تاريخ

قبل أن تعبر مصر القناة: كيف أُعدّت ملحمة السادس من أكتوبر؟ الجزء الخامس: من قمة النجاح إلى الثغرة — كيف تغير ميزان المعركة؟ بقلم د. وليد العزبي

October 15, 2026 admin لا توجد تعليقات

إذا كانت الأيام الأولى من حرب أكتوبر قد أظهرت أفضل ما في الخطة المصرية، فإن النصف الثاني من الحرب كشف الوجه الآخر للحروب الكبرى.

فالنجاح العسكري لا يبقى ثابتًا.

والخصم يتعلم.

والاحتياطيات تصل.

والظروف السياسية تضغط على القرار العسكري.

والخطة التي تنجح في مرحلة قد تصبح أقل ملاءمة إذا تغيرت ظروف المعركة.

ومن هنا انتقلت حرب أكتوبر من مرحلة كانت فيها القوات المصرية تفرض إيقاعًا ناجحًا على جبهة القناة، إلى مرحلة بدأت فيها إسرائيل تستعيد قدرتها على المبادرة.

ولفهم ما عُرف لاحقًا باسم «الثغرة»، لا بد أولًا من العودة إلى السؤال الذي سبقها:

ماذا حدث بعد نجاح العبور؟

الخطة الأصلية نجحت

كان جوهر المرحلة الأولى من الخطة المصرية واضحًا:

عبور قناة السويس.

تدمير أو تجاوز الدفاعات الأمامية الإسرائيلية.

إقامة رؤوس جسور قوية شرق القناة.

البقاء في نطاق تستطيع شبكة الدفاع الجوي المصرية توفير حماية مؤثرة داخله.

ثم إجبار القوات الإسرائيلية على مهاجمة مواقع مصرية معدة جيدًا، ومحمية بكثافة من الأسلحة المضادة للدبابات.

ونجح هذا التصور بدرجة كبيرة في الأيام الأولى.

فقد استقرت قوات الجيشين الثاني والثالث شرق القناة، واتسعت رؤوس الجسور، وفشلت الهجمات المدرعة الإسرائيلية الأولى في إعادة القوات المصرية إلى الضفة الغربية.

وبحلول العاشر من أكتوبر كانت حتى تقديرات الاستخبارات الأمريكية تشير إلى أن إسرائيل اضطرت عمليًا إلى التخلي عن خط بارليف، وأنها لم تستطع منع المصريين من إعادة تشغيل الكباري واستمرار تعزيز القوات الموجودة شرق القناة. [١]

وكان أحد أهم أسباب نجاح هذه المرحلة أن القوات المصرية خاضت المعركة في ظروف اختارتها إلى حد كبير بنفسها.

المشاة في مواقع دفاعية قوية.

والأسلحة المضادة للدبابات منتشرة بكثافة.

والدفاع الجوي يحد من حرية الطيران الإسرائيلي.

والمدرعات الإسرائيلية هي التي تضطر إلى التقدم نحو القوات المصرية.

لكن هذه المعادلة لم تستمر على صورتها الأولى.

سوريا تضغط… والحرب لا تُدار على جبهة واحدة

على الجبهة الشمالية كانت إسرائيل قد امتصت بدورها صدمة السادس من أكتوبر.

وبعد تعبئة قوات الاحتياط بدأت هجومًا مضادًا على الجبهة السورية، واستعادت معظم ما فقدته في الجولان، ثم تقدمت إلى ما وراء خط وقف إطلاق النار السابق في اتجاه الأراضي السورية.

وأصبح الضغط على دمشق شديدًا.

ومن هنا ظهر سؤال بالغ الحساسية أمام القيادة المصرية:

هل تستمر القوات في التمسك بالمواقع التي حققت فيها نجاحًا واضحًا، أم تتحرك شرقًا لتخفيف الضغط عن سوريا وإجبار إسرائيل على إعادة توجيه جزء من قواتها إلى سيناء؟

وكان هذا موضع خلاف داخل القيادة المصرية.

فالتحرك شرقًا يعني مغادرة جزء من القوات للمناطق التي تستفيد فيها بصورة أكبر من مظلة الدفاع الجوي والتحصينات والأسلحة المضادة للدبابات.

في المقابل، كانت هناك اعتبارات عربية واستراتيجية تتعلق بتطور الموقف السوري واستمرار الحرب على جبهتين مترابطتين.

