تاريخ

قبل أن تعبر مصر القناة: كيف أُعدّت ملحمة السادس من أكتوبر؟ الجزء الثاني: الخداع الاستراتيجي الكبير — كيف أخفت مصر ساعة الصفر؟ بقلم د. وليد العزبي

October 15, 2026 admin لا توجد تعليقات

إذا كان عبور قناة السويس هو المشهد الأكثر شهرة في حرب أكتوبر، فإن واحدًا من أهم نجاحات الحرب تحقق قبل العبور نفسه.

كان ذلك النجاح هو إخفاء النية الحقيقية حتى الساعات الأخيرة.

فالجيش المصري لم يكن يستطيع إخفاء وجود قواته على جبهة القناة.

الدبابات كانت موجودة.

والمدفعية كانت موجودة.

ومعدات العبور كانت تتحرك.

وفي الشمال كانت القوات السورية تحشد بدورها على جبهة الجولان.

ومع ذلك بقي السؤال داخل إسرائيل حتى الأيام والساعات الأخيرة:

هل هذه حرب فعلًا، أم مجرد استعداد عسكري ومناورة أخرى؟

وهنا تكمن حقيقة الخداع الاستراتيجي المصري.

لم يكن المطلوب إخفاء القوات… بل إخفاء النية

من الصعب للغاية إخفاء استعداد جيش كامل للحرب.

فالاستطلاع الجوي، والمراقبة العسكرية، وشبكات الاستخبارات، والرصد المباشر من الجانب الآخر من الجبهة، كلها تجعل إخفاء التحركات الكبرى أمرًا بالغ الصعوبة.

ولهذا لم يكن جوهر الخطة المصرية هو منع إسرائيل من رؤية القوات.

بل جعلها ترى القوات، ثم تفسر ما تراه تفسيرًا خاطئًا.

وهذه هي النقطة الفاصلة.

تحركات عسكرية يمكن تفسيرها باعتبارها تدريبًا.

معدات عبور تظهر في إطار مناورة.

وحدات تنتقل إلى مواقعها بينما تستمر إشارات أخرى توحي بأن الحياة تسير بصورة طبيعية، وأن الحرب ليست وشيكة.

وقد أصبحت المناورة المصرية المعروفة باسم «تحرير ٤١» غطاءً مهمًا لتحركات القوات والاستعدادات السابقة للحرب، حتى إن مصادر إسرائيلية لاحقة أشارت إلى أن بعض ضباط الاستخبارات حذروا بالفعل من احتمال أن تكون المناورة ستارًا لعملية حقيقية، لكن هذه التحذيرات لم تغير التقدير السائد. [١]

وهكذا لم يكن الخداع عبارة عن خبر كاذب واحد.

كان بيئة كاملة من الإشارات، بعضها صحيح، وبعضها مضلل، وكلها تدفع الخصم إلى النتيجة التي تريدها مصر:

أن يرى الاستعداد للحرب دون أن يوقن بأنها ستقع.

«المفهوم» الذي قيّد الاستخبارات الإسرائيلية

لكن الخداع المصري لم يكن ليحقق هذه النتيجة لولا وجود استعداد فكري داخل إسرائيل لقبوله.

فقد ترسخ داخل أجهزة الاستخبارات الإسرائيلية تصور استراتيجي أصبح يُعرف بعد الحرب باسم «المفهوم».

وقام هذا التصور، بصورة مبسطة، على أن مصر لن تبدأ حربًا واسعة قبل أن تمتلك قدرات جوية وهجومية معينة تمكنها من مواجهة التفوق الجوي الإسرائيلي بصورة أكبر، وأن سوريا لن تدخل حربًا شاملة منفردة دون مشاركة مصر.

وهكذا أصبحت الحرب، وفق هذا التصور، غير مرجحة طالما لم تتحقق الشروط التي افترض الإسرائيليون مسبقًا أنها ضرورية لوقوعها.

وهنا وقع الخطأ.

فمصر لم تخطط للحرب وفق الشروط التي اعتقد خصمها أنها يجب أن تتوافر.

لم تنتظر تحقيق تفوق جوي كامل.

بل بنت خطة تحاول تقليل أثر التفوق الجوي الإسرائيلي.

ولم تنتظر امتلاك القدرة على التقدم فورًا في عمق سيناء.

بل صممت عملية تناسب قدراتها الفعلية، وتعتمد على العبور، وإقامة رؤوس الجسور، والعمل في نطاق تستفيد فيه القوات البرية من مظلة الدفاع الجوي.

وبذلك كان أحد أهم أسباب المفاجأة أن الإسرائيليين انتظروا نوعًا معينًا من الحرب، بينما أعدت مصر حربًا مختلفة.

وبعد الحرب أصبحت هذه القضية في صميم تحقيقات لجنة أجرانات، التي خلصت إلى أن المعلومات المتوافرة لم تكن معدومة، وإنما وقع إخفاق أساسي في تحليلها نتيجة التمسك بهذا التصور المسبق. [١]

المعلومات كانت موجودة

وهذه ربما أهم نقطة لفهم ما حدث.

إسرائيل لم تكن عمياء.

والولايات المتحدة لم تكن غائبة تمامًا عما يجري.

كانت هناك معلومات عن الحشود السورية، وارتفاع درجات الاستعداد، وتحركات القوات المصرية، وتعزيزات الدفاع الجوي، وغير ذلك من المؤشرات.

وفي الثلاثين من سبتمبر ١٩٧٣ ناقشت أجهزة الخارجية الأمريكية بالفعل تقارير عن استعدادات سورية محتملة للهجوم.

لكن التقدير الأمريكي انتهى إلى أن الأدلة ليست حاسمة، وأن المناخ السياسي لا يرجح قيام سوريا بعملية عسكرية واسعة في ذلك التوقيت. [٢]

وفي إسرائيل نفسها جرى تفسير جانب من التحركات السورية على أنها ذات طابع دفاعي أو أنها رد محتمل على الاشتباكات الجوية التي وقعت في سبتمبر.

وهكذا لم تكن المشكلة غياب المؤشرات.

بل أن المؤشرات كانت تُدخل إلى منظومة تحليلية تميل أصلًا إلى استبعاد الحرب.

وهذا هو الفارق بين امتلاك المعلومات وبين فهم معناها.

عندما تتحول الإنذارات السابقة إلى عامل للخداع

كان هناك عامل نفسي آخر بالغ الأهمية.

ففي ربيع عام ١٩٧٣ وصلت معلومات عن احتمال اندلاع الحرب، ورفعت إسرائيل حالة الاستعداد في ما عرف لديها بحالة التأهب المرتفعة خلال الربيع.

لكن الحرب لم تقع آنذاك.

ثم انخفضت حالة الاستعداد بعد مرور الأشهر.

وهنا نشأت مشكلة معروفة في العمل الاستخباراتي:

كل إنذار لا يتحقق قد يجعل الإنذار التالي أقل تأثيرًا.

وبالتالي، عندما ظهرت حشود جديدة في الخريف، أصبح من الأسهل على بعض المحللين تفسيرها باعتبارها تكرارًا لنمط سبق أن انتهى دون حرب.

وفي هذا المعنى استفاد الخداع المصري من تجربة سابقة لم تؤد إلى القتال.

فالخصم أصبح أكثر استعدادًا لتصديق أن ما يراه مجرد استعداد آخر سينتهي كما انتهت الاستعدادات السابقة.

الملك حسين: ماذا كان يعرف؟

من أكثر القضايا التي أثير حولها الجدل قبل الحرب دور الملك حسين بن طلال.

فالمصادر المنشورة تؤكد وجود اتصالات سرية منتظمة بينه وبين القيادة الإسرائيلية قبل حرب أكتوبر، كما تؤكد أن الأردن كان يمتلك معلومات عن تحركات واستعدادات سورية، وأن الملك نقل في مناسبات مختلفة مخاوف تتعلق باحتمال العمل العسكري.

وتكشف وثائق أمريكية أن الملك كان قد نقل، منذ مايو ١٩٧٣، معلومات عن استعدادات سورية وخطط محتملة للتحرك العسكري. [٢]

لكن هنا يجب التمييز بين ثلاثة أمور مختلفة:

معلومة عن حشود عسكرية.

وتحذير من احتمال الحرب.

ومعرفة مؤكدة بموعد الهجوم وساعة الصفر.

ولا يوجد ما يسمح بالتعامل مع هذه الأمور باعتبارها شيئًا واحدًا.

ولهذا فإن القول إن الملك حسين «كشف خطة أكتوبر» بالكامل قبل الحرب سيكون تبسيطًا لا تدعمه الصورة التاريخية بكل تعقيداتها.

الأدق أن إسرائيل كانت تتلقى من قنوات متعددة معلومات وتحذيرات عن تصاعد الخطر، لكنها لم تحول هذه الإشارات إلى تقدير نهائي بأن حربًا مصرية سورية شاملة ستبدأ في السادس من أكتوبر إلا في وقت متأخر للغاية.

