تاريخ

قبل أن تعبر مصر القناة: كيف أُعدّت ملحمة السادس من أكتوبر؟ الجزء الأول: من هزيمة يونيو إلى إعادة بناء الدولة والجيش بقلم د. وليد العزبي

October 6, 2026 admin لا توجد تعليقات

لم تبدأ حرب السادس من أكتوبر عام ١٩٧٣ في الساعة الثانية ظهرًا يوم السادس من أكتوبر، ولم تبدأ عندما انطلقت الطائرات المصرية نحو أهدافها في سيناء، ولا عندما تدفقت موجات المشاة عبر قناة السويس.

الحقيقة أن حرب أكتوبر بدأت، بمعناها الاستراتيجي، منذ اللحظة التي انتهت فيها حرب يونيو ١٩٦٧.

فقد وجدت مصر نفسها أمام واحدة من أقسى الأزمات في تاريخها الحديث؛ احتُلت سيناء، وتعرضت القوات المسلحة لخسائر جسيمة، ووصل الجيش الإسرائيلي إلى الضفة الشرقية لقناة السويس، بينما ترسخت داخل إسرائيل وفي دوائر غربية واسعة قناعة بأن ميزان القوة قد حُسم لسنوات طويلة لمصلحتها.

ولم تكن الأزمة عسكرية فقط.

كانت هناك أزمة ثقة داخلية، وجرح عميق في هيبة الدولة، وضغوط اقتصادية هائلة، فضلًا عن ضرورة إعادة بناء جيش قادر على مواجهة خصم خرج من حرب يونيو وهو في ذروة ثقته بنفسه.

وهنا بدأت ملحمة الإعداد.

لم تتعامل مصر مع الهزيمة باعتبارها نهاية للصراع، وإنما بدأت مرحلة طويلة لإعادة بناء قدرتها العسكرية، ودراسة أسباب ما جرى، والاستعداد لجولة جديدة بشروط مختلفة.

إعادة بناء الجيش

كان المطلوب أولًا إعادة تنظيم القوات المسلحة، وتعويض الخسائر في الأسلحة والمعدات، وإعادة تدريب القوات، ورفع كفاءة الضباط، وتطوير نظم القيادة والسيطرة والاتصالات.

لكن إعادة البناء لم تكن مجرد الحصول على أسلحة جديدة.

كانت هناك حاجة إلى مراجعة عميقة للدروس التي كشفتها حرب يونيو، وتطوير أساليب القيادة والتدريب والتخطيط، وبناء جيش يعرف بدقة إمكاناته وحدود قدراته.

وكان هذا أحد أهم التحولات التي مهدت لأكتوبر.

فبدلًا من وضع أهداف عسكرية تتجاوز الإمكانات المتاحة، أصبح التفكير يقوم على تحديد هدف يمكن للقوات المسلحة تنفيذه، وفي الوقت نفسه يحقق أثرًا سياسيًا واستراتيجيًا يتجاوز مساحة الأرض التي يمكن استعادتها في المرحلة الأولى من القتال.

كما جرى تطوير مفهوم القتال المشترك، بحيث لم يعد النجاح مرهونًا بسلاح منفرد، وإنما بتكامل المشاة والمدفعية والمدرعات والمهندسين والدفاع الجوي والقوات الجوية داخل خطة واحدة مترابطة.

وكانت عملية إعادة البناء، بحسب ما تكشفه مذكرات قادة الحرب ووثائق التخطيط المصرية، عملية ممتدة شملت التنظيم والتسليح والتدريب والتخطيط واختبار الخطط قبل الوصول إلى قرار الحرب. [١]

حرب الاستنزاف: المدرسة التي سبقت أكتوبر

بعد حرب يونيو بدأت الاشتباكات على جبهة قناة السويس، ثم تصاعدت المواجهة تدريجيًا حتى دخلت مرحلة أكثر كثافة وتنظيمًا فيما عُرف بحرب الاستنزاف.

ولم تكن حرب الاستنزاف مجرد تبادل للقصف المدفعي.

كانت مدرسة قتال حقيقية.

تعلم الجنود والضباط العمل تحت النيران، ونُفذت عمليات عبور وإغارة، واكتسبت المدفعية خبرة واسعة في التعامل مع المواقع الإسرائيلية، كما جرى اختبار نظم القيادة والاتصالات والإمداد في ظروف قتالية فعلية.

والأهم أن القوات المسلحة بدأت تستعيد بالتدريج ثقتها بنفسها.

فالجيش الذي عبر قناة السويس في أكتوبر ١٩٧٣ لم يكن هو الجيش نفسه الذي واجه كارثة يونيو ١٩٦٧.

