سياسة

اليمن والحوثيون: من تمرد صعدة إلى صراع البحر الأحمر الجزء الثاني: تحالف الأعداء — الحوثيون وعلي عبدالله صالح بقلم د. وليد العزبي

September 26, 2026 admin لا توجد تعليقات

في السياسة، قد تجمع المصالح بين خصمين خاضا ضد بعضهما حروبًا طويلة، وقد يتحول العدو إلى حليف عندما تتغير موازين القوة.

وهذا بالضبط ما حدث في اليمن.

فعلي عبدالله صالح، الذي خاض نظامه ست حروب ضد الحوثيين بين عامي ٢٠٠٤ و٢٠١٠، أصبح بعد خروجه من السلطة أحد أهم العوامل التي ساعدت الحركة نفسها على التوسع والوصول إلى صنعاء.

ولفهم هذه المفارقة، يجب العودة إلى عام ٢٠١١.

الثورة اليمنية وبداية تفكك النظام

مع موجة الاحتجاجات العربية عام ٢٠١١، خرج آلاف اليمنيين مطالبين بإنهاء حكم الرئيس علي عبدالله صالح، الذي حكم شمال اليمن منذ عام ١٩٧٨، ثم أصبح رئيسًا لليمن الموحد منذ عام ١٩٩٠.

ولم تكن الأزمة مجرد احتجاجات شعبية، بل امتدت سريعًا إلى مؤسسات الدولة نفسها.

انقسمت وحدات عسكرية، وانشقت شخصيات سياسية وقبلية بارزة، وبدأ النظام الذي بناه صالح خلال أكثر من ثلاثة عقود يفقد تماسكه.

وفي ٢٣ نوفمبر ٢٠١١، وقّع صالح المبادرة الخليجية وآليتها التنفيذية، التي مهدت لنقل السلطة إلى نائبه عبد ربه منصور هادي ضمن تسوية سياسية تضمنت ترتيبات للحصانة، ثم أصبح هادي رئيسًا للمرحلة الانتقالية في فبراير ٢٠١٢. [١]

لكن خروج صالح من الرئاسة لم يكن يعني خروجه من المشهد.

وهنا بدأت المشكلة.

صالح خرج من القصر… لكنه لم يخرج من الدولة

خلال أكثر من ثلاثة عقود من الحكم، بنى صالح شبكة واسعة من الولاءات داخل الجيش والأجهزة الأمنية والقبائل ومؤسسات الدولة.

وكانت وحدات عسكرية مهمة مرتبطة بقيادات محسوبة عليه، وفي مقدمتها الحرس الجمهوري الذي تولى قيادته ابنه أحمد علي عبدالله صالح لسنوات.

لذلك لم يكن انتقال السلطة في اليمن مجرد استبدال رئيس بآخر.

فهادي أصبح رئيس الدولة، لكنه ورث مؤسسات عسكرية وأمنية لم تكن جميع مراكز القوة داخلها خاضعة بالكامل للسلطة الجديدة.

وحاولت الرئاسة إعادة هيكلة القوات المسلحة وتقليص نفوذ القيادات المرتبطة بعهد صالح، إلا أن شبكات النظام السابق ظلت مؤثرة.

وتكشف وثائق مجلس الأمن أن علي عبدالله صالح نفسه ظل فاعلًا في المشهد بعد تنحيه، بل أُدرج في نوفمبر ٢٠١٤ ضمن الأشخاص الذين اعتُبرت أفعالهم مهددة للسلام والاستقرار ومعرقلة للعملية السياسية في اليمن. [٢]

أين كان الحوثيون في هذه المرحلة؟

لم يقف الحوثيون خارج العملية السياسية بالكامل.

ففي مارس ٢٠١٣ بدأ مؤتمر الحوار الوطني، وشارك فيه ٥٦٥ ممثلًا عن الأحزاب والقوى السياسية والاجتماعية المختلفة، بمن فيهم الحوثيون، والحراك الجنوبي، والشباب، والنساء.