إشارات يصعب تجاهلها

وقبل الحرب بيومين تقريبًا ظهر مؤشر كان ينبغي أن يكون بالغ الخطورة.

ففي ليلة الرابع إلى الخامس من أكتوبر بدأت عملية إجلاء عاجل لعائلات عدد من الخبراء والمستشارين السوفييت من مصر وسوريا.

وكانت الحركة غير عادية.

وقد رصدتها الاستخبارات الإسرائيلية بالفعل.

وتكشف المصادر العسكرية الإسرائيلية المنشورة لاحقًا أن هذه الإشارة أثارت عدة تفسيرات، من بينها احتمال أن يكون الاتحاد السوفييتي قد علم بقرب اندلاع الحرب.

ومع ذلك ظل التقدير السائد داخل الاستخبارات الإسرائيلية أن احتمال الحرب منخفض. [١]

وهنا تظهر قوة «المفهوم» مرة أخرى.

فحتى الإشارة التي تبدو في ظاهرها شديدة الخطورة يمكن تحييدها إذا كان المحلل مقتنعًا مسبقًا بأن الحرب لن تقع.

أشرف مروان: الملف الأكثر جدلًا

ثم نصل إلى أكثر الأسماء إثارة للجدل في قصة الإنذار الإسرائيلي:

أشرف مروان.

فالرواية الإسرائيلية التي أصبحت معروفة بعد الحرب تعتبره أحد أهم مصادر الموساد، وتنسب إليه تقديم تحذير بالغ الأهمية قبيل اندلاع القتال.

في المقابل، ظهرت روايات مصرية وكتابات عديدة ترى احتمال أن يكون مروان جزءًا من عملية خداع مصرية أوسع، أو أنه عمل بطريقة تسمح بتضليل إسرائيل حتى وهو يقدم معلومات صحيحة في بعض الأحيان.

ولا يزال هذا الملف من أكثر ملفات الحرب إثارة للنزاع بين المؤرخين والباحثين في تاريخ الاستخبارات.

ولهذا لا يصح تقديم أي من الروايتين باعتبارها حقيقة نهائية محسومة.

لكن الأهم في سياق حرب أكتوبر ليس فقط السؤال:

هل حذر مروان إسرائيل؟

بل السؤال الأعمق:

إذا كانت إسرائيل تلقت في الساعات الأخيرة إنذارًا قويًا بالفعل، فلماذا بقي عنصر المفاجأة قائمًا؟

والإجابة تكمن في أن الإنذار جاء بعد فترة طويلة من التقدير الخاطئ، وبعد أن ظلت فكرة الحرب نفسها مستبعدة حتى مرحلة متأخرة للغاية.

فلا تكفي المعلومة الصحيحة إذا وصلت بعد أن استهلكت المؤسسة وقتًا طويلًا في رفض الاحتمال الذي تشير إليه.

صباح السادس من أكتوبر: الحقيقة تظهر أخيرًا

مع فجر السادس من أكتوبر تغيرت الصورة جذريًا.

أبلغت القيادة الإسرائيلية الولايات المتحدة بأنها أصبحت تتعامل مع معلومات تفيد بأن هجومًا مصريًا سوريًا منسقًا سيقع في ذلك اليوم.

وتكشف الوثائق الأمريكية أن جولدا مائير أبلغت الجانب الأمريكي بأن إسرائيل حصلت على معلومات من مصادر تعتبرها موثوقة للغاية تفيد بأن مصر وسوريا تستعدان للهجوم خلال ساعات. [٢]

لكن حتى عندما أدركت إسرائيل أخيرًا أن الحرب أصبحت وشيكة، بقي خطأ آخر.

فالتقدير الإسرائيلي توقع أن يبدأ الهجوم في وقت متأخر من اليوم.

بينما بدأت الحرب في نحو الساعة الثانية ظهرًا.

وقد سجل هنري كيسنجر لاحقًا أن نجاح مصر وسوريا في إخفاء الاستعدادات كان كبيرًا إلى درجة أن الإسرائيليين، حتى بعد اقتناعهم بأن الهجوم سيقع في ذلك اليوم، كانوا يتوقعونه بعد الموعد الحقيقي بعدة ساعات. [٢]

وهكذا لم تكن المفاجأة متعلقة بقرار الحرب فقط.

بل شملت توقيت التنفيذ أيضًا.