لقد مر بست سنوات من إعادة التنظيم والتدريب والقتال والتخطيط، وأصبح أكثر معرفة بقدراته وبطبيعة خصمه وبميدان المعركة الذي سيقاتل فوقه. [١]

حائط الصواريخ وتغيير قواعد المعركة

كانت إسرائيل تعتمد بدرجة كبيرة على تفوقها الجوي.

وأدركت القيادة المصرية أن أي محاولة لعبور قناة السويس دون حماية فعالة من الطيران الإسرائيلي يمكن أن تعرض القوات التي تعبر لخطر شديد.

ومن هنا اكتسب بناء شبكة الدفاع الجوي المصرية أهمية استثنائية.

وخلال حرب الاستنزاف جرى دفع وحدات الدفاع الجوي تدريجيًا إلى الأمام، وتشكيل منظومة متكاملة عُرفت باسم «حائط الصواريخ»، كان هدفها الحد من حرية عمل الطيران الإسرائيلي وخلق نطاق يمكن للقوات البرية المصرية أن تتحرك داخله تحت مظلة دفاع جوي قوية.

ولم تكن أهمية هذه المنظومة دفاعية فقط.

فالدفاع الجوي أصبح جزءًا من التفكير الهجومي نفسه.

وبدلًا من محاولة التفوق على إسرائيل جوًا فوق سيناء كلها، أمكن التخطيط لمعركة تستفيد فيها القوات المصرية من نطاق الحماية الذي توفره شبكة الدفاع الجوي.

وهنا ظهر مبدأ بالغ الأهمية:

لا تُخض المعركة التي يريدها خصمك، بل حاول أن تفرض عليه معركة تناسب إمكاناتك أنت.

وقد سجلت الوثائق المعاصرة للحرب مدى الأهمية التي اكتسبها تطور شبكة الدفاع الجوي المصرية، ومدى ما فرضته من قيود على حرية الطيران الإسرائيلي فوق الجبهة. [٢]

المهندس والجندي قبل الدبابة

لم تكن قناة السويس العقبة الوحيدة أمام القوات المصرية.

فعلى الضفة الشرقية كانت هناك التحصينات الإسرائيلية وخط بارليف والساتر الترابي المرتفع، فضلًا عن المواقع والنقاط الحصينة المنتشرة على امتداد القناة.

وكان على المخطط المصري أن يجيب عن أسئلة بالغة التعقيد:

كيف ستعبر عشرات الآلاف من الجنود خلال فترة زمنية قصيرة؟

كيف ستنتقل الدبابات والمدفعية والمعدات الثقيلة؟

كيف ستفتح الممرات في الساتر الترابي؟

وكيف ستُقام الكباري والمعديات تحت احتمال القصف والهجمات المضادة؟

وكيف يمكن حماية رؤوس الكباري حتى تستقر القوات شرق القناة؟

ولهذا تحولت السنوات السابقة للحرب إلى عملية تدريب هندسي وعسكري ضخمة.

أُجريت تدريبات متكررة على العبور، وتركيب الكباري، وتشغيل المعديات، ونقل المعدات، وفتح الثغرات في الساتر الترابي.

ومن بين الحلول التي أصبحت لاحقًا من أشهر ابتكارات الحرب استخدام مضخات المياه ذات الضغط العالي لإزاحة الرمال وفتح الممرات في الساتر الترابي، وهو ما أسهم في تسريع عملية فتح الثغرات أمام القوات والمعدات.

وهنا تظهر إحدى أهم حقائق السادس من أكتوبر:

لم تكن معركة العبور في بدايتها معركة دبابات بقدر ما كانت معركة تخطيط ومشاة ومهندسين ومدفعية، يعرف كل عنصر فيها مهمته وتوقيت تنفيذها.

الاقتصاد في خدمة المعركة

لم تكن مصر تستعد للحرب في ظروف اقتصادية مريحة.

فالبلاد كانت تتحمل آثار حرب ١٩٦٧، وفقدان موارد مهمة، إلى جانب تكاليف إعادة التسليح واستمرار حالة المواجهة العسكرية لسنوات.

ومع ذلك استمرت عملية إعادة بناء القوات المسلحة.

وهذا يعني أن إعداد أكتوبر لم يكن مشروعًا عسكريًا منعزلًا عن الدولة والمجتمع، وإنما كان جهدًا وطنيًا تحملت البلاد تكلفته على مدى سنوات.

جيش يعاد بناؤه.

واقتصاد يتحمل أعباء التسليح والاستعداد.

ومجتمع ينتظر اليوم الذي يمكن فيه تغيير النتائج التي فرضتها حرب يونيو.

