تاريخ

الإسكندرية… المدينة التي هزمت الزمن بقلم د. وليد العزبي

September 15, 2026 admin لا توجد تعليقات

قبل أكثر من ألفي عام، وقف شابٌ لم يتجاوز الثانية والثلاثين من عمره على شاطئٍ هادئ في شمال مصر. لم يكن أمامه سوى البحر، وقرية مصرية صغيرة تُدعى «راقودة»، وجزيرة تُسمى «فاروس» تقف كحارسٍ للمياه الزرقاء. لكن ما رآه ذلك الشاب لم يكن مجرد ساحل؛ لقد رأى مدينةً ستربط الشرق بالغرب، وتجعل من البحر المتوسط طريقًا للحضارة لا للملاحة وحدها.

كان ذلك الشاب هو الإسكندر الأكبر، وكانت تلك بداية الإسكندرية سنة 331 قبل الميلاد.¹

لم تُولد الإسكندرية كغيرها من المدن، بل وُلدت بفكرة. فالإسكندر لم يبحث عن مدينةٍ تحكم مصر فحسب، بل عن عاصمةٍ تستطيع أن تجمع العالم القديم في مكانٍ واحد؛ مدينةً تلتقي فيها التجارة بالعلم، والفلسفة بالسياسة، والبحر بالتاريخ.

ولم تمضِ سنوات حتى جاء البطالمة ليحوّلوا الحلم إلى واقع. لم يبنوا قصورًا وأسوارًا فقط، بل شيّدوا مشروعًا حضاريًا سبق عصره بقرون. ففي قلب المدينة أُقيم «الموسيون»، وهو مجمعٌ علمي ملكي يشبه الجامعات ومراكز الأبحاث الحديثة، حيث عاش العلماء، وأجروا أبحاثهم، وخاضوا مناظراتهم العلمية تحت رعاية الدولة. وإلى جواره ازدهرت مكتبة الإسكندرية، التي لم تكن مجرد مخزنٍ للكتب، بل كانت إعلانًا صريحًا بأن المعرفة هي أعظم قوة يمكن أن تمتلكها أمة.²

وتخيل للحظة أنك تدخل تلك المكتبة قبل أكثر من ألفي عام.

في إحدى القاعات يجلس فيلسوفٌ يوناني يناقش طبيبًا مصريًا، وعلى مقربةٍ منهما عالمٌ جاء من آسيا الصغرى يحمل مخطوطةً جديدة، بينما ينهمك النساخ في نسخ الكتب بلغاتٍ متعددة. كانت الأسئلة تُناقش بحرية، والأفكار تُختبر بالحجة، والعلم يُعامل بوصفه ثروةً لا تقل قيمةً عن الذهب.

بل إن المؤرخين يروون أن السفن التي كانت ترسو في ميناء الإسكندرية إذا حملت كتبًا أو مخطوطات، أُخذت إلى المكتبة لنسخها، حتى أصبحت المدينة تجمع معارف العالم القديم صفحةً بعد صفحة.²

وفي هذه المدينة لم يكن العلماء زائرين، بل كانوا جزءًا من روحها.

هنا ألّف إقليدس كتابه العناصر، الذي ظل المرجع الأول في الهندسة لأكثر من ألفي عام، ومن هنا استطاع إراتوستينس أن يقيس محيط الأرض اعتمادًا على ملاحظاتٍ علمية بسيطة ودقيقة، ليصل إلى نتيجةٍ أدهشت العالم، ولا تزال تُعد واحدةً من أعظم إنجازات العقل البشري في العصور القديمة.

ومن الإسكندرية خرجت أفكارٌ غيّرت العالم، لا جيوشٌ احتلته.

ولم تكتفِ المدينة بأن تكون منارةً للعلم، بل أرادت أن تكون منارةً للبحر أيضًا.

فارتفعت منارة فاروس شامخةً عند مدخل الميناء، حتى أصبحت إحدى عجائب الدنيا السبع في العالم القديم. كانت تُرى من مسافاتٍ بعيدة، فتهدي السفن إلى بر الأمان، وكأن المدينة أرادت أن تقول إن الضوء لا ينبغي أن يرشد البحّارة وحدهم، بل يجب أن يرشد العقول كذلك.¹

ولأن المدن العظيمة تجذب المجد كما تجذب الصراعات، تحولت الإسكندرية إلى مسرحٍ للأحداث التي صنعت تاريخ العالم القديم.

