بقلم د. وليد العزبي
لم تعد أوروبا اليوم تلك القارة الحالمة التي تستيقظ على موسيقى بيتهوفن وتغفو على قصائد السلام. خلف مقاهي باريس، وأسوار برلين، وميادين وارسو، يخيّم طيف ثقيل اسمه الحرب.
فالقارة التي شيدت الاتحاد الأوروبي كدرعٍ للقانون والسوق المشتركة، تجد نفسها اليوم أمام سؤال مخيف:
هل يمكن أن يحفظ القانون سلامها… أم أن السلاح صار حارسها الأخير؟
أولاً: قارة تتدرّب على الحرب
- حرب أوكرانيا التي لا تنطفئ
منذ اندلاع الحرب الروسية–الأوكرانية عام 2022، لم تعد أوروبا تراها مجرد نزاع حدودي، بل اختبارًا لقدرتها على حماية نفسها.
فكل صاروخ يسقط في كييف يُذكّر العواصم الأوروبية أن المسافة بين النار والبيت أقصر مما كانت تظن(1).
- العدو غير المرئي: الحرب الهجينة
لم تعد الحرب دبابات تعبر الحدود، بل فيروسات إلكترونية تشلّ شبكات الكهرباء، وطائرات مسيّرة تخترق الأجواء.
وهنا يطلّ السؤال القانوني:
هل هجوم سيبراني يُعد عدوانًا مسلحًا وفق ميثاق الأمم المتحدة، أم مجرد استفزاز دون عتبة الحرب(2)؟
- لغة الردع الروسي
حين يعلن الرئيس الروسي أن بلاده ستردّ “بسرعة وقوة” على أي استفزاز أوروبي، فليست تلك كلمات عابرة، بل رسالة سياسية–قانونية تُعيد رسم حدود الردع المشروع(3).
- ظلّ الانكفاء الأمريكي
منذ الحرب الباردة، نامت أوروبا تحت المظلّة الأمريكية.
لكن تبدّل المزاج في واشنطن جعل بروكسل تتساءل:
هل نحن وحدنا إذا اشتعل اللهيب؟
ذلك السؤال وحده كافٍ لدفع الإنفاق العسكري الأوروبي إلى أعلى مستوياته منذ عقود(4).
- ذاكرة الشرق الثقيلة
بولندا ودول البلطيق تعرف جيدًا ثمن الجغرافيا. فالتاريخ بالنسبة لها ليس ماضيًا، بل جرح مفتوح مع روسيا.
لذلك تصرخ هذه الدول في وجه شركائها الغربيين:
“إذا سقطت أوكرانيا، فنحن التاليون”(5).
ثانيًا: القانون بين النص والواقع
القانون الدولي يقف حائرًا أمام مشهدٍ لا يُشبه الكتب.
فميثاق الأمم المتحدة حظر استخدام القوة في المادة (2/4)، ثم أقرّ في المادة (51) بحق الدفاع الشرعي عن النفس(6).
وحلف شمال الأطلسي أعلن في مادته الخامسة أن “الاعتداء على واحد هو اعتداء على الجميع”(7).
لكن الحروب الحديثة تُربك النصوص القديمة:
هل اختراق سيبراني يُفعل حق الدفاع الشرعي؟
هل طائرة مسيّرة مجهولة المصدر تكفي لتفعيل المادة الخامسة من الناتو؟
بين نص جامد وواقع متحوّل، يتأرجح القانون الدولي كقاضٍ يبحث عن تعريف جديد للعدوان.
ثالثًا: وجوه خلف الجبهات
وراء الخطابات والصفقات الدفاعية، هناك حياة أوروبية تتغير بصمت:
• ممرضة فرنسية تتلقى تدريبًا على استقبال جرحى حرب قد لا تقع(8).
• أسر ألمانية تُخزّن الدواء والغذاء تحسّبًا لانقطاع الإمدادات.
• جيل شاب كان يحلم باتحاد بلا حروب، يكتشف أن الجغرافيا أقوى من اليوتوبيا.
القانون هنا لم يعد مجرد نصوص، بل وعدٌ بالحياة، ودرعٌ للأمل وسط الخوف.
ختامًا: حين يحرس الخوف السلام
تعيش أوروبا اليوم مفارقة التاريخ: تسعى إلى منع الحرب بالاستعداد لها، وإلى حفظ السلام تحت وطأة التسلّح.
لكن كل خطوة في طريق الردع تزيد من رائحة البارود في الهواء.
من سراييفو إلى كييف، تتكرّر الحكاية: شرارة صغيرة تُشعل قارة بأكملها.
ويبقى السؤال المعلّق في سماء القارة العجوز:
هل تستطيع أوروبا أن تحمي إنسانها دون أن تفقد روحها تحت درعها الحديدي؟
أم أن قدرها أن تعيد كتابة قوانينها… بمداد الدماء؟
الهوامش
1. تقرير الأمين العام للأمم المتحدة بشأن الحالة في أوكرانيا، وثيقة الأمم المتحدة S/2023/123.
2. يورام دينشتاين، الحرب والعدوان والدفاع الشرعي عن النفس، ط 7، مطبعة جامعة كامبريدج، 2021، ص 195–200.
3. رويترز، “بوتين يتعهد برد سريع إذا اعتبرت روسيا أن أوروبا تستفزها”، 2 أكتوبر 2025.
4. جوليان هوورث، “الاستقلالية الاستراتيجية ومستقبل الدفاع الأوروبي”، المجلة الأوروبية للأمن، 2020.
5. أندرو ويلسون، دول البلطيق وروسيا: تحديات الأمن في أوروبا الجديدة، روتليدج، 2019.
6. ميثاق الأمم المتحدة، سان فرانسيسكو، 26 يونيو 1945، المواد 2/4 و51.
7. معاهدة شمال الأطلسي، واشنطن، 4 أبريل 1949، المادة 5.
8. الإندبندنت، “فرنسا تطلب من مستشفياتها الاستعداد لصراع عسكري واسع بحلول 2026”، 25 سبتمبر 2025.