لم يكن توقيع «اتفاق مكة للدفاع المشترك» بين المملكة العربية السعودية وتركيا وباكستان حدثًا عابرًا في خريطة التحالفات الإقليمية؛ فاجتماع الثقل المالي والجيوسياسي السعودي، والقوة العسكرية والصناعية التركية، والخبرة العسكرية والوزن الردعي الباكستاني، يفتح الباب أمام نواة أمنية جديدة قد تتجاوز، بمرور الوقت، حدود التعاون العسكري التقليدي.
فالتحالفات لا تُقاس فقط بما تتضمنه نصوصها لحظة التوقيع، وإنما بما تنشئه من مؤسسات، وما تبنيه من مصالح مشتركة، وما تنتجه من عادات للتنسيق واتخاذ القرار. وقد يبدأ الاتفاق إطارًا للتشاور والردع، ثم يتحول تدريجيًا إلى منظومة أكثر رسوخًا، تضم تبادلًا للمعلومات، وتنسيقًا للسياسات الدفاعية، وتعاونًا في التسليح والتصنيع والتدريب والإنذار المبكر.
غير أن توقيع الاتفاق أثار في القاهرة سؤالًا بدا، بالنسبة إلى كثيرين، أكثر أهمية من مضمون الاتفاق ذاته:
أين مصر من هذا التشكيل؟ ولماذا لم تكن الدولة الرابعة؟
والإجابة، في تقديري، لا ينبