لم تنتهِ حرب السادس من أكتوبر عندما سكتت المدافع.
بل ربما بدأت بعض آثارها الأعمق بعد توقف القتال.
فالحرب التي بدأت على ضفتي قناة السويس وفي مرتفعات الجولان سرعان ما تحولت إلى أزمة دولية كبرى؛ دخلت فيها الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي، واضطربت بسببها أسواق الطاقة، وأُعيد النظر داخل إسرائيل في مفاهيم عسكرية واستخباراتية كانت تبدو راسخة، ثم انطلقت بعدها عملية سياسية لم يكن من السهل تصورها بالصورة نفسها قبل أكتوبر.
ولهذا فإن قياس أثر الحرب بعدد الكيلومترات التي سيطر عليها كل طرف في آخر يوم من القتال لا يكفي وحده لفهمها.
السؤال الأوسع هو:
كيف كان الشرق الأوسط قبل السادس من أكتوبر، وكيف أصبح بعده؟
قبل الحرب: جمود يبدو طويلًا
كان الشرق الأوسط في بداية عام ١٩٧٣ يعيش حالة من الجمود العسكري والسياسي.
فمنذ انتهاء حرب الاستنزاف ووقف إطلاق النار عام ١٩٧٠ لم يحدث تغير حاسم على الجبهة المصرية، كما أن المحاولات الدبلوماسية السابقة لم تنجح في الوصول إلى تسوية نهائية تعيد الأراضي المحتلة.
وظلت إسرائيل تسيطر على سيناء وتقف على الضفة الشرقية لقناة السويس.
أما المفاوضات والتحركات الدولية، فلم تنتج حتى ذلك الوقت مسارًا قادرًا على كسر هذا الوضع بصورة حاسمة.
بل إن الوثائق الأمريكية تكشف أن واشنطن نفسها كانت تميل قبل الحرب إلى الاعتقاد بأن ميزان القوى العسكري يجعل لجوء مصر وسوريا إلى الحرب أمرًا غير مرجح، وأن التحرك الدبلوماسي يمكن تأجيله. [١]
وفي هذا المناخ أصبحت المشكلة أكبر من مجرد استمرار الاحتلال.
كان هناك جمود بدأ يتحول بمرور السنوات إلى واقع يبدو قابلًا للاستمرار.
وجاءت حرب أكتوبر لتكسر هذا الواقع.
الصدمة داخل إسرائيل
كان التأثير الأول والأكثر مباشرة داخل إسرائيل نفسها.
فقد دخلت إسرائيل أكتوبر وهي تحمل إرث انتصار يونيو ١٩٦٧، وما صاحبه من ثقة كبيرة في القوات المسلحة وأجهزة الاستخبارات وفي القدرة على اكتشاف أي استعداد عربي للحرب قبل وقوعه.
لكن السادس من أكتوبر كشف خللًا خطيرًا في هذه الصورة.
لم تكن المشكلة فقط أن مصر وسوريا بدأتا الحرب.
بل أن إسرائيل، رغم ما كان متاحًا لديها من معلومات ومؤشرات، لم تصل إلى التقدير الصحيح إلا في وقت متأخر للغاية.
ثم جاءت الساعات والأيام الأولى للحرب لتكشف أن الجيش الإسرائيلي يستطيع أن يتعرض للمفاجأة، وأنه قد يواجه ظروفًا ميدانية شديدة الصعوبة قبل اكتمال تعبئة قوات الاحتياط واستعادة المبادرة.
ولهذا لم تستطع إسرائيل التعامل مع ما جرى باعتباره مجرد معركة انتهت.
ففي نوفمبر ١٩٧٣ شُكلت لجنة أجرانات للتحقيق في الاستعداد للحرب وطريقة تعامل القيادة العسكرية وأجهزة الاستخبارات مع المعلومات التي سبقتها. [٢]
وكان تشكيل اللجنة في حد ذاته اعترافًا بأن ما حدث تجاوز خسائر ميدانية يمكن تعويضها.
لقد أصاب واحدة من أهم ركائز الأمن الإسرائيلي:
الثقة في القدرة على الإنذار المبكر ومنع المفاجأة.
