساحات للمنافسة بالوكالة، وهو سيناريو لن يكون في مصلحة مصر أو إثيوبيا أو شعوب المنطقة.

خصوصًا أن القرن الأفريقي والبحر الأحمر لم يعودا ساحة يتحرك فيها طرفان فقط، بل أصبحا مجالًا تتداخل فيه مصالح قوى عربية وإقليمية ودولية، وتتقاطع داخله الموانئ والقواعد العسكرية والتجارة العالمية وأمن الملاحة في البحر الأحمر وباب المندب.

القوة ليست في محاصرة إثيوبيا

ومن هنا ينبغي أن يكون الهدف المصري أكثر دقة من مجرد «الضغط على إثيوبيا».

فإثيوبيا دولة كبيرة ومحورية في شرق أفريقيا، ولا يمكن بناء نظام إقليمي مستقر على افتراض إمكانية عزلها أو إقصائها.

كما أن استقرار إثيوبيا ذاته، رغم الخلاف معها، يظل عنصرًا مهمًا في استقرار القرن الأفريقي.

لذلك فإن السياسة الأكثر استدامة ليست تلك التي تدفع إثيوبيا إلى الاعتقاد بأنها محاصرة، وإنما تلك التي تجعل صانع القرار الإثيوبي يدرك أن مصالح بلاده الاقتصادية والأمنية تصبح أكثر استقرارًا عندما تكون جزءًا من نظام إقليمي تعاوني يحترم مصالح دول المصب وسيادة الدول الساحلية.

أي أن الهدف النهائي من التوازن ليس الحرب، بل تغيير حسابات الكلفة والعائد لدى الطرف الآخر.

وهنا فقط تتحول الجغرافيا من مصدر للصراع إلى أداة للتفاوض.

من الجغرافيا المائية إلى الجغرافيا السياسية

ما يحدث في القرن الأفريقي اليوم أكبر من سد النهضة، لكنه لا ينفصل عنه.

لقد استطاعت إثيوبيا خلال السنوات الماضية الاستفادة من جغرافية المنبع وفرض واقع جديد على النيل الأزرق.

أما مصر فيبدو أنها بدأت تتحرك في مساحة جغرافية أخرى تمتلك فيها أوراقًا أكثر تنوعًا: البحر الأحمر، وعلاقاتها مع الدول الساحلية، وصلاتها بإريتريا والصومال والسودان، فضلًا عن ثقلها العربي والأفريقي وقدراتها السياسية والعسكرية.

ومن ثم فإن السؤال الذي سيحدد مستقبل العلاقة المصرية–الإثيوبية خلال العقد المقبل ليس:

هل تستطيع مصر العودة إلى ما قبل سد النهضة؟

فهذا سؤال تجاوزته الأحداث إلى حد بعيد.

السؤال الحقيقي هو:

هل تستطيع مصر بناء ميزان قوى يجعل التعاون في مياه النيل أكثر فائدة لإثيوبيا وأقل كلفة عليها من الاستمرار في سياسة فرض الأمر الواقع؟

إذا استطاعت القاهرة تحقيق ذلك دون الانزلاق إلى مواجهة عسكرية، ودون تحويل القرن الأفريقي إلى ساحة صراع بالوكالة، فإنها تكون قد حققت تحولًا مهمًا في إدارة أحد أخطر ملفات أمنها القومي.

فالقوة ليست دائمًا في القدرة على تغيير الجغرافيا.

أحيانًا تكون القوة في القدرة على فهمها وإعادة توظيفها.

وإذا كانت إثيوبيا قد استفادت من جغرافية المنبع لتعزيز موقعها في معادلة النيل، فإن التحدي أمام مصر اليوم هو أن تستفيد من الجغرافيا السياسية للبحر الأحمر والقرن الأفريقي لبناء توازن يحمي جغرافيتها المائية.

وهكذا ربما تكون المعادلة الجديدة التي تتشكل من منابع النيل إلى شواطئ البحر الأحمر ليست معادلة «المياه مقابل البحر»، ولا مشروعًا لـ«حصار إثيوبيا»، وإنما محاولة لإعادة بناء التوازن:

أن تدرك كل دولة أن أمنها لا يمكن أن يُبنى بصورة دائمة على نقطة ضعف الدولة الأخرى.

وعندما تصل القاهرة وأديس أبابا إلى هذه القناعة، قد يصبح التفاوض حول النيل جزءًا من تسوية إقليمية أوسع، بدلًا من أن يظل صراعًا مفتوحًا بين دولة المنبع ودولة المصب.

وقد تكون هذه هي المعادلة التي ستحدد شكل العلاقة بين مصر وإثيوبيا، بل ومستقبل القرن الأفريقي والبحر الأحمر، خلال العقد القادم.

الهوامش

[1] وكالة رويترز، «إثيوبيا تفتتح سدًّا ضخمًا لتوليد الطاقة الكهرومائية وسط معارضة مصرية شديدة»، 9 سبتمبر/أيلول 2025. يتناول التقرير الافتتاح الرسمي لسد النهضة، والموقف المصري من السد وتشغيله، كما يتناول التوتر المتصاعد بين القاهرة وأديس أبابا وتداخل ملف المياه مع التحولات الإقليمية المحيطة بإثيوبيا.

[2] ج. موهاناساكثيفيل، «التحولات في الاصطفافات الإقليمية في القرن الأفريقي: مصر وإريتريا وإثيوبيا»، معهد مانوهار باريكار للدراسات والتحليلات الدفاعية، الهند، 25 يونيو/حزيران 2026. تتناول الدراسة التقارب المصري–الإريتري في سياق التوتر مع إثيوبيا، وتناقش العلاقة بين سد النهضة، والسعي الإثيوبي للوصول إلى البحر الأحمر، والأهمية الاستراتيجية لميناء عصب، والتحولات في ميزان القوى بالقرن الأفريقي.

[3] وكالة رويترز، «كينيا وأوغندا تتوسطان في النزاع بين إثيوبيا والصومال»، 30 نوفمبر/تشرين الثاني 2024. يتناول التقرير تداعيات مذكرة التفاهم الإثيوبية مع إقليم أرض الصومال بشأن الوصول إلى البحر، والأزمة التي نشأت مع الحكومة الصومالية، والتقارب المتزايد بين مقديشو وكل من القاهرة وأسمرة.

المقال التالي ← → المقال السابق