وانتهى المؤتمر في يناير ٢٠١٤ بوثيقة كان من المفترض أن تمثل أساسًا لدستور جديد وإعادة بناء النظام السياسي اليمني. [٣]

ظاهريًا، كان اليمن يتجه نحو تسوية سياسية جديدة.

لكن الواقع على الأرض كان مختلفًا.

فبينما شارك الحوثيون في الحوار السياسي، كانت قوتهم العسكرية تتوسع شمالًا، وكانت المواجهات مع خصومهم مستمرة.

الخلاف حول الدولة الاتحادية

من أبرز القضايا التي أثارت الخلاف مسألة تحويل اليمن إلى دولة اتحادية مقسمة إلى ستة أقاليم.

اعترض الحوثيون على صيغة التقسيم المقترحة، ورأوا أن الإقليم الذي ستقع فيه مناطق نفوذهم سيحد من وصولهم إلى الساحل ويضعهم داخل نطاق أقل استفادة من الموارد والمنافذ الاقتصادية.

كما أبدت أطراف جنوبية اعتراضات مختلفة على صيغة الأقاليم الستة.

وتشير تقارير الأمم المتحدة إلى أن قادة أنصار الله اعترضوا على التقسيم، وكان من بين أسباب اعتراضهم ما رأوه من تقييد لوصول مناطقهم إلى الأراضي الساحلية. [٣]

ومع تعثر التوافق حول شكل الدولة الجديدة، بدأت المرحلة الانتقالية تفقد الزخم الذي رافق بدايتها.

وهنا بدأت المصالح تلتقي

كان صالح يسعى إلى استعادة نفوذه وإضعاف خصومه الذين صعدوا بعد خروجه من الرئاسة.

وفي المقابل، كان الحوثيون يسعون إلى توسيع نفوذهم خارج صعدة وإزاحة القوى السياسية والعسكرية التي واجهتهم لسنوات.

لم يكن الطرفان بحاجة إلى الاتفاق على مشروع واحد لليمن.

كان يكفي أن تكون لديهما خصومات مشتركة.

ومن هنا بدأ يتشكل تدريجيًا تحالف شديد الغرابة بين قوتين كانتا حتى سنوات قليلة سابقة تخوضان حربًا مفتوحة ضد بعضهما.

وتشير الأمم المتحدة إلى أن التصعيد في محافظة عمران خلال يونيو ويوليو ٢٠١٤ شاركت فيه عناصر موالية للحوثيين إلى جانب قوات ورجال قبائل موالين للرئيس السابق صالح، وهو ما مثّل بداية واضحة للتنسيق العسكري بين الطرفين. [٣]

وهنا تغير ميزان القوة في اليمن بصورة حاسمة.

لماذا كان صالح مهمًا للحوثيين؟

امتلك الحوثيون مقاتلين وخبرة طويلة في الحروب الجبلية، إلا أن السيطرة على دولة مثل اليمن تحتاج إلى أكثر من مجرد قوة مقاتلة.

فصالح امتلك شبكة علاقات ونفوذ تكونت خلال عقود داخل مؤسسات الدولة والجيش والقبائل.

وكان في معسكره ضباط وقادة عسكريون يعرفون بنية القوات المسلحة ومخازن السلاح ومراكز القيادة وطرق إدارة مؤسسات الدولة.

لذلك فإن التقارب بين الطرفين لم يكن مجرد إضافة مقاتلين إلى صفوف الحوثيين.

لقد منح الحركة إمكانية الاستفادة من شبكات كانت تعمل من داخل الدولة نفسها.

عمران: البوابة إلى صنعاء

في يوليو ٢٠١٤ سيطر الحوثيون على مدينة عمران شمال العاصمة صنعاء.

وكان سقوط عمران مهمًا لسببين.

الأول أنها كانت موقعًا استراتيجيًا على الطريق المؤدي إلى صنعاء.

والثاني أنها كانت ساحة نفوذ لقوى قبلية وسياسية وعسكرية من أبرز خصوم الحوثيين.

ومع سقوط عمران تقلصت المسافة السياسية والعسكرية بين الحوثيين والعاصمة.