ماذا تغير في النظرة إلى الجيش المصري؟
كانت هزيمة يونيو ١٩٦٧ قد صنعت صورة قاسية للقوات المسلحة المصرية، داخل المنطقة وخارجها.
لكن أكتوبر فرض صورة أخرى.
جيش استطاع التخطيط لعملية عبور واسعة.
وتنسيق الضربة الجوية مع المدفعية والمشاة والمهندسين.
وفتح عشرات الممرات في الساتر الترابي.
وإقامة الكباري تحت القتال.
ونقل قوات وأسلحة ثقيلة إلى الضفة الشرقية.
واستخدام شبكة متكاملة من الدفاع الجوي والأسلحة المضادة للدبابات.
ثم تثبيت قوات كبيرة داخل سيناء.
وهذا لا يعني أن الجيش المصري لم يواجه إخفاقات أو خسائر لاحقًا.
فقد أخفق هجوم الرابع عشر من أكتوبر، ونجحت إسرائيل بعد ذلك في العبور إلى غرب القناة وخلق أزمة خطيرة حول الجيش الثالث.
لكن الصورة التي أنتجتها حرب يونيو لم تعد ممكنة بعد أكتوبر.
فالجيش الذي خرج من حرب ١٩٦٧ مثقلًا بالهزيمة أثبت بعد ست سنوات أنه قادر على التخطيط والتنفيذ والمبادأة وفرض معركة بشروط تختلف جذريًا عن تلك التي واجه بها إسرائيل في يونيو.
وهكذا سقط حاجز نفسي على الجانب المصري، وفي الوقت نفسه اهتزت الثقة المطلقة التي أعقبت انتصار ١٩٦٧ على الجانب الإسرائيلي.
الولايات المتحدة: من مراقبة الجمود إلى قيادة التسوية
ربما كان أحد أكبر التحولات بعد الحرب هو تغير طبيعة الدور الأمريكي.
فالولايات المتحدة كانت قبل أكتوبر قوة رئيسية في الشرق الأوسط بالفعل، وحليفًا أساسيًا لإسرائيل، وطرفًا حاضرًا في محاولات التسوية.
لكن بعد الحرب أصبحت واشنطن أكثر انخراطًا بصورة مباشرة ومتواصلة في إدارة التسوية بين أطراف الصراع.
وكان هنري كيسنجر في قلب هذا التحول.
فبعد انتهاء القتال بدأ يتحرك بين القاهرة وتل أبيب ودمشق في سلسلة من المفاوضات التي عُرفت باسم الدبلوماسية المكوكية.
وتصف الوثائق الرسمية الأمريكية الوضع الذي انتهت إليه الحرب بأنه خلق فرصة للولايات المتحدة لكي تقوم بدور رئيسي في الفصل بين الجيوش، ثم في بناء خطوات تفاوضية متتابعة. [١]
وهكذا حدث تحول مهم:
قبل الحرب كان الجمود يسمح بتأجيل التسوية.
أما بعدها فأصبح استمرار الوضع العسكري الجديد نفسه مصدر خطر قد يقود إلى حرب أخرى.
ومن ثم أصبحت الدبلوماسية ضرورة، لا مجرد خيار مؤجل.
أمريكا لم تكن متفرجًا
لكن الولايات المتحدة لم تدخل المشهد بعد توقف إطلاق النار فقط.
فأثناء الحرب نفذت جسرًا جويًا واسعًا لإعادة إمداد إسرائيل بالذخائر والأسلحة والمعدات.
وفي المقابل كان الاتحاد السوفيتي يعيد إمداد مصر وسوريا بالسلاح.
وهكذا أصبحت حرب أكتوبر جزءًا من المنافسة العالمية بين القوتين العظميين.
لم تكن القوات الأمريكية والسوفيتية تخوض الحرب مباشرة في سيناء والجولان.
لكن الأسلحة كانت تصل من الطرفين.
وكان كل منهما يراقب أثر الحرب على مكانته ونفوذه وتحالفاته في الشرق الأوسط.
ولهذا أصبح الحفاظ على توازن معين في ساحة القتال مرتبطًا بحسابات تتجاوز مصر وإسرائيل وسوريا.
كانت الحرب عربية إسرائيلية في ميدانها، لكنها أصبحت أمريكية سوفيتية في جانب مهم من حساباتها الدولية. [١]
عندما اقتربت الأزمة من مواجهة بين القوتين العظميين
بلغ هذا البعد الدولي أخطر مراحله في الأيام الأخيرة للحرب.
فبعد صدور قرارات وقف إطلاق النار، استمرت العمليات العسكرية، وتفاقمت أزمة الجيش الثالث المصري.
وفي الرابع والعشرين من أكتوبر وجه الزعيم السوفيتي ليونيد بريجنيف رسالة إلى الرئيس الأمريكي ريتشارد نيكسون طرح فيها إمكان تحرك القوتين لضمان تنفيذ وقف إطلاق النار، ولوّح بإمكان اتخاذ الاتحاد السوفيتي خطوات منفردة إذا تعذر ذلك.
نظرت واشنطن إلى الرسالة باعتبارها تطورًا شديد الخطورة.
ورفعت الولايات المتحدة درجة استعداد قواتها العسكرية على المستوى العالمي.
وتصف الوثائق الأمريكية تلك اللحظة بأنها واحدة من أخطر أزمات العلاقات الأمريكية السوفيتية منذ أزمة الصواريخ الكوبية. [١]
وهذه حقيقة تكشف مدى اتساع ما بدأ يوم السادس من أكتوبر.
معركة بدأت بقوات مصرية تعبر قناة السويس وصلت، بعد أقل من ثلاثة أسابيع، إلى أزمة تدخل في حساباتها الأسلحة النووية لأكبر قوتين في العالم.
القرار ٣٣٨: الحرب تفتح باب السياسة
في الثاني والعشرين من أكتوبر ١٩٧٣ أصدر مجلس الأمن القرار رقم ٣٣٨.
ودعا القرار إلى وقف إطلاق النار، وتنفيذ قرار مجلس الأمن رقم ٢٤٢، والبدء في مفاوضات تستهدف إقامة سلام عادل ودائم في الشرق الأوسط.
ولم يؤد القرار إلى وقف مستقر وفوري للقتال، إذ استمرت الاشتباكات وصدرت قرارات لاحقة لتثبيت وقف إطلاق النار.
لكن أهميته السياسية كانت كبيرة.
فللمرة الأولى منذ سنوات أصبح الانتقال من القتال إلى التفاوض جزءًا مباشرًا من التسوية الدولية للحرب.
وكانت مصر تدخل هذه المرحلة وهي في وضع يختلف جذريًا عن وضع الخامس من أكتوبر.
لم يعد جيشها كله غرب القناة.
ولم تعد إسرائيل وحدها تسيطر على الضفة الشرقية.
لقد أصبحت هناك حقيقة عسكرية مصرية داخل سيناء يجب أخذها في الاعتبار عند التفاوض.
الكيلو ١٠١: من المدافع إلى المفاوضات
بعد توقف القتال جلس ضباط مصريون وإسرائيليون وجهًا لوجه عند الكيلو ١٠١ على طريق القاهرة ـ السويس.
كان المشهد جديدًا.
قبل أسابيع كان الطرفان يتبادلان النيران.
والآن كان عليهما التفاوض بشأن وقف إطلاق النار، وإمداد الجيش الثالث، وتبادل الأسرى، وتحديد أوضاع القوات.
وفي نوفمبر ١٩٧٣ تم الاتفاق على برنامج من ست نقاط تناول تثبيت وقف إطلاق النار، والسماح بوصول الإمدادات غير العسكرية، وتبادل الأسرى، والإشراف الدولي، وبدء المناقشات المتعلقة بالفصل بين القوات. [١]
وكان ذلك أكثر من مجرد اتفاق عسكري ميداني.
لقد فتح الباب أمام مرحلة جديدة في العلاقة بين مصر وإسرائيل:
مرحلة التفاوض المباشر.
يناير ١٩٧٤: الخريطة تبدأ في التحرك
بعد أشهر قليلة فقط من اندلاع الحرب، جاء أول اتفاق لفصل القوات المصرية والإسرائيلية.
