سياسة

ترامب يعيد صياغة الجغرافيا بالنصوص: صفقة سلام أم تفويض جديد للقوة؟

April 26, 2026 admin لا توجد تعليقات

قراءة قانونية – سياسية في خطة إنهاء الحرب الأوكرانية

بقلم: د. وليد العزبي

هناك لحظات فارقة لا تتوقف فيها الحروب حين تصمت المدافع، بل حين يُعاد تشكيل العالم عبر نصوص أشد حسمًا من الرصاص. لحظات يصبح فيها توقيعٌ واحد أكثر خطرًا من عبور دبابة، وتغدو فيها القوة الواقعية هي المشرّع الأعلى الذي يملك حق تعديل الحدود، وتحديد معنى “السيادة” وفق منطق المنتصر لا وفق قواعد القانون الدولي.

وفي هذا السياق، تأتي خطة الرئيس الأمريكي الحالي دونالد ترامب لإنهاء الحرب الأوكرانية؛ خطة لا تدّعي الحياد ولا ترتدي قناع العدالة، بل تذهب مباشرة إلى صلب الفكرة:
السلام، حين يُفرَض، ليس سوى هدنة بين جرحين.


أولًا: سلام يولد من رحم الانكسار

خطة ترامب الجديدة ذات الـ28 بندًا تقوم على قاعدة صادمة بقدر ما هي واقعية:
ما حسمته القوة العسكرية يُثبَّت بالنصوص.

وعليه، تطلب الخطة من كييف التخلي رسميًا عن:
   •   شبه جزيرة القرم
   •   كامل أراضي دونيتسك ولوغانسك
   •   تجميد خطوط التماس الحالية في خرسون وزابوريجيا

هذا ليس اتفاق سلام، بل ترسيم قسري لحدود دولة بفعل الأمر الواقع، أو بتعبير القانون الدولي:
اعترافٌ بالإكراه يُشرعن المكاسب الإقليمية بالقوة.


ثانيًا: أوكرانيا… دولة بلا مظلة أمنية

جوهر الخطة يتمثل في نزع حلم الانضمام للناتو من الدستور الأوكراني.
مقابل ذلك، تُمنح كييف “ضمانات أمنية” قابلة للإلغاء والتجميد عند أول خلاف سياسي.

في أعراف القانون الدولي، هذا النوع يسمى:
التزامات قابلة للفسخ—أدوات تُقيد سيادة الدولة أكثر مما تحميها.

وبهذا تتحول أوكرانيا إلى:
كيان محدود السيادة، منزوع الخيارات الاستراتيجية، وممنوع من الحرب والتحالف والدفاع الذاتي الحر.


ثالثًا: المنطقة العازلة… أمن هش بجدار غير مرئي

تفرض الخطة منطقة منزوعة السلاح في أجزاء من دونيتسك مع منع نشر القوات الثقيلة في محيطات محددة.
لكن المناطق العازلة لا تُقام قانونًا إلا عبر:
   •   قرار من مجلس الأمن، أو
   •   اتفاق متكافئ بين الأطراف.

ما يقترحه ترامب مختلف جذريًا:
منطقة مفروضة على طرف مُنهك، وبضمانة طرف ثالث يملك حق تفسير شروطها.
إنها مساحة خوف مؤجّل لا مساحة استقرار.


رابعًا: الاقتصاد… حين يتحدث المال بلسان السياسة

تستخدم الخطة الأصول الروسية المجمّدة لتمويل إعادة الإعمار، ولكن عبر آلية أمريكية–أوروبية تحتفظ بحق توجيه جزء من الأموال لمشاريع مشتركة مع روسيا.

أي أن:
إعادة الإعمار تتحول من عملية تنموية إلى عملية توزيع نفوذ
بين واشنطن وموسكو، فوق أرض فقدت حقها في تقرير شكل اقتصادها القادم.


خامسًا: إسقاط دعاوى الحرب… محو الذاكرة القانونية

تُلزم الخطة أوكرانيا بالتنازل عن غالبية دعاواها ضد روسيا، بما فيها:
   •   جرائم الحرب
   •   القصف العشوائي
   •   التطهير العرقي
   •   الاعتداءات على المدنيين

هذا شطبٌ شامل للمسؤولية الدولية، وتحويل العدالة إلى ورقة مقايضة سياسية.