وفي النهاية صدر القرار بتطوير الهجوم شرقًا.

وكان الموعد:

١٤ أكتوبر.

١٤ أكتوبر: اللحظة التي تغيرت فيها شروط القتال

في صباح الرابع عشر من أكتوبر تحركت تشكيلات مصرية مدرعة وميكانيكية شرقًا على عدة محاور.

لكن ظروف المعركة لم تعد هي ظروف السادس من أكتوبر.

عنصر المفاجأة انتهى.

والاحتياطيات الإسرائيلية أصبحت في الميدان.

والقيادة الإسرائيلية استعادت قدرًا كبيرًا من السيطرة.

والمدرعات المصرية التي خرجت إلى مناطق أكثر انفتاحًا لم تعد تقاتل في البيئة نفسها التي منحت القوات المصرية أفضلية خلال الأيام الأولى.

كما أن الابتعاد شرقًا كان يعني تراجع فاعلية الحماية التي توفرها شبكة الدفاع الجوي للقوات المتقدمة.

وكانت النتيجة أن الهجوم لم يحقق أهدافه، وتعرضت القوات المدرعة المصرية لخسائر كبيرة.

وتشير التقديرات الأمريكية المعاصرة إلى أن الهجوم المصري في الرابع عشر من أكتوبر جرى احتواؤه سريعًا، وأن إسرائيل بدأت بعده تركيز قدر أكبر من اهتمامها على الجبهة المصرية. [١]

وهنا وقعت نقطة التحول.

فحتى ذلك اليوم كانت إسرائيل تبحث أساسًا عن كيفية إزالة رؤوس الجسور المصرية.

أما بعد صد الهجوم المصري، فقد بدأت تفكر بصورة أكثر جدية في كيفية الانتقال من الدفاع إلى الهجوم.

من صد الهجوم إلى البحث عن ثغرة

بعد الرابع عشر من أكتوبر أصبح لدى القيادة الإسرائيلية مجال أكبر للمبادرة.

وكانت هناك منذ بداية الحرب منطقة حساسة في المسافة الواقعة بين نطاقي الجيشين الثاني والثالث المصريين، قرب البحيرات المرة والدفرسوار.

وفي هذه المنطقة رأت القيادة الإسرائيلية فرصة لعبور قناة السويس في الاتجاه المعاكس.

أي من الشرق إلى الغرب.

لكن الوصول إلى موقع العبور لم يكن أمرًا بسيطًا.

فالمنطقة المحيطة بالمزرعة الصينية ومحاور الطرق المؤدية إلى القناة كانت تضم قوات مصرية قوية، وأصبح تأمين الممر إلى موقع العبور شرطًا أساسيًا لإمكان استمرار العملية الإسرائيلية.

وفي ليلة الخامس عشر إلى السادس عشر من أكتوبر بدأت القوات الإسرائيلية تنفيذ عملية العبور.

وفي البداية عبرت قوات محدودة، بينها مظليون ودبابات، إلى الضفة الغربية.

وفي السادس عشر من أكتوبر سجلت وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية أن إسرائيل أعلنت وجود قوة لها غرب القناة عند منطقة الدفرسوار، وأن القاهرة أقرت بوقوع قتال شديد في المنطقة. [١]

ومن هنا بدأت المرحلة التي عُرفت في الذاكرة المصرية باسم:

الثغرة.

ما المقصود بالثغرة؟

أحيانًا تُستخدم كلمة «الثغرة» بطريقة توحي بأن الجيش الإسرائيلي اخترق الجبهة المصرية كلها، وأن القوات المصرية الموجودة شرق القناة انهارت أو عادت إلى الغرب.

وهذا غير صحيح.

ما حدث كان أكثر تعقيدًا.

نجحت قوة إسرائيلية في العبور إلى الضفة الغربية في منطقة بين الجيشين الثاني والثالث.

ثم سعت إسرائيل إلى تثبيت هذا المعبر وتوسيعه، وإدخال مزيد من المدرعات والقوات إلى الغرب.

وفي الوقت نفسه بقيت الكتلة الرئيسية للقوات المصرية التي عبرت منذ السادس من أكتوبر موجودة شرق القناة.

وهكذا أصبح المشهد العسكري غير مألوف:

قوات مصرية كبيرة شرق القناة، وقوات إسرائيلية تتوسع غربها.

لم تعد هناك جبهة بسيطة يمكن رسمها بخط واحد على الخريطة.

بل أصبحت القوات متداخلة على جانبي القناة.

المزرعة الصينية: الطريق إلى المعبر

كانت منطقة «المزرعة الصينية» من أعنف ميادين القتال في المرحلة الأخيرة من الحرب.

ولم تكن أهميتها نابعة من اسمها أو موقعها وحده، وإنما من قربها من الطرق والمحاور التي احتاجتها القوات الإسرائيلية للوصول إلى موقع العبور والحفاظ على الاتصال بالقوات التي انتقلت إلى غرب القناة.

ولهذا اندلعت معارك عنيفة جدًا في المنطقة.

القوات المصرية حاولت منع إسرائيل من تأمين الممر.

والقوات الإسرائيلية كانت تعرف أن استمرار وجودها غرب القناة يعتمد على بقاء خطوط الحركة إلى المعبر مفتوحة.

وتصف الدراسات العسكرية الأمريكية المعارك حول «المزرعة الصينية» بأنها قتال شديد التعقيد وكثيف الخسائر، حتى إن بعض الوحدات الإسرائيلية تكبدت خسائر كبيرة وهي تحاول فتح الطرق اللازمة لمرور معدات الكباري. [٢]

وهذا يوضح أن العبور الإسرائيلي لم يكن عملية سهلة أو مضمونة منذ بدايتها.

كانت هناك فترة أصبح فيها موطئ القدم الإسرائيلي غرب القناة هشًا، وكان نجاح العملية كلها مرتبطًا بالقدرة على توسيعه وتأمين الطريق إليه.

من موطئ قدم إلى اختراق خطير

مع مرور الوقت نجحت إسرائيل في نقل مزيد من القوات إلى غرب القناة.

ثم بدأت قواتها تتحرك شمالًا وجنوبًا.

وكان أحد أهدافها المهمة ضرب مواقع الدفاع الجوي المصرية الموجودة غرب القناة، لأن تدمير هذه المواقع يفتح للطيران الإسرائيلي مجالًا أوسع للعمل.

كما بدأت القوات الإسرائيلية في تهديد طرق الإمداد والاتصالات المؤدية إلى القوات المصرية الموجودة في القطاع الجنوبي.

وهنا تحولت عملية العبور من مجرد موطئ قدم محدود إلى مشكلة عملياتية خطيرة للقيادة المصرية.

فالثغرة لم تكن خطيرة لمجرد أن دبابات إسرائيلية أصبحت غرب القناة.

الخطر الحقيقي كان في قدرة هذه القوات على التوسع وقطع طرق الحركة والإمداد.

وبمرور الأيام أصبحت المشكلة الأكثر إلحاحًا مرتبطة بالجيش الثالث.

هل حُوصر الجيش الثالث؟

الإجابة تحتاج إلى الدقة نفسها التي نحتاجها عند الحديث عن الثغرة كلها.

في الأيام الأخيرة من الحرب تمكنت القوات الإسرائيلية غرب القناة من الوصول إلى مناطق جنوبية قطعت أو سيطرت على طرق رئيسية كانت تصل إلى الجيش الثالث الموجود شرق القناة.

وأصبح الجيش الثالث في وضع لوجستي بالغ الصعوبة.

كانت قواته ما زالت موجودة في مواقعها.

وكانت مسلحة.

ولم تستسلم.

لكن استمرارها في القتال لفترة طويلة كان يحتاج إلى إمدادات من الطعام والمياه والدواء والذخيرة والوقود.

ومع قطع طرق الإمداد الرئيسية أصبح هذا الوضع مصدر ضغط عسكري وسياسي بالغ الخطورة.

وتكشف الوثائق الأمريكية بعد وقف إطلاق النار أن قضية إيصال المواد غير العسكرية إلى الجيش الثالث أصبحت من أول الملفات التي نوقشت بين القاهرة وواشنطن وتل أبيب، وأن كيسنجر تدخل شخصيًا لضمان مرور قوافل الإمداد إليه. [٣]

لذلك فإن القول إن الجيش الثالث لم يكن في أزمة غير صحيح.

والقول في المقابل إنه كان قد دُمر أو استسلم غير صحيح أيضًا.

الأدق أنه أصبح محاصرًا لوجستيًا في وضع عسكري شديد الخطورة، بينما بقيت قواته في مواقعها شرق القناة.

ومصر بقيت شرق القناة

وهذه النقطة ضرورية لفهم نهاية الحرب.

فنجاح إسرائيل في عبور القناة غربًا لم يُلغِ ما تحقق في السادس من أكتوبر.

القوات المصرية لم تعد كلها إلى غرب القناة.

ولم تستطع إسرائيل إعادة الوضع العسكري إلى ما كان عليه في صباح السادس من أكتوبر.

بقيت أجزاء رئيسية من الجيشين الثاني والثالث شرق القناة.

وظل الوجود المصري في سيناء حقيقة عسكرية قائمة عند وقف إطلاق النار.

ولهذا، عندما بدأت مفاوضات ما بعد الحرب، لم يكن النقاش عن عودة الجيش المصري إلى غرب القناة.

بل عن حجم القوات المصرية التي ستبقى شرقها، ومقدار الانسحاب الإسرائيلي إلى الشرق، وخروج القوات الإسرائيلية الموجودة غرب القناة.

وهذه وحدها حقيقة كافية لإظهار أن خريطة نهاية الحرب لم تكن عودة إلى خريطة ما قبل الحرب.

٢٢ أكتوبر: وقف إطلاق النار الذي لم يوقف النار

مع اتساع العمليات الإسرائيلية غرب القناة وازدياد الخطر على الجيش الثالث، تدخلت القوتان العظميان بصورة أكثر مباشرة.

وفي الثاني والعشرين من أكتوبر أصدر مجلس الأمن القرار رقم ٣٣٨، الذي دعا إلى وقف إطلاق النار، وتنفيذ القرار رقم ٢٤٢، وبدء مفاوضات بين الأطراف.

لكن إطلاق النار لم يتوقف بصورة مستقرة فور صدور القرار.

استمرت العمليات العسكرية.

وتبادل الطرفان الاتهامات بخرق وقف إطلاق النار.

وفي الثالث والعشرين من أكتوبر أرسل الرئيس أنور السادات إلى الرئيس الأمريكي ريتشارد نيكسون رسالة يحتج فيها على استمرار القوات الإسرائيلية في عملياتها بعد الموعد المقرر لوقف إطلاق النار.

ومع استمرار الأزمة تدخلت واشنطن بصورة أكثر قوة للضغط من أجل وقف القتال وتثبيت الهدنة. [٣]

وهنا بدأت المعركة العسكرية تتحول بسرعة إلى مواجهة دبلوماسية دولية.

اللحظة التي اقتربت فيها القوتان العظميان من مواجهة خطرة

لم يكن الاتحاد السوفيتي مستعدًا لرؤية الجيش المصري في وضع متدهور بينما تستمر إسرائيل في توسيع مكاسبها بعد وقف إطلاق النار.

وأصبحت مسألة تنفيذ القرار الدولي موضع توتر شديد بين موسكو وواشنطن.

وطرح السوفييت إمكانية تحرك مشترك للقوتين العظميين لضمان تنفيذ وقف إطلاق النار.

لكن الولايات المتحدة رفضت فكرة دخول قوات أمريكية وسوفيتية إلى مسرح الحرب.

وفي خضم الأزمة رفعت واشنطن مستوى استعداد قواتها العسكرية عالميًا في واحدة من أكثر لحظات حرب أكتوبر توترًا على مستوى الحرب الباردة.

وهكذا وصلت معركة بدأت على قناة السويس إلى نقطة أصبحت عندها حسابات القوة النووية بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي جزءًا من الأزمة.

هل كانت الثغرة هزيمة مصرية؟

الإجابة تعتمد على المستوى الذي ننظر منه إلى الحرب.

تكتيكيًا وعملياتيًا، كان عبور القوات الإسرائيلية إلى غرب القناة نجاحًا عسكريًا مهمًا.

واستطاعت إسرائيل استعادة المبادرة بعد إخفاق الهجوم المصري في الرابع عشر من أكتوبر، ونجحت في توسيع وجودها غرب القناة وتهديد خطوط إمداد الجيش الثالث.

ولا يمكن إنكار خطورة ذلك دون الإضرار بالمصداقية التاريخية.

لكن هل أعادت الثغرة الوضع إلى ما كان عليه قبل السادس من أكتوبر؟

لا.

لم تستطع إسرائيل القضاء على رؤوس الجسور المصرية.