من عبد الناصر إلى السادات

بدأت عملية إعادة بناء القوات المسلحة في عهد الرئيس جمال عبد الناصر، واستمرت بعد وفاته في سبتمبر ١٩٧٠ في عهد الرئيس أنور السادات.

ووجد السادات نفسه أمام معادلة بالغة الصعوبة.

كان استرداد الأرض هدفًا أساسيًا للدولة المصرية، لكن انتظار الوصول إلى توازن عسكري شامل مع إسرائيل كان يمكن أن يعني استمرار الاحتلال لسنوات طويلة.

كما أن الجمود السياسي الذي أعقب وقف إطلاق النار لم يكن يحقق لمصر استعادة أراضيها.

ومن هنا أخذت الحرب معنى يتجاوز مجرد الاستيلاء على مساحة من الأرض.

أصبح العمل العسكري وسيلة لتغيير الوضع الاستراتيجي القائم وفتح الطريق أمام حركة سياسية جديدة.

لم يكن المطلوب بالضرورة أن تحرر القوات المسلحة سيناء كلها في عملية عسكرية واحدة، وإنما أن تحقق إنجازًا عسكريًا كبيرًا يهدم الوضع الذي نشأ بعد ١٩٦٧، ويثبت أن استمرار الاحتلال لم يعد مضمونًا بالقوة العسكرية وحدها.

وهذه النقطة أساسية لفهم حرب أكتوبر.

فالحرب لم تكن منفصلة عن السياسة، بل جرى التفكير فيها باعتبارها أداة لتحقيق هدف سياسي واستراتيجي أكبر. [١]

لماذا لم يكن تحرير سيناء كلها هدف الضربة الأولى؟

من الأخطاء الشائعة في قراءة حرب أكتوبر النظر إلى نجاحها أو إخفاقها من خلال سؤال واحد: لماذا لم تتقدم القوات المصرية منذ البداية حتى الحدود الدولية؟

لكن التخطيط العسكري لا يقوم على الأمنيات، وإنما على علاقة الهدف بالإمكانات.

كانت القيادة المصرية تدرك أن التقدم العميق في سيناء سيجعل القوات تبتعد تدريجيًا عن النطاق الفعال لحماية الدفاع الجوي، بينما يزداد تأثير التفوق الجوي الإسرائيلي.

ولذلك استقر التصور العملياتي الذي نُفذ مع بداية الحرب على اقتحام القناة، وضرب المواقع والتحصينات الإسرائيلية، وإقامة رؤوس جسور قوية شرق القناة، والعمل داخل نطاق تستطيع القوات المصرية الدفاع عنه بدرجة فعالة. [١]

وقد يبدو هذا الهدف محدودًا إذا نُظر إليه منفصلًا عن ظروف تلك المرحلة.

لكنه كان بالغ الأهمية مقارنة بما استقر منذ عام ١٩٦٧.

فنجاح الجيش المصري في عبور قناة السويس، واقتحام التحصينات، وإقامة وجود عسكري قوي شرق القناة كان يعني انهيار واحدة من أهم المسلمات التي نشأت بعد حرب يونيو:

أن الجيش المصري غير قادر على تنفيذ عملية هجومية كبرى ناجحة ضد القوات الإسرائيلية في سيناء.

إعادة بناء الإنسان قبل الأرض

لكن السلاح والخطط وحدهما لم يكونا كافيين.

كانت هناك معركة أخرى لا تقل أهمية: إعادة بناء الروح المعنوية.

فبعد هزيمة يونيو كان من الضروري أن يستعيد الجندي المصري ثقته في نفسه وفي قيادته وفي قدرته على مواجهة الجيش الإسرائيلي.

وساهمت حرب الاستنزاف في ذلك بصورة كبيرة.

كما ساهم التدريب المتكرر على العبور في تحويل العملية من مهمة تبدو شبه مستحيلة إلى إجراءات يعرفها الجنود والضباط ويمارسونها مرارًا قبل ساعة الحرب.

وعندما جاء السادس من أكتوبر، لم يكن آلاف الجنود improvising أمام موقف لم يسبق لهم التعامل معه.

كانوا ينفذون خطة تدربوا على عناصرها مرات عديدة.

ولهذا كان الإعداد النفسي جزءًا من الإعداد العسكري نفسه.

ماذا كانت إسرائيل ترى؟

في الوقت الذي كانت مصر تعيد فيه بناء قواتها، ترسخ داخل قطاعات مؤثرة من المؤسسة العسكرية والاستخباراتية الإسرائيلية تصور محدد لطبيعة القرار المصري.

قام هذا التصور، في أحد أهم عناصره، على الاعتقاد بأن مصر لن تدخل حربًا شاملة قبل أن تمتلك قدرات جوية وهجومية معينة تمكنها من مواجهة التفوق الجوي الإسرائيلي وتهديد العمق الإسرائيلي.