وفي الثامن عشر من يناير ١٩٧٤ وُقع الاتفاق الذي نص على إعادة انتشار القوات وفصلها، وانسحاب القوات الإسرائيلية الموجودة غرب قناة السويس، وتحرك القوات الإسرائيلية شرقًا داخل سيناء، مع بقاء قوات مصرية شرق القناة داخل نطاق محدد، وإنشاء منطقة فصل تشرف عليها قوات الأمم المتحدة. [١]
وكانت لهذه النتيجة دلالة تتجاوز خطوط الخرائط.
فمنذ يونيو ١٩٦٧ كانت إسرائيل تقف على قناة السويس.
وبعد حرب أكتوبر بدأت تبتعد عنها شرقًا.
وفي الوقت نفسه أصبح الوجود العسكري المصري شرق القناة أمرًا معترفًا به داخل ترتيب دولي رسمي.
وهكذا بدأت الخريطة التي فرضتها حرب يونيو تتحرك للمرة الأولى في الاتجاه المعاكس.
النفط: السلاح الذي جعل العالم يشعر بالحرب
لكن التأثير العالمي لحرب أكتوبر لم يكن عسكريًا ودبلوماسيًا فقط.
كان اقتصاديًا أيضًا.
ففي السابع عشر من أكتوبر قررت الدول العربية المصدرة للنفط خفض الإنتاج تدريجيًا، وربطت ذلك بالموقف من الأراضي العربية المحتلة.
ثم اتخذت دول عربية منتجة قرارات بوقف تصدير النفط إلى الولايات المتحدة ودول أخرى اعتُبرت داعمة لإسرائيل. [٣]
ومن المهم التمييز بين الأمرين.
كان هناك خفض للإنتاج في إطار تحرك جماعي عربي.
وكان هناك حظر للتصدير إلى دول معينة اتخذته الدول المنتجة بدرجات وتوقيتات مختلفة.
لكن النتيجة العامة كانت واحدة:
دخل النفط إلى الحرب باعتباره أداة للضغط السياسي.
وفجأة لم تعد حرب الشرق الأوسط خبرًا بعيدًا يتابعه المواطن الغربي في الصحف ونشرات الأخبار.
أصبح يشعر بها عند محطة الوقود.
وفي الأسعار.
وفي معدلات التضخم.
وفي السياسات الاقتصادية لحكومته.
ماذا فعلت أزمة النفط بالعالم؟
كان الاقتصاد العالمي قبل أكتوبر يشهد أصلًا تغيرات مهمة في سوق الطاقة والعلاقة بين الدول المنتجة وشركات النفط الكبرى.
لذلك لا يصح أن ننسب كل اضطرابات أسعار النفط إلى الحرب وحدها.
لكن حرب أكتوبر وقرارات خفض الإنتاج والحظر سرّعت الأزمة بدرجة هائلة وأظهرت بوضوح مقدار اعتماد الاقتصادات الصناعية الكبرى على الطاقة المستوردة.
وبحلول نهاية عام ١٩٧٣ أصبحت أزمة النفط قضية دولية كبرى.
وارتفعت الأسعار بصورة حادة.
وتعرضت الدول المستهلكة لضغوط اقتصادية كبيرة.
وأعادت الولايات المتحدة وأوروبا واليابان التفكير في أمن الطاقة، والمخزونات، وتنويع مصادر الإمداد، والاستهلاك.
وتكشف التقديرات الأمريكية المعاصرة أن الجمع بين خفض الإنتاج والحظر كان له أثر سريع وقوي على الدول الرئيسية المستهلكة للنفط. [٣]
وبذلك امتدت نتائج الحرب آلاف الكيلومترات بعيدًا عن ميدان القتال.
تغير الوزن السياسي للدول العربية
لم يكن النفط هو المصدر الوحيد للقوة العربية.
لكن أزمة ١٩٧٣ كشفت بصورة شديدة الوضوح أن أمن الشرق الأوسط مرتبط مباشرة بمصالح القوى الصناعية الكبرى.
فالحرب في سيناء والجولان تستطيع أن تؤثر في المصانع والأسواق ومحطات الوقود في الولايات المتحدة وأوروبا واليابان.