ولم تستطع إعادة الجيش المصري كله إلى غرب القناة.

ولم يعد خط بارليف قادرًا على أداء الدور الذي كان يؤديه قبل الحرب.

وظلت القوات المصرية موجودة شرق القناة عند توقف القتال.

وهكذا حققت إسرائيل نجاحًا عملياتيًا مهمًا في المرحلة الأخيرة، لكنها لم تستطع محو النتيجة الاستراتيجية التي خلقها العبور.

وهل يصح وصف الحرب بأنها انتصار عسكري مصري كامل؟

أيضًا لا.

ففي الأيام الأخيرة كانت قوات إسرائيلية موجودة غرب قناة السويس.

وكان الجيش الثالث يواجه أزمة إمداد خطيرة.

وكانت إسرائيل قد استعادت المبادرة العملياتية بعد الرابع عشر من أكتوبر.

وتجاهل هذه الوقائع يحول التاريخ إلى دعاية.

لكن تجاهل ما تحقق منذ السادس من أكتوبر يحوله إلى دعاية مضادة.

فالقوات المصرية:

عبرت القناة.

وأقامت وجودًا عسكريًا كبيرًا في سيناء.

وصدت الهجمات الإسرائيلية الأولى.

وأسقطت الوظيفة الاستراتيجية لخط بارليف.

وظلت شرق القناة حتى نهاية الحرب.

وفي المقابل:

استعادت إسرائيل قدرتها على الهجوم.

وعبرت إلى غرب القناة.

وطوقت خطوط إمداد الجيش الثالث.

ووصلت الحرب إلى حالة عسكرية شديدة التعقيد لم يستطع أي من الطرفين إنهاءها عسكريًا على الصورة التي يريدها قبل تدخل السياسة.

ولهذا فإن القراءة الجادة للحرب يجب أن تحتمل الحقيقتين معًا.

الكيلو ١٠١: حين جلس الخصمان وجهًا لوجه

بعد توقف القتال حدث شيء كان يبدو بعيد الاحتمال قبل السادس من أكتوبر.

جلس ضباط مصريون وإسرائيليون وجهًا لوجه على طريق القاهرة ـ السويس عند الكيلو ١٠١.

وبدأت اتصالات عسكرية مباشرة لمعالجة الوضع الذي خلفته الحرب.

كانت هناك قضايا عاجلة:

تثبيت وقف إطلاق النار.

إمداد الجيش الثالث.

تبادل الأسرى.

تحديد خطوط القوات.

ثم الانتقال إلى قضية أكبر:

الفصل بين القوات.

وفي الحادي عشر من نوفمبر ١٩٧٣ تم التوصل إلى اتفاق من ست نقاط بين مصر وإسرائيل تناول تثبيت وقف إطلاق النار، وإيصال الإمدادات غير العسكرية، وتبادل الأسرى، وإقامة نقاط تفتيش تحت إشراف الأمم المتحدة، وفتح الطريق أمام مفاوضات الفصل بين القوات. [٣]

وبذلك بدأت الحرب تتحول إلى عملية تفاوضية.

اتفاق فصل القوات

في يناير ١٩٧٤ توصلت مصر وإسرائيل إلى اتفاق فصل القوات الأول.

وكانت النتيجة العسكرية والسياسية بالغة الدلالة.

انسحبت القوات الإسرائيلية الموجودة غرب قناة السويس.

وتراجعت القوات الإسرائيلية شرقًا داخل سيناء.

وأُنشئت منطقة فصل تحت إشراف قوات الأمم المتحدة.

وفي المقابل احتفظت مصر بقوات لها شرق القناة داخل نطاق متفق عليه.

وهكذا بدأت الخريطة التي نتجت عن حرب يونيو ١٩٦٧ تتحرك للمرة الأولى في الاتجاه المعاكس. [٣]

قبل الحرب كانت إسرائيل تقف على الضفة الشرقية للقناة.

أما بعد الحرب واتفاق الفصل، فأصبح الجيش المصري موجودًا شرق القناة، بينما ابتعدت القوات الإسرائيلية عنها إلى داخل سيناء.

وهذه نتيجة لا يمكن فهمها من خلال صورة الثغرة وحدها، كما لا يمكن فهم الثغرة من خلال صورة العبور وحدها.

إذن… من انتصر؟

ربما يكون هذا السؤال مضللًا إذا أصررنا على إجابة من كلمة واحدة.