لماذا لم تضرب إسرائيل أولًا؟

مع اقتناع القيادة الإسرائيلية صباح السادس من أكتوبر بأن الحرب أصبحت قريبة، ظهر سؤال شديد الخطورة:

هل توجه إسرائيل ضربة استباقية كما فعلت في يونيو ١٩٦٧؟

لكن الظروف السياسية كانت مختلفة.

فإسرائيل كانت حريصة على ألا تظهر أمام الولايات المتحدة باعتبارها الطرف الذي بدأ الحرب.

وفي الساعات السابقة للقتال، طلبت واشنطن من إسرائيل صراحة عدم توجيه الضربة الأولى.

وتكشف محادثات هنري كيسنجر صباح السادس من أكتوبر أنه أبلغ الأطراف المعنية بأن الولايات المتحدة طلبت من إسرائيل عدم بدء الأعمال العسكرية، كما حصل على تأكيد إسرائيلي بأنها لن تبدأ الهجوم. [٢]

وهذا عامل مهم في فهم الساعات الأخيرة.

فالمعركة لم تكن عسكرية فقط.

كان هناك حساب سياسي يتعلق بمن سيظهر أمام العالم باعتباره الطرف الذي بدأ الحرب.

وفي النهاية اختارت إسرائيل التعبئة والاستعداد دون تنفيذ ضربة جوية استباقية واسعة قبل الهجوم المصري السوري.

حتى الولايات المتحدة أخطأت في التقدير

ولعل أحد أقوى الأدلة على نجاح المفاجأة أن إسرائيل لم تكن وحدها التي أخطأت في قراءة المشهد.

فالولايات المتحدة، بما تمتلكه من أجهزة استخبارات وعلاقات وثيقة بإسرائيل، لم تصل بدورها إلى تقدير صحيح للحرب في الوقت المناسب.

وقد خلص تقييم أمريكي رسمي لاحق إلى أن الاعتقاد بتفوق إسرائيل العسكري لعب دورًا في الخطأ.

كان هناك تصور أن العرب يدركون أن ميزان القوى ليس في صالحهم، وبالتالي فإن قرارهم بالذهاب إلى الحرب سيكون غير منطقي.

ومن ثم جرى تفسير خطوات السادات السياسية باعتبارها دليلًا على أنه سيواصل البحث عن وسائل أخرى غير الحرب. [٢]

لكن هذا التحليل تجاهل شيئًا جوهريًا:

السادات لم يكن مطالبًا بتحقيق نصر شامل على إسرائيل حتى يحقق هدفه السياسي.

كان يحتاج إلى عملية عسكرية ناجحة تكسر الجمود وتفرض واقعًا جديدًا.

وهنا اختلف الحساب المصري عن الحساب الإسرائيلي والأمريكي.

الساعة الثانية: سقوط الفرضيات

وعندما جاءت الساعة الثانية تقريبًا من ظهر السادس من أكتوبر، سقطت كل الفرضيات دفعة واحدة.

انطلقت الضربة الجوية المصرية.

وبدأت المدفعية قصفها الكثيف.

وتدفقت موجات المشاة عبر قناة السويس.

وفي الوقت نفسه بدأت القوات السورية هجومها في الجولان.

وخلال دقائق تحول ما اعتُبر تدريبًا واستعدادًا إلى حرب حقيقية.

وهنا ظهر أن الخداع لم يكن مجرد عمل استخباراتي مساعد.

كان جزءًا من الخطة العسكرية نفسها.

لأن كل ساعة تأخر فيها الخصم عن الوصول إلى التقدير الصحيح تعني وقتًا إضافيًا للقوات المصرية والسورية لتنفيذ مرحلة الهجوم الأولى قبل اكتمال التعبئة الإسرائيلية.

ماذا قالت إسرائيل بعد الحرب؟

بعد انتهاء الحرب لم تستطع إسرائيل التعامل مع ما حدث باعتباره مجرد خطأ عابر.

ففي نوفمبر ١٩٧٣ شُكلت لجنة تحقيق رسمية برئاسة رئيس المحكمة العليا شمعون أجرانات للتحقيق في الظروف التي سبقت الحرب ومدى جاهزية القوات المسلحة وطريقة تعامل أجهزة الاستخبارات مع المعلومات المتوافرة.

وكان أحد أهم محاور التحقيق السؤال الآتي:

كيف امتلكت إسرائيل معلومات عديدة، ومع ذلك فوجئت بالحرب؟

وخلصت اللجنة إلى وجود أخطاء جسيمة في تقدير الاستخبارات، وإلى أن التمسك بـ«المفهوم» لعب دورًا مهمًا في سوء تفسير المعلومات المتاحة قبل الحرب. [٣]

وأحدث تقرير اللجنة هزة سياسية وعسكرية واسعة داخل إسرائيل.