وهذا أعطى الدول العربية، وخصوصًا الدول النفطية، وزنًا سياسيًا واقتصاديًا أكبر في الحسابات الدولية خلال تلك المرحلة.
وأصبح من الصعب على القوى الغربية أن تتعامل مع الصراع العربي الإسرائيلي باعتباره أزمة إقليمية يمكن عزلها عن بقية النظام الاقتصادي العالمي.
لقد أثبت أكتوبر أن الشرق الأوسط لا يملك فقط موقعًا استراتيجيًا.
بل يملك كذلك أداة اقتصادية قادرة على نقل أثر أزماته إلى العالم.
مصر تغير قواعد اللعبة
لكن ربما كان التحول الأعمق مرتبطًا بمصر نفسها.
فالحرب لم يكن هدفها الاستمرار إلى ما لا نهاية.
ومنذ مرحلة التخطيط كان هناك ارتباط بين العمل العسكري والهدف السياسي.
وكان الهدف الأساسي هو كسر حالة الجمود وإعادة قضية الأرض إلى قلب الحسابات الدولية.
وبعد الحرب أصبحت مصر محورًا رئيسيًا في العملية السياسية الجديدة.
فجاء اتفاق فصل القوات الأول في يناير ١٩٧٤.
ثم أعقبه اتفاق آخر في سبتمبر ١٩٧٥ دفع القوات الإسرائيلية إلى مسافة أبعد شرقًا داخل سيناء، واستمر معه تحول الصراع تدريجيًا من المواجهة العسكرية المباشرة إلى مسار تفاوضي تقوده الولايات المتحدة. [١]
ومن هنا بدأت مرحلة مختلفة تمامًا.
لم تعد القضية:
هل يمكن تغيير الوضع الذي فرضته حرب يونيو؟
فقد تغير بالفعل.
أصبحت القضية:
إلى أي مدى يمكن البناء على هذا التغيير لاستعادة بقية الأرض؟
هل صنعت أكتوبر السلام وحدها؟
لا.
فالتاريخ لا يعمل بهذه البساطة.
بين أكتوبر ١٩٧٣ ومعاهدة السلام المصرية الإسرائيلية في مارس ١٩٧٩ كانت هناك سنوات كاملة من المفاوضات والتحولات السياسية.
وجاءت زيارة الرئيس أنور السادات إلى القدس.
ثم مفاوضات كامب ديفيد.
ثم تدخل أمريكي مكثف.
ثم اتفاقيات وقرارات سياسية معقدة.
ولذلك فإن القول إن حرب أكتوبر وحدها أنتجت معاهدة السلام مباشرة يختزل ست سنوات من التاريخ.
لكن العكس غير صحيح أيضًا.
فمن الصعب تصور المسار الذي بدأ بعد ١٩٧٣ بمعزل عن الحرب.
فأكتوبر هي التي كسرت الجمود الذي سبقها.
وهي التي أعادت التحرك العسكري والسياسي إلى قضية سيناء.
وهي التي أدت إلى الفصل بين القوات.
وهي التي بدأت معها عملية الانسحاب الإسرائيلي التدريجي شرقًا.
ومن ثم كانت الحرب نقطة البداية الاستراتيجية لمسار جديد، لا السبب الوحيد لكل ما حدث بعد ذلك.
كيف يجب أن نقيس نتيجة الحرب؟
ربما يكون هذا أهم سؤال في السلسلة كلها.
إذا نظرنا إلى أكتوبر باعتبارها مجرد مسابقة لمعرفة من امتلك مساحة أكبر من الأرض في الساعة الأخيرة من القتال، فلن نفهم الحرب.
وإذا تجاهلنا الثغرة وأزمة الجيش الثالث وقلنا إن مصر حققت انتصارًا عسكريًا كاملًا بلا تعقيدات، فلن نفهمها أيضًا.
وإذا نظرنا فقط إلى القوات الإسرائيلية غرب القناة واعتبرنا أن ما تحقق منذ السادس من أكتوبر لم تكن له قيمة، فلن نفهمها كذلك.
فالنتائج موزعة على مستويات مختلفة.
