أدب

لماذا لم يكن عبد الوهاب المسيري نجمًا؟

April 24, 2026 admin لا توجد تعليقات

بقلم: د. وليد العزبي

في زمنٍ تُقاس فيه القيمة بعدد المتابعين، وتُختزل فيه الأفكار في عناوين قابلة للتداول، يمرّ بعض المفكّرين في صمتٍ لافت. لا لأنهم أقل شأنًا، بل لأنهم أكبر من منطق السوق. ومن بين هؤلاء يبرز اسم عبد الوهاب المسيري؛ مفكّرٌ لم يكن يسعى إلى الشهرة، بل كان منشغلًا بما هو أثقل: سؤال الإنسان ومعناه في عالمٍ يفرغ الإنسان من إنسانيته.


أولًا: لماذا لم يكن المسيري “نجمًا”؟

لم يكن المسيري كاتب موقفٍ آني، ولا خطيب منصة، ولا صانع شعارات. كان مفكّر نموذج، يشتغل على البنية العميقة التي تُنتج الظواهر، لا على الظواهر ذاتها. وفي عالمٍ يُكافئ السرعة والحدّة والاستقطاب، بدا فكره بطيئًا… لكنه كان بطيئًا لأنه دقيق.
لم يقايض الوضوح بالابتذال، ولا العمق بالانتشار. ولذلك لم يجد ماكينة إعلامية تتبنّاه، ولا تيارًا أيديولوجيًا يحتكره. كان مستقلًا على نحوٍ أزعج الجميع؛ قريبًا من الناس في لغته، بعيدًا عنهم في مستوى الأسئلة التي يطرحها.


ثانيًا: العلمانية الشاملة… الخطر الذي لا يُرى

من أكثر إسهاماته عمقًا مفهوم العلمانية الشاملة؛ لا بوصفها فصلًا للدين عن الدولة، بل بوصفها فصلًا للقيم عن الحياة ذاتها. في هذا النموذج، يتحوّل الإنسان إلى كائن وظيفي:
يعمل ليستهلك، ويستهلك ليعمل، دون سؤال عن الغاية.
النجاح يُقاس بالأرقام، والحرية تُختزل في اللذة، والأخلاق تُدفع إلى الهامش بوصفها “شأنًا شخصيًا”.

لم يكن المسيري ضد الحداثة، بل ضد تأليهها. وكان يرى أن أخطر ما في هذا النموذج أنه لا يقمع الإنسان بالقوة، بل يفرغه من الداخل عبر الاعتياد، وتطبيع التفاهة، والرضا الزائف.


ثالثًا: الصهيونية كنموذج حضاري لا كحدث سياسي

في موسوعته الكبرى، لم يتعامل المسيري مع الصهيونية كقضية حدود أو صراع عسكري، بل كنموذج حضاري استيطاني يُعيد تعريف الإنسان والأرض والتاريخ.
لم يرفع شعارات، ولم يكتب خطابًا تعبويًا، بل قدّم تحليلًا علميًا باردًا — ولذلك كان عمله أعمق من أن يُستثمر إعلاميًا، وأصدق من أن يُستغل سياسيًا. لقد أراد أن يفهم قبل أن يُدين، وأن يُفكّك قبل أن يُحرّض.


رابعًا: إدوارد سعيد وطه عبد الرحمن… مدخل قبل المقارنة

ينتمي إدوارد سعيد إلى تقليد نقدي غربي-إنساني، استخدم أدوات المعرفة الغربية ذاتها لتفكيك خطابها عن الشرق، كاشفًا كيف تحوّلت المعرفة إلى سلطة، والبحث الأكاديمي إلى ذراع للهيمنة. كان مشروعه موجّهًا أساسًا إلى فضح التمثيل، وإعادة الاعتبار للصوت المُستعمَر داخل اللغة الغربية.

أما طه عبد الرحمن، فقد انطلق من داخل التراث الفلسفي الإسلامي، مسلحًا بأدوات لغوية ومنطقية دقيقة، ليخوض معركة الحداثة على مستوى الأخلاق والمعنى واللغة. لم يكن معنيًا بنقد الغرب بوصفه “آخرًا”، بل بسؤال: كيف نفكّر دون أن نفقد روحنا؟


خامسًا: بين سعيد وطه… أين يقف المسيري؟

إذا كان إدوارد سعيد قد فكّك صورة الشرق في المخيال الغربي، فإن المسيري فكّك المخيال الغربي ذاته، وسأل: أيّ إنسان يصنع؟
وإذا كان طه عبد الرحمن قد خاض معركة الحداثة من بوابة الفلسفة والأخلاق واللغة، فإن المسيري خاضها من قلب المجتمع والتاريخ والسياسة.

الأول يُعلّمك كيف ترى التحيّز،
والثاني يُعلّمك كيف تُقيم الأخلاق،
أما المسيري فيضعك أمام السؤال الأخطر: ماذا يحدث للإنسان حين تُنزع عنه المرجعية؟


سادسًا: المسيري في زمن السوشيال ميديا

لو عاش المسيري بيننا اليوم، لوجد في وسائل التواصل الاجتماعي تجسيدًا حيًا لما حذّر منه:
منصّات لا تنقل الأفكار بقدر ما تُعيد تشكيلها،
تُكافئ الخفّة، وتعاقب العمق،
وتقيس الحقيقة بعدد الإعجابات لا بقوة الحُجّة.

كان سيُدرك أن الخطر لم يعد في الرقابة الصريحة، بل في التسطيح الشامل؛ حيث يُسمح للجميع بالكلام، شرط ألّا يقول أحد شيئًا مُقلقًا حقًا.


خاتمة: لماذا نحتاج المسيري الآن؟

نحتاج المسيري لأننا نعيش لحظة إنسانية حرجة:
وفرة معلومات بلا حكمة،
حرية تعبير بلا معنى،
وتقدّم تقني بلا بوصلة أخلاقية.

نحتاجه لأنه لم يمنحنا إجابات جاهزة، بل علّمنا كيف نُعيد صياغة الأسئلة. ولأنه لم يُخدِّرنا باليقين السهل، بل أيقظ فينا قلق الإنسان الحر.
ولهذا، لم يُصفَّق له كثيرًا… لأن التصفيق يحتاج نومًا، بينما فكره كان — وما زال — دعوة دائمة إلى اليقظة.

المقال التالي ← → المقال السابق