تاريخ

لماذا لا يتحد العرب؟ بقلم د. وليد العزبي

September 15, 2026 admin لا توجد تعليقات

يكاد يكون سؤال «لماذا لا يتحد العرب؟» من أكثر الأسئلة حضورًا في الوجدان العربي. فهو يعود إلى الواجهة مع كل أزمة أو حرب أو تحدٍ جديد، حتى أصبح سؤالًا يتجاوز السياسة إلى مراجعة عميقة لتاريخ أمة تمتلك من مقومات القوة ما يجعلها في مصاف الأمم الكبرى، لكنها ما زالت عاجزة عن تحويل هذه المقومات إلى مشروع تكامل حقيقي.

فالعرب يجتمعون على لغة واحدة، وتاريخ مشترك، وجغرافيا متصلة، وثروات هائلة، وموقع استراتيجي فريد، ومع ذلك ظل الانقسام هو السمة الغالبة على واقعهم السياسي.

وعند التأمل في صفحات التاريخ، يتبين أن الخطر الخارجي لم يكن في كثير من الأحيان هو السبب الأول في الضعف، وإنما كان الانقسام الداخلي هو البوابة التي دخلت منها القوى الأجنبية. فالأمم لا تُهزم من الخارج إلا بعد أن تتصدع جبهتها من الداخل.

ولعل الأندلس تقدم المثال الأبرز. فبعد سقوط الخلافة الأموية انقسمت البلاد إلى دويلات عُرفت بملوك الطوائف، ولم يكتف بعض أمرائها بالتنافس فيما بينهم، بل استعانوا بملوك قشتالة وليون ضد أمراء مسلمين آخرين طمعًا في تثبيت سلطان أو تحقيق مكسب سياسي مؤقت. ولم تمض سنوات حتى تحولت تلك القوى التي استُعين بها إلى القوة المهيمنة، فسقطت الإمارات الإسلامية الواحدة تلو الأخرى، وانتهى ذلك المسار التاريخي بسقوط الأندلس كلها.¹

وتكرر المشهد في عصر الحروب الصليبية؛ فقد حالت الانقسامات بين القوى الإسلامية دون مواجهة الخطر بصورة موحدة، بل شهدت بعض المراحل تحالفات وهدنًا بين بعض الأمراء والصليبيين ضد خصومهم المسلمين. غير أن ميزان القوى لم يتغير إلا عندما نجح عماد الدين زنكي، ثم نور الدين محمود، ثم صلاح الدين الأيوبي في توحيد جانب كبير من الجبهة الإسلامية، فكانت معركة حطين واستعادة القدس شاهدًا على أن وحدة الصف هي التي صنعت التحول الحقيقي.²

كما جاء سقوط بغداد سنة 656هـ في ظل واقع اتسم بالتفرق وضعف التنسيق بين القوى الإسلامية، قبل أن تثبت معركة عين جالوت بعد ذلك بعامين أن توحيد القيادة واجتماع الكلمة قادران على تغيير مجرى التاريخ، حتى في مواجهة قوة بدت آنذاك وكأنها لا تُقهر.³

ولا تعني هذه الوقائع أن كل علاقة أو تحالف مع قوة دولية هو أمر مرفوض؛ فالعلاقات الدولية تقوم على المصالح، ولكل دولة الحق في بناء شراكات تحقق أمنها وتنميتها. لكن التاريخ يفرق بين التحالف الندي الذي تفرضه القوة، وبين الاستعانة بالخارج لحسم الخلافات الداخلية؛ فالأول يعبر عن استقلال القرار، أما الثاني فكثيرًا ما يمنح القوى الأجنبية نفوذًا يتجاوز حدود التحالف المؤقت، لتكون الخسارة النهائية من نصيب الجميع.

ومن هنا، فإن السؤال الحقيقي ليس: لماذا تقيم الدول العربية علاقات مع القوى الكبرى؟ وإنما: لماذا عجزت حتى اليوم عن بناء منظومة عربية تجعل التعاون مع الخارج خيارًا نابعًا من القوة، لا بديلًا عن غيابها؟

والوحدة المنشودة لا تعني بالضرورة إقامة دولة واحدة أو إلغاء سيادة الدول، وإنما تبدأ بتكامل اقتصادي حقيقي، وتنسيق في السياسات الاستراتيجية، وتعاون في مجالات الأمن والطاقة والصناعة والبحث العلمي، بما يحفظ استقلال كل دولة ويعزز المصالح المشتركة.

لقد اتجه العالم إلى بناء التكتلات الكبرى، لأن الدول المنفردة أصبحت أقل قدرة على مواجهة التحديات الاقتصادية والتكنولوجية والأمنية. أما العالم العربي، فما زال يمتلك من الموارد والثروات والطاقات البشرية ما يؤهله ليكون أحد أهم مراكز القوة في العالم، إذا نجح في تحويل عناصر التشابه إلى عناصر تكامل.

إن الرسالة التي يقدمها التاريخ ليست دعوة إلى معاداة العالم أو الانغلاق عنه، وإنما إلى عدم تكرار أخطاء الماضي. فالقوى الكبرى تتغير أسماؤها عبر العصور، لكن منطقها يبقى واحدًا؛ تحكمه المصالح قبل كل شيء. أما حين يستعين أبناء الأمة بخصومها لترجيح كفة بعضهم على بعض، فإنهم يمنحون تلك القوى فرصة التدخل في تقرير مستقبلهم، تمامًا كما حدث في محطات عديدة من تاريخنا.

ويبقى السؤال مطروحًا: هل نتعلم من التاريخ، أم نعيد إنتاج أخطائه؟ وهل نبني قوتنا بأيدينا، أم نظل نبحث عنها في الخارج؟

فالأمم لا تبني مستقبلها بالأمنيات، وإنما بوحدة الهدف، وقوة الإرادة، والعمل المشترك. وما أحوج عالمنا العربي اليوم إلى أن يجعل من دروس تاريخه نقطة انطلاق لمستقبل أكثر تماسكًا واستقلالًا.

المراجع

  1. ابن الأثير، الكامل في التاريخ، دار الكتب العلمية.
  2. ابن كثير، البداية والنهاية، دار الفكر.
  3. ابن خلدون، كتاب العبر وديوان المبتدأ والخبر، دار الفكر
المقال التالي ← → المقال السابق