عسكريًا، حققت مصر نجاحًا كبيرًا في المرحلة الأولى، ثم واجهت انتكاسات خطيرة في المرحلة الأخيرة.
وعسكريًا أيضًا، استطاعت إسرائيل استعادة المبادرة والعبور إلى غرب القناة وتهديد خطوط إمداد الجيش الثالث.
لكن استراتيجيًا، لم تعد المنطقة إلى وضع الخامس من أكتوبر.
بقيت قوات مصرية شرق القناة.
وانسحبت القوات الإسرائيلية لاحقًا من غربها.
ثم بدأت تتراجع تدريجيًا شرقًا داخل سيناء.
وبدأت بعد سنوات من الجمود عملية تفاوضية متصلة.
وهذا تحول ملموس في بنية الصراع، لا مجرد انتصار معنوي.
أكبر نتائج أكتوبر: إعادة تعريف الممكن
ربما كانت أكبر نتائج الحرب أنها أعادت تعريف ما هو ممكن.
بعد يونيو ١٩٦٧ بدا الاحتلال في نظر كثيرين وكأنه واقع عسكري طويل الأمد يصعب تغييره.
أما بعد أكتوبر فلم يعد من الممكن النظر إليه بالطريقة نفسها.
أثبتت مصر أنها تستطيع بدء حرب وفق خطة تراعي إمكاناتها وتفرض على خصمها نوعًا من القتال لم يكن ينتظره.
وأثبتت إسرائيل أنها تستطيع امتصاص المفاجأة واستعادة المبادرة، لكنها اكتشفت في المقابل أن تفوقها العسكري لا يمنع حربًا مكلفة، ولا يوفر وحده ضمانًا دائمًا لاستمرار الوضع الذي نشأ بعد ١٩٦٧.
واكتشفت الولايات المتحدة أن استمرار الجمود السياسي قد يؤدي إلى حرب تهدد مصالحها وتحالفاتها.
واكتشف الاتحاد السوفيتي أن الصراع في الشرق الأوسط يمكن أن يضعه في مواجهة خطرة مع واشنطن.
واكتشفت الدول الصناعية أن حربًا على بعد آلاف الكيلومترات تستطيع الوصول إلى مصانعها وطرقها ومحطات الوقود لديها.
وهكذا خرج الجميع من أكتوبر وهم يعيدون حساباتهم.
ملحمة دولة قبل أن تكون ملحمة معركة
ولهذا، عندما نتحدث عن حرب أكتوبر، لا ينبغي أن نختصرها في مشهد واحد مهما كان عظيمًا.
ليست فقط صورة الجندي وهو يعبر القناة.
ولا خراطيم المياه وهي تفتح الساتر الترابي.
ولا الطائرات وهي تنطلق في الساعة الثانية.
ولا صواريخ الدفاع الجوي.
ولا الثغرة.
ولا حصار الجيش الثالث.
ولا النفط.
ولا مفاوضات الكيلو ١٠١.
الحقيقة أن الملحمة تكمن في اجتماع هذه العناصر كلها.
دولة خرجت من هزيمة قاسية.
وأعادت بناء جيشها.
وخاضت حرب الاستنزاف.
وبنت شبكة دفاع جوي.
ودرست خصمها.
ووضعت خطة تناسب قدراتها.
واستخدمت الخداع الاستراتيجي.
ونسقت مع سوريا لفتح جبهتين.
وتلقت دعمًا عربيًا بأشكال مختلفة.
وعبرت القناة.
وواجهت هجومًا مضادًا.
وتعرضت لأزمة عسكرية خطيرة في المرحلة الأخيرة.
ثم انتقلت من الحرب إلى التفاوض.
وفي النهاية لم تعد خريطة الصراع إلى ما كانت عليه قبل السادس من أكتوبر.
وبعد أكثر من نصف قرن
ربما تكون أعظم قيمة لدراسة حرب أكتوبر اليوم أنها تقدم درسًا يتجاوز زمنها.
أن الهزيمة العسكرية ليست قدرًا دائمًا.
وأن إعادة البناء قد تكون أطول وأصعب من المعركة نفسها.
وأن معرفة حدود القوة ليست علامة ضعف، بل قد تكون أساسًا لاستخدام القوة بصورة أكثر فاعلية.