فاستقال رئيس الأركان دافيد إليعازر من منصبه على خلفية توصياتها، وحدثت تغييرات واسعة داخل المؤسسة العسكرية والاستخباراتية.

كما جاءت استقالة حكومة جولدا مائير في أبريل ١٩٧٤ في مناخ سياسي وشعبي تأثر بشدة بنتائج الحرب وبالجدل الذي أثاره تقرير اللجنة وتحميله القسم الأكبر من المسؤولية للقيادة العسكرية. [٣]

وهكذا تحولت مفاجأة السادس من أكتوبر إلى أزمة داخلية إسرائيلية امتدت آثارها إلى ما بعد توقف القتال.

الخداع الحقيقي كان في عقل الخصم

من السهل اختزال الخداع في نشر معلومات كاذبة.

لكن ما حدث قبل السادس من أكتوبر كان أعمق من ذلك.

فمصر لم تكن في حاجة إلى إقناع إسرائيل بأنه لا توجد قوات على القناة.

القوات كانت أمامها بالفعل.

ولم تكن في حاجة إلى إقناعها بأنه لا توجد معدات عبور.

جزء من هذه المعدات كان يمكن رصده.

المطلوب كان شيئًا مختلفًا:

أن ترى إسرائيل كل ذلك ثم تقول لنفسها:

هذه ليست حربًا.

وقد حدث ذلك لأن الخداع المصري التقى مع خطأ إسرائيلي قائم بالفعل.

كان الإسرائيليون ينتظرون أن تحارب مصر وفق الشروط التي وضعوها هم.

لكن مصر غيرت شروط المسألة.

وبنت خطة تتلاءم مع قدراتها الفعلية.

ثم تركت خصمها يقيس هذه الخطة بمقاييسه القديمة.

وهنا تظهر واحدة من أهم قواعد المفاجأة الاستراتيجية:

ليس من الضروري دائمًا أن تخفي عن خصمك الحقيقة؛ أحيانًا يكفي أن تجعله ينظر إليها ولا يصدقها.

ولهذا بقي السادس من أكتوبر واحدًا من أبرز الأمثلة التاريخية على العلاقة بين الخداع العسكري وفشل التقدير الاستخباراتي.

فالمعلومة الصحيحة لا تضمن القرار الصحيح.

والقوة الاستخباراتية لا تمنع المفاجأة إذا أصبحت المؤسسة أسيرة لفكرة لا تريد مراجعتها.

وعندما بدأت المدفعية المصرية في الثانية ظهرًا، لم يكن الذي انهار على الضفة الشرقية للقناة مجرد اعتقاد بأن المناورة ستنتهي دون حرب.

كان الذي انهار أيضًا تصور استراتيجي كامل حكم قراءة إسرائيل للمشهد طوال الشهور السابقة.

وفي الجزء الثالث: العرب في المعركة — من قاتل إلى جانب مصر وسوريا؟ ومن أرسل الطائرات والدبابات والجنود؟ وكيف تحول النفط إلى سلاح جعل حرب أكتوبر أزمة دولية؟

⸻

المراجع

[١] أرشيف الجيش ووزارة الدفاع الإسرائيلية، وثائق حرب أكتوبر وشهادات ودراسات الاستخبارات الإسرائيلية عن الفترة السابقة للحرب، والمناورة المصرية «تحرير ٤١»، وإجلاء عائلات المستشارين السوفييت.

[٢] وزارة الخارجية الأمريكية، العلاقات الخارجية للولايات المتحدة، ١٩٦٩–١٩٧٦، المجلد الخامس والعشرون: الأزمة والحرب العربية الإسرائيلية عام ١٩٧٣، وبصفة خاصة وثائق أواخر سبتمبر وصباح السادس من أكتوبر المتعلقة بالتقديرات الاستخباراتية والاتصالات بين واشنطن وإسرائيل ومصر.

[٣] أرشيف الجيش ووزارة الدفاع الإسرائيلية، تقرير لجنة أجرانات للتحقيق في الاستعدادات والمعلومات والتقديرات التي سبقت حرب أكتوبر ١٩٧٣، والوثائق المنشورة المتعلقة بنتائج اللجنة وتداعياتها السياسية والعسكرية.

المقال التالي ← → المقال السابق