هنا مشت كليوباترا السابعة بين قصورها وهي تدرك أن مصير مملكتها يتوقف على قراراتٍ ستغيّر وجه التاريخ. وهنا التقى يوليوس قيصر ومارك أنطونيوس، لا بوصفهما قائدين عسكريين فحسب، بل باعتبارهما شخصيتين صنعتا واحدةً من أشهر الحكايات السياسية والإنسانية في التاريخ.

وكأن العالم القديم كله مرّ يومًا من شوارع الإسكندرية.

لكن الزمن لا يرحم حتى أعظم المدن.

تعرضت المكتبة لأضرارٍ متتابعة عبر قرونٍ من الحروب والاضطرابات، وضربت الزلازل سواحل المدينة، حتى غرقت أجزاءٌ من الميناء الملكي تحت مياه البحر، واختفت قصورٌ ومعابد كاملة في الأعماق. ومع ذلك، بقيت الإسكندرية واقفة.

وهنا تكمن المفارقة.

لقد احترقت مكتبتها، وسقطت منارتها، وغرقت آثارها، وتعاقبت عليها إمبراطوريات لا تُحصى، لكن اسم الإسكندرية ظل حيًا، بينما اندثرت أسماء مدنٍ كانت يومًا أكثر ثراءً وأقوى نفوذًا.

وعندما دخلها المسلمون بقيادة عمرو بن العاص سنة 641م، لم تنتهِ قصة المدينة، بل بدأت فصلًا جديدًا منها. فالإسكندرية لم تكن يومًا مدينةً تُلغي من سبقها، بل مدينةً تضيف إلى ذاكرتها طبقةً جديدة من الحضارة. المصري القديم، والإغريقي، والروماني، والقبطي، والعربي؛ جميعهم تركوا أثرًا في ملامحها، حتى أصبحت الإسكندرية كتابًا مفتوحًا كتبت كل أمةٍ فيه صفحة.

ولعل سر الإسكندرية الحقيقي لا يكمن في آثارها، ولا في بحرها، ولا في مكتبتها وحدها، بل في قدرتها العجيبة على مقاومة النسيان.

فهناك مدنٌ عظيمة بنت الجيوش، ومدنٌ أخرى راكمت الثروات، أما الإسكندرية فقد بنت العقول. ومن هذه المدينة قاس الإنسان حجم الأرض، لكنه لم يستطع أن يقيس حجم أثرها في التاريخ.

وربما لهذا السبب يعود الناس إليها مرةً بعد أخرى.

ليس فقط من أجل البحر، ولا من أجل كورنيشها، ولا حتى من أجل آثارها؛ بل لأنهم يشعرون، دون أن يدروا، أنهم يسيرون فوق طبقاتٍ متراكمة من الحضارات، وأن كل حجرٍ فيها يخفي حكاية، وكل موجةٍ تحمل صدى سفينةٍ جاءت يومًا من أقصى العالم.

الإسكندرية ليست مجرد مدينةٍ على البحر المتوسط، وليست مجرد عاصمةٍ قديمة دوّنت صفحاتٍ من التاريخ؛ إنها شاهدٌ حيٌّ على أن الحضارات قد تتعثر، وقد تنهار، وقد تغيب آثارها تحت الرمال أو في أعماق البحر، لكن الحضارة التي جعلت من المعرفة رسالتها لا تموت.

ولهذا، وبعد أكثر من ثلاثة وعشرين قرنًا على ميلادها، ما زالت الإسكندرية تُثبت أن الزمن قد يهزم البشر، لكنه يعجز عن هزيمة المدن التي علّمت العالم كيف يفكر.

الهوامش

¹ عبد العزيز صالح، تاريخ مصر في العصرين اليوناني والروماني، مكتبة الأنجلو المصرية.

² مصطفى العبادي، حياة مكتبة الإسكندرية القديمة، مكتبة الإسكندرية.

³ جمال حمدان، شخصية مصر: دراسة في عبقرية المكان، عالم الكتب.

المقال التالي ← → المقال السابق