وأن المعلومة لا تكفي إذا أخطأ الخصم في تفسيرها.
وأن النجاح العسكري يمكن أن يضيع إذا تغيرت شروط المعركة ولم تتغير القرارات معها.
وأن الحرب، مهما كان حجم الانتصار فيها، لا تكون هدفًا في ذاتها إذا لم تكن مرتبطة بهدف سياسي واضح.
ففي الخامس من أكتوبر ١٩٧٣ كان الجيش الإسرائيلي يقف على الضفة الشرقية لقناة السويس كما فعل منذ ست سنوات.
وبعد الحرب بدأت عملية لن تعود معها القناة إلى الوضع نفسه مرة أخرى.
ومن هنا كانت أكتوبر أكثر من معركة.
كانت نقطة تحول في تاريخ مصر، وفي مسار الصراع العربي الإسرائيلي، وفي توازنات الشرق الأوسط.
خاتمة السلسلة
ساعد مصر من ساعدها.
وحذر إسرائيل من حذرها.
وتصارعت أجهزة الاستخبارات.
وتدخلت الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي.
واستخدم العرب النفط.
وحدثت الثغرة.
وتعرض الجيش الثالث لخطر حقيقي.
واستعادت إسرائيل المبادرة في المرحلة الأخيرة من القتال.
لكن وراء هذه التفاصيل جميعًا بقي التحول الأكبر:
مصر التي خرجت من يونيو ١٩٦٧ وهي تبحث عن كيفية استعادة قدرتها على الفعل، خرجت من أكتوبر ١٩٧٣ وقد أعادت قضية الأرض من حالة الجمود إلى ميدان الحرب ثم إلى مائدة التفاوض.
لم تستعد سيناء كلها في ثلاثة أسابيع.
ولم تنتهِ الحرب بانتصار عسكري كامل خالٍ من الأزمات.
لكن حاجزًا كان يبدو ثابتًا منذ عام ١٩٦٧ انكسر.
عبر الجيش القناة.
وعادت القوات المصرية إلى سيناء.
وبدأ الانسحاب الإسرائيلي بعيدًا عن قناة السويس.
ثم توالت مراحل استعادة الأرض في السنوات التالية.
وهكذا لم تكن ملحمة السادس من أكتوبر قصة ساعات عبر فيها الجنود مجرى مائيًا.
بل كانت قصة ست سنوات من إعادة البناء، وثلاثة أسابيع من الحرب، ثم سنوات من النتائج السياسية والاستراتيجية.
بدأت بهزيمة فرضت على مصر أن تعيد بناء نفسها.
وانتهت بواقع جديد أجبر المنطقة والعالم على إعادة حساباتهما.
تلك هي ملحمة أكتوبر:
من إعادة بناء الإنسان والسلاح،
إلى عبور القناة،
إلى إعادة فتح طريق استعادة الأرض.
⸻
المراجع
[١] وزارة الخارجية الأمريكية، العلاقات الخارجية للولايات المتحدة، ١٩٦٩–١٩٧٦، المجلدان الخامس والعشرون والسادس والعشرون: حرب أكتوبر والأزمة العربية الإسرائيلية ومفاوضات فصل القوات، والوثائق الخاصة بالدبلوماسية الأمريكية، وأزمة وقف إطلاق النار، ومفاوضات الكيلو ١٠١، واتفاقي فصل القوات المصري الإسرائيلي.
[٢] أرشيف الجيش ووزارة الدفاع الإسرائيلية، وثائق حرب أكتوبر وتقرير لجنة أجرانات للتحقيق في الاستعداد للحرب والإخفاق الاستخباراتي والعسكري الذي سبق اندلاعها.
[٣] وزارة الخارجية الأمريكية، العلاقات الخارجية للولايات المتحدة، ١٩٦٩–١٩٧٦، المجلد السادس والثلاثون: أزمة الطاقة ١٩٦٩–١٩٧٤، والوثائق المتعلقة بقرار خفض إنتاج النفط العربي، والحظر النفطي، وتأثير الأزمة على الولايات المتحدة والدول المستهلكة للطاقة.