بقلم د. وليد العزبي
في صباحٍ مشحونٍ بالدهشة، استيقظت فرنسا على خبرٍ يحمل وقع الحديد في الذاكرة السياسية: حكمٌ بسجن رئيسٍ سابق لخمس سنوات بتهمة الفساد والتآمر الجنائي¹.
وبين أروقة سجن لا سانتيه في باريس، يتردّد صدى العدالة ذاتها التي حاكمت قبل ثمانين عامًا المارشال فيليب بيتان بتهمة الخيانة².
كأنّ الزمن أراد أن يقول: لا حصانة لأحدٍ أمام القانون، لا بطلاً ولا رئيسًا، ما دامت الدولة تُقيم وزنًا للعدالة لا للأسماء.
من قفص الاتهام في فيشي إلى زنزانة باريس، ظلّ القانون هو السيف الوحيد الذي لم يصدأ.
من مجد فيردان إلى عار فيشي
كان فيليب بيتان ذات يومٍ بطلاً قوميًا أنقذ فرنسا من الانهيار في معركة فردان عام 1916، فحمل لقب «مارشال فرنسا» بكل فخر³.
غير أنّ التاريخ لا يُمنَح مرّةً واحدة، بل يُختَبَر كلّ يوم.
حين انهزمت فرنسا عام 1940 أمام جيوش هتلر، اختار بيتان طريق التعاون مع النازية، فأقام حكومة فيشي التي حكمت باسم فرنسا لكنها خدمت الاحتلال⁴.
وعندما عاد النصر إلى أبناء الجمهورية، عاد معه الحساب.
وُضع بيتان أمام محكمة استثنائية سنة 1945، حوكم بتهمة الخيانة، وصدر بحقه حكم الإعدام، ثم خُفف إلى السجن المؤبد مراعاةً لكبر سنّه⁵.
مات الرجل في زنزانةٍ باردة عام 1951، بعد أن سُحبت منه ألقاب البطولة التي طالما تغنّى بها الفرنسيون⁶.
كان الدرس واضحًا: إن خانت الذاكرة، فلن تخون العدالة.
ساركوزي… حين يسقط الرئيس لا النظام
بعد عقودٍ طويلة، وفي جمهوريةٍ ديمقراطيةٍ مكتملة الأركان، جاء دور العدالة لتقول كلمتها من جديد.
هذه المرة لم تكن الخيانة عسكرية، بل فسادًا انتخابيًا.
في 25 سبتمبر 2025، أصدرت محكمة باريس حكمها التاريخي على الرئيس الأسبق نيكولا ساركوزي بالسجن خمس سنوات، منها ثلاث نافذة، بعد إدانته في قضية التمويل الليبي لحملته الانتخابية لعام 2007⁷.
لم تنفعه الأوسمة ولا المكانة، ولم تشفع له سنوات الحكم.
فالقضاء الفرنسي، في واحدٍ من أكثر أحكامه صرامةً واستقلالًا، أمر بتنفيذ العقوبة فورًا رغم وجود طعنٍ قانوني⁸.
لم يُودَع بيتان السجن إلّا بعد سقوط نظامه، أمّا ساركوزي فدخل زنزانته والنظام لا يزال قائمًا؛ وذلك هو جوهر الدولة الحديثة: أن يُسجَن الرئيس ويبقى القانون.
بين الخيانة والفساد: خيط العدالة الممتد
قد تبدو القضيتان مختلفتين في الزمان والمضمون: بيتان خان وطنًا محتلًا، وساركوزي خان ثقة شعبٍ في وطنٍ حرّ.
لكن الخيط الذي يجمع بينهما هو محاكمة السلطة باسم القانون.
بيتان مثّل لحظةَ انهيارٍ أخلاقي في زمن الحرب، وساركوزي لحظةَ اختبارٍ للنزاهة في زمن الديمقراطية.
وفي الحالتين، أكّدت فرنسا أنّ العدالة لا تُفرّق بين الجنرال والرئيس، بين من رفع السلاح ومن حمل القلم، ما دامت الجريمة تُهدّد جوهر الدولة.
اليمين الفرنسي بين الصدمة والمراجعة
ما إن نُطق بالحكم حتى اهتزّت أركان حزب الجمهوريين الذي مثّل يومًا قلعة اليمين الفرنسي.
بعضهم اعتبر ما حدث “تسييسًا للقضاء”، وآخرون رأوا فيه “عودةً أخلاقية للدولة”⁹.