وأصبح هذا التصور معروفًا بعد الحرب في الأدبيات الإسرائيلية باسم «المفهوم».

لم تكن المشكلة أن إسرائيل لم تكن تمتلك معلومات.

ففي الأيام السابقة للحرب ظهرت إشارات وتحركات وتحذيرات عديدة.

لكن الخطر كان في الطريقة التي فُسرت بها تلك المعلومات.

عندما يتحول التقدير الاستخباراتي من فرضية قابلة للمراجعة إلى قناعة ثابتة، يصبح من السهل تفسير المعلومات الجديدة بما يتفق مع الاعتقاد السابق بدلًا من السماح للمعلومات بتغيير ذلك الاعتقاد.

وهذا ما أصبح لاحقًا أحد الموضوعات الرئيسية التي تناولتها التحقيقات الإسرائيلية في أسباب المفاجأة، وعلى رأسها لجنة أجرانات التي تشكلت بعد الحرب للتحقيق في أوجه القصور التي سبقت اندلاعها. [٣]

وهنا يكمن أحد أهم دروس أكتوبر:

قد يمتلك الخصم معلومات كثيرة، ومع ذلك يفشل في رؤية الحقيقة إذا كان ينظر إليها من خلال تصور خاطئ.

وهكذا بدأت الملحمة قبل العبور

عندما وقف الجندي المصري على الضفة الغربية لقناة السويس في ظهر السادس من أكتوبر، كان وراءه ست سنوات كاملة من العمل.

وراءه إعادة بناء جيش.

وحرب استنزاف.

وحائط صواريخ.

وتدريب هندسي شاق.

وتطوير للعقيدة والخطط.

واقتصاد تحمل أعباء المواجهة.

ومجتمع عاش سنوات ينتظر لحظة تغيير نتائج يونيو.

وقيادة سياسية وصلت إلى قناعة بأن استمرار الجمود لم يعد مقبولًا.

وفي الجهة الأخرى كان هناك خصم يمتلك قوة عسكرية كبيرة، لكنه وقع في خطأ استراتيجي بالغ الخطورة:

بنى جزءًا مهمًا من تقديراته على ما اعتقد أن مصر ينبغي أن تفعله، وليس فقط على ما كانت تستعد بالفعل لفعله.

ولذلك يمكن القول إن أول انتصار في حرب أكتوبر تحقق قبل أن تُطلق الطلقة الأولى.

لم يكن انتصارًا عسكريًا بالمعنى التقليدي، وإنما نجاح مصر في إعادة بناء جيشها، وتحديد هدفها، واختبار قواتها، والاستعداد للحرب تحت أعين خصمها، بينما ظل هذا الخصم حتى الساعات الأخيرة أسيرًا لتصور مسبق جعله يرى كثيرًا من دلائل الحرب دون أن يمنحها معناها الصحيح إلا بعد أن أصبحت ساعة الصفر شديدة الاقتراب.

وهنا نصل إلى الفصل الأكثر إثارة في قصة الإعداد للحرب:

كيف استطاعت مصر أن تحشد قواتها وتستكمل استعداداتها، بينما تصل إلى إسرائيل في الوقت نفسه معلومات وتحذيرات متزايدة دون أن تتحول تلك التحذيرات إلى استعداد كامل للحرب في الوقت المناسب؟

وهذا هو موضوع الجزء الثاني:

الخداع الاستراتيجي الكبير — كيف أخفت مصر ساعة الصفر؟ وكيف تلقت إسرائيل التحذيرات ثم أخطأت في تفسيرها؟

⸻

المراجع

[١] الفريق سعد الدين الشاذلي، مذكرات حرب أكتوبر؛ وانظر كذلك الوثائق الرسمية الخاصة بالتخطيط الاستراتيجي لحرب أكتوبر المنشورة عن القوات المسلحة المصرية. (وزارة الدفاع)

[٢] الوثائق الدبلوماسية الأمريكية الخاصة بالصراع العربي الإسرائيلي خلال حرب الاستنزاف، وبصفة خاصة الوثائق التي تناولت تطور شبكة الدفاع الجوي المصرية وتحريك الصواريخ باتجاه جبهة قناة السويس. (Office of the Historian)

[٣] تقرير لجنة أجرانات للتحقيق في أوجه القصور التي سبقت حرب أكتوبر ١٩٧٣، وما ارتبط به من دراسات إسرائيلية لاحقة حول إخفاق التقدير الاستخباراتي و«المفهوم» الذي حكم تقديرات المخابرات الإسرائيلية قبل الحرب.

المقال التالي ← → المقال السابق