هكذا يصبح القانون الدولي:
كتابًا مفتوحًا لمن يمتلك سلطة إغلاقه.


سادسًا: أوروبا… الغائب الحاضر

تم إعداد الخطة دون استشارة حقيقية لأوروبا، رغم أنها صاحبة البيت المتآكل بالنيران.

فتعددت ردود الفعل:
   •   ألمانيا: ترى أنها خضوعٌ مغلّف لموسكو
   •   فرنسا: تخشى سابقة خطيرة لتعديل الحدود بالقوة
   •   بولندا والبلطيق: تعتبرها تهديدًا وجوديًا مباشرًا

إنها صفقة تُكتب بين واشنطن وموسكو، وتُطلب من أوروبا التصفيق بعد انتهاء العرض.


سابعًا: فرنسا… مقاومة منطق “السلام المفروض”

ردّ باريس يأتي عبر مؤتمر دولي جديد للدول الداعمة لأوكرانيا.
هدفه ليس فقط تعزيز الدعم العسكري، بل استعادة الدور الأوروبي قبل أن يتحول القارة إلى متفرج صامت.

وترتكز الاستراتيجية الفرنسية على ثلاثة محاور:
1. إعادة تماسك التحالف الأوروبي في مواجهة التفكك.
2. تثبيت رفض تعديل الحدود بالقوة حفاظًا على أمن أوروبا طويلًا.
3. طرح بديل حقيقي لسلام الإذعان يمنح كييف مساحة تفاوض لا أمراً بالتسليم.

إن مؤتمر باريس رسالة واضحة:
أوروبا لن تسمح بأن تُكتب نهايات الحرب فوق طاولات ليست طاولاتها.


ثامنًا: ترامب… رجل يعيد تعريف قواعد اللعبة

تحمل الخطة بصمة ترامب كاملة:
   •   تقديس الصفقات على حساب المؤسسات
   •   الإيمان بأن القوة هي التي تُنتج الاستقرار
   •   السلام يُفصَّل للقادة لا للشعوب
   •   وواشنطن قادرة على إعادة هندسة النظام العالمي منفردة

إنه يؤسس لمبدأ جديد:
السلام مقابل الاعتراف بواقع القوة.


تاسعًا: أوكرانيا… بين الموت البطيء والموت المؤجَّل

زيلينسكي مخيّر بين:
   •   سلامٍ مُجحف ينتقص السيادة، أو
   •   حربٍ بلا أفق تستنزف الاقتصاد وتُقلّص الدعم الأمريكي.

لا حل أخلاقيًا هنا، ولا سياسيًا، ولا إنسانيًا.


عاشرًا: هل هو سلام… أم تجميد مدروس للنيران؟

جوهر الخطة ليس إنهاء الحرب بل:
   •   تثبيت المكاسب الروسية
   •   تحويل أوكرانيا إلى دولة محايدة قسرًا
   •   تعميق النفوذ الأمريكي بعد الحرب
   •   وإعادة تشكيل الأمن الأوروبي بطريقة مُلغّمة بالتوترات المقبلة

إنه وقف لإطلاق النار، لا وقف للصراع.


الحادي عشر: الخلاصة… سلام يكتب التاريخ لكنه لا يكتب العدالة

قد تسكت الخطة أصوات المدافع، لكنها لا تُسكت ذاكرة الشعوب.
لن تُقنع الأوكراني الذي فقد بيته، ولن تُعيد رسم أوروبا بلا ندوب.

لكنها تكشف حقيقة كبرى:
الحروب لا تنتهي بانتصار الحق دائمًا، بل بانتصار من يملك القدرة على فرض سرديته.

وفي عالم يسبق فيه القرار السياسي النص القانوني، تبدو خطة ترامب درسًا في أن:
السلام ليس دائمًا الأقل قبحًا… بل الأكثر قابلية للتطبيق.

المقال التالي ← → المقال السابق