لكن الحقيقة أبسط وأقسى في آنٍ واحد: لقد فُقدت المرجعية الأخلاقية التي لطالما استند إليها اليمين، فكيف يُقنع الشعب بمنظومة قيمٍ زعيمها في السجن؟
سيحتاج الحزب لسنواتٍ كي يُعيد بناء صورته، وربما يعيد معه فرنسا إلى حوارٍ أعمق حول معنى الشفافية والقدوة.
أوروبا وميلاد قانونٍ جديد للنزاهة
لم يكن الحكم شأنًا فرنسيًا محضًا؛ فالاتحاد الأوروبي، المتأهب أصلًا لتشديد ضوابط تمويل الحملات، وجد في القضية دافعًا قويًا للإصلاح.
في يونيو 2025، أقرت بروكسل تحديثًا لمنظومة تمويل الأحزاب الأوروبية، تمنع بموجبه التبرعات الأجنبية وتُلزم بالكشف الفوري عن المانحين، وتفرض فحصًا دقيقًا لمصادر التمويل عبر آليات العناية الواجبة السياسية¹⁰.
لقد بات واضحًا أن الفساد السياسي، كالإرهاب والتهريب، لا يعرف الحدود.
ومثلما سعت أوروبا إلى اتحادٍ اقتصادي وعسكري، فإنها اليوم تسعى إلى اتحادٍ في النزاهة.
فرنسا التي تُحاسب نفسها
من محكمة بيتان إلى زنزانة ساركوزي، تمضي فرنسا في خطٍّ واحدٍ نحو الحقيقة: لا أحد أكبر من الدولة.
فإذا كانت محاكمة بيتان قد أعادت تعريف “الوطنية” بعد الحرب، فإن محاكمة ساركوزي أعادت تعريف “النزاهة” في زمن الديمقراطية.
وفي الحالتين، كانت العدالة الفرنسية — بكل بطئها وتعقيدها — تمارس وظيفتها الأسمى: حماية الذاكرة الجماعية من النسيان، وحماية المستقبل من التكرار.
خاتمة: العدالة حين تتنفس
العدالة ليست انتقامًا، بل استعادةٌ لتوازنٍ اختلّ بين السلطة والضمير.
لقد وقف بيتان يومًا أمام التاريخ متهمًا بخيانة السلاح، ووقف ساركوزي بعده متهمًا بخيانة الثقة.
وكلاهما، رغم اختلاف العصور، واجه قاضيًا واحدًا اسمه “الضمير الفرنسي”.
تلك هي فرنسا التي تُعيد تعريف قوتها لا بعدد صواريخها، بل بقدرة ميزان عدالتها على أن يظل في وضع الاستواء.
الهوامش (بالعربية):
1. رويترز: «محكمة فرنسية تحكم بسجن نيكولا ساركوزي خمس سنوات في قضية تمويل حملته من ليبيا»، 25 سبتمبر 2025.
2. لوموند: «اليوم الذي أُدين فيه فيليب بيتان بالخيانة وحُكم عليه بالإعدام»، 15 أغسطس 1945.
3. الموسوعة البريطانية (بريتانيكا): «فيليب بيتان: بطل فردان وزعيم حكومة فيشي».
4. الغارديان: «إدانة نيكولا ساركوزي بتهمة التآمر الجنائي في محاكمة تمويل ليبيا»، 25 سبتمبر 2025.
5. الأرشيفات الوطنية الفرنسية: «محاضر المحكمة العليا الاستثنائية في قضية فيليب بيتان»، 1945.
6. لوموند ديبلوماتيك: «ذاكرة فيشي ومحاكمة بيتان»، عدد يوليو 1995.
7. فايننشال تايمز: «الحكم على نيكولا ساركوزي بالسجن خمس سنوات في قضية الفساد المرتبطة بليبيا»، 25 سبتمبر 2025.
8. وكالة الصحافة الفرنسية (AFP): «قضاة فرنسا يأمرون ببدء تنفيذ عقوبة ساركوزي رغم الاستئناف»، 21 أكتوبر 2025.
9. يورونيوز: «انقسام في اليمين الفرنسي مع بدء ساركوزي تنفيذ عقوبة السجن لخمس سنوات»، 22 أكتوبر 2025.
10. المفوضية الأوروبية: «إصلاح لائحة الأحزاب والمؤسّسات السياسية الأوروبية: تعزيز الشفافية ومنع التدخّل الأجنبي»، بروكسل، يونيو 2025.