فالحروب الكبرى يمكن تحليلها على أكثر من مستوى.

هناك معركة.

وهناك حملة عسكرية.

وهناك نتيجة استراتيجية.

وهناك نتيجة سياسية.

وفي حرب أكتوبر لم تكن هذه المستويات متطابقة.

يمكن القول بدقة:

حققت مصر نجاحًا عسكريًا كبيرًا في المرحلة الأولى من الحرب.

استعادت إسرائيل المبادرة العملياتية في المرحلة الثانية.

حقق الجيش الإسرائيلي اختراقًا خطيرًا غرب القناة.

وظلت في المقابل قوات مصرية كبيرة متمسكة بأرض شرق القناة.

ثم انتهى القتال دون عودة الوضع إلى ما كان عليه في الخامس من أكتوبر.

وبدأت عملية تفاوض انتهت أولى مراحلها بانسحاب إسرائيل من غرب القناة وابتعادها شرقًا داخل سيناء، مع تثبيت وجود عسكري مصري شرق القناة.

ولهذا فإن حرب أكتوبر أكبر من أن تُختصر في صورة دبابة إسرائيلية غرب القناة، كما أنها أكبر من أن تُختصر في صورة جندي مصري يرفع العلم يوم السادس من أكتوبر.

كلتا الصورتين حقيقيتان.

لكن كل واحدة منهما تمثل مرحلة مختلفة من حرب تغير ميزانها أكثر من مرة.

ما الذي تغير فعلًا؟

في الخامس من أكتوبر ١٩٧٣ كان الوضع الاستراتيجي في الشرق الأوسط يبدو مجمدًا.

إسرائيل تسيطر على سيناء.

وتقف على قناة السويس.

والمسار السياسي شبه متوقف.

والاعتقاد واسع بأن ميزان القوى العسكري يمنع مصر من تغيير هذا الوضع.

وبعد أقل من شهر لم تعد أي من هذه المسلمات مستقرة.

عبر الجيش المصري.

ووقعت معارك كبرى شرق القناة وغربها.

ووصلت القوات الإسرائيلية إلى الضفة الغربية.

وحُوصر الجيش الثالث لوجستيًا.

وتدخلت الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي.

ثم جلس المصريون والإسرائيليون للتفاوض المباشر.

وبدأ أول انسحاب إسرائيلي حقيقي بعيدًا عن قناة السويس.

وهنا يظهر الأثر الأهم للحرب.

فحتى عندما تغير ميزان المعركة في أيامها الأخيرة، لم تعد المنطقة إلى نقطة البداية.

لقد تحرك التاريخ.

ولذلك لم تكن حرب أكتوبر نهاية الصراع.

لكنها كانت نهاية مرحلة كاملة منه.

وفي الجزء السادس والأخير: كيف رأى العالم حرب أكتوبر؟ — الصدمة الإسرائيلية، والمفاجأة الأمريكية، والمواجهة السوفيتية الأمريكية، وسلاح النفط، وكيف أعادت الحرب رسم مكانة مصر ومسار الشرق الأوسط كله.

⸻

المراجع

[١] وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية، التقارير اليومية والأسبوعية عن حرب أكتوبر ١٩٧٣، وبصفة خاصة التقارير المتعلقة بهجوم الرابع عشر من أكتوبر، وعبور القوات الإسرائيلية إلى غرب قناة السويس عند الدفرسوار، وتطور القتال على الجبهة المصرية.

[٢] مركز دراسات القتال بالجيش الأمريكي، دراسات العمليات البرية في حرب أكتوبر ١٩٧٣، وبصفة خاصة الدراسات المتعلقة بمعارك المزرعة الصينية، وتأمين محور العبور الإسرائيلي، وانتقال القوات الإسرائيلية إلى الضفة الغربية للقناة.

[٣] وزارة الخارجية الأمريكية، العلاقات الخارجية للولايات المتحدة، ١٩٦٩–١٩٧٦، المجلد الخامس والعشرون: الأزمة والحرب العربية الإسرائيلية عام ١٩٧٣، وبصفة خاصة وثائق وقف إطلاق النار، وأزمة إمداد الجيش الثالث، ومفاوضات الكيلو ١٠١، واتفاق النقاط الست، واتفاق فصل القوات المصري الإسرائيلي.

المقال التالي ← → المقال السابق