ولم تعد صنعاء بعيدة عن مسرح المواجهة.

أزمة الوقود وتوسيع الخطاب السياسي

في صيف عام ٢٠١٤ اتخذت الحكومة اليمنية إجراءات لخفض دعم الوقود، الأمر الذي أدى إلى ارتفاع الأسعار وإثارة حالة واسعة من الغضب الشعبي.

استغل الحوثيون الأزمة ونظموا احتجاجات في صنعاء، رافعين مطالب تتعلق بإلغاء قرار رفع الدعم، وتغيير الحكومة، وتنفيذ مخرجات الحوار الوطني.

وهنا نجحوا في توسيع خطابهم خارج إطار صراع صعدة التقليدي.

فبدلًا من الظهور فقط باعتبارهم حركة مسلحة قادمة من الشمال، قدموا أنفسهم أيضًا كقوة سياسية تتبنى مطالب اقتصادية وحكومية أوسع.

لكن الاحتجاجات السياسية كانت تتزامن مع تحرك عسكري متزايد باتجاه العاصمة.

سبتمبر ٢٠١٤: صنعاء تسقط

في سبتمبر ٢٠١٤ تقدمت قوات الحوثيين داخل صنعاء وسيطرت على مواقع عسكرية وحكومية رئيسية.

والمهم أن سقوط العاصمة لم يكن معركة تقليدية بين جيش مهاجم وجيش يدافع عن الدولة حتى النهاية.

فقد كان الجيش اليمني منقسمًا، وكانت داخل المؤسسة العسكرية وحدات وقوى متعددة الولاءات.

وتشير تقارير الأمم المتحدة إلى أن الحوثيين استفادوا من انقسامات القوات المسلحة ومن وجود وحدات وقوى متحالفة معهم، الأمر الذي سهّل تمددهم داخل العاصمة. [٢]

وفي ٢١ سبتمبر ٢٠١٤ تم توقيع اتفاق السلم والشراكة الوطنية برعاية الأمم المتحدة، وكان من المفترض أن يؤدي إلى وقف العنف، وتشكيل حكومة جديدة، وتنفيذ إصلاحات سياسية واقتصادية.

لكن الاتفاق جاء بعد أن تغير ميزان القوة على الأرض بالفعل. [٣]

من كان يحكم فعليًا؟

ظل عبد ربه منصور هادي رئيسًا للدولة رسميًا.

وظلت الحكومة ومؤسسات الدولة موجودة من الناحية القانونية.

لكن الحوثيين أصبحوا القوة المسلحة الأكثر نفوذًا داخل العاصمة.

وفي الوقت نفسه، ظلت شبكات علي عبدالله صالح والقوى المحسوبة على النظام السابق حاضرة داخل أجزاء من المؤسسة العسكرية والسياسية.

وهكذا دخل اليمن في معادلة شديدة الهشاشة:

رئيس يتولى السلطة رسميًا.

ورئيس سابق لا يزال يحتفظ بنفوذ واسع.

وجماعة مسلحة أصبحت قادرة على فرض وجودها داخل العاصمة ومؤسسات الدولة.

وكان من الصعب أن تستمر هذه المعادلة طويلًا.

المجتمع الدولي يبدأ في التعامل مع التحالف كحقيقة سياسية

في ٧ نوفمبر ٢٠١٤ فرض مجلس الأمن عقوبات على علي عبدالله صالح واثنين من أبرز قادة الحوثيين، هما عبدالله يحيى الحكيم وعبدالخالق الحوثي، بسبب أعمال اعتُبرت مهددة للسلام والاستقرار ومعرقلة للعملية السياسية في اليمن. [٢]

وكان ذلك مؤشرًا واضحًا على أن المجتمع الدولي لم يعد يتعامل مع نفوذ صالح والتوسع الحوثي باعتبارهما مسارين منفصلين تمامًا.

لكن العقوبات لم تغير موازين القوة داخل اليمن.

بل واصل التقارب بين الطرفين تطوره.

تحالف بلا ثقة

ومع ذلك، يجب ألا يُفهم التقارب بين صالح والحوثيين باعتباره تحالفًا طبيعيًا أو قائمًا على الثقة.

فالحوثيون لم ينسوا أن نظام صالح خاض ضدهم ست حروب، وأن حسين بدر الدين الحوثي قُتل خلال الحرب الأولى عام ٢٠٠٤.

وفي المقابل، لم يتحول صالح إلى جزء عقائدي من مشروع أنصار الله.

كان لكل طرف حساباته الخاصة.

الحوثيون احتاجوا إلى شبكات صالح داخل الجيش والدولة.

وصالح احتاج إلى القوة العسكرية الحوثية لمواجهة خصومه واستعادة جزء من نفوذه الذي فقده بعد عام ٢٠١١.

بعبارة أخرى:

لم يكن التحالف قائمًا على الثقة، بل على تقاطع المصالح.

وهذه الحقيقة ستصبح شديدة الأهمية لاحقًا، عندما ينقلب الطرفان على بعضهما وينتهي الصراع بمقتل علي عبدالله صالح في صنعاء عام ٢٠١٧.

لكن ذلك لم يكن قد حدث بعد.

ففي نهاية عام ٢٠١٤، كان التحالف بين الطرفين في واحدة من أقوى مراحله.

وكانت أمامه خطوة أكبر.

الخطوة التالية: إسقاط سلطة هادي

بعد السيطرة على صنعاء لم يتوقف الحوثيون عند حدود النفوذ داخل العاصمة.

خلال الأشهر التالية تصاعد الضغط على الرئيس هادي والحكومة، واتسع تدخل الحوثيين في مؤسسات الدولة.

وفي يناير ٢٠١٥ وصلت المواجهة إلى القصر الرئاسي، وفرض الحوثيون سيطرتهم على عدد من المرافق الحيوية، ثم تمكن هادي لاحقًا من مغادرة صنعاء إلى عدن.

وبعد ذلك واصل الحوثيون تقدمهم جنوبًا، بمشاركة وحدات عسكرية موالية لصالح، في محاولة لتوسيع السيطرة على أجزاء أكبر من البلاد. [٢]

وهنا لم يعد الأمر مجرد صراع على النفوذ داخل العاصمة.

كانت الدولة اليمنية نفسها تدخل مرحلة الانهيار.

ومع تحرك الحوثيين وحلفائهم باتجاه الجنوب، اقترب الصراع من نقطة ستغير تاريخ اليمن والمنطقة بأكملها.

فأصبحت السعودية أمام معادلة استراتيجية جديدة:

هل تسمح بسيطرة الحوثيين وحلفائهم على معظم اليمن، أم تتدخل عسكريًا؟

وجاءت الإجابة في مارس ٢٠١٥.

وفي ٢٦ مارس بدأت العمليات العسكرية بقيادة السعودية، بعد طلب الرئيس عبد ربه منصور هادي التدخل لدعم السلطة اليمنية في مواجهة تقدم الحوثيين وحلفائهم.

ومن هنا تحولت الأزمة اليمنية من صراع داخلي على السلطة إلى حرب إقليمية مفتوحة.

يتبع…

الجزء الثالث: سقوط السلطة المركزية والحرب الإقليمية — كيف انتقل الحوثيون من السيطرة على صنعاء إلى المواجهة مع التحالف بقيادة السعودية؟

المراجع

[١] الأمم المتحدة، المبادرة الخليجية وآليتها التنفيذية الخاصة بانتقال السلطة في اليمن، نوفمبر ٢٠١١.

[٢] مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، لجنة العقوبات الخاصة باليمن، الوثائق والموجزات المتعلقة بعلي عبدالله صالح وقيادات جماعة الحوثيين وتطورات النزاع.

[٣] الأمم المتحدة، التقارير والوثائق المتعلقة بمؤتمر الحوار الوطني، والتطورات السياسية والعسكرية في اليمن خلال عامي ٢٠١٣ و٢٠١٤.

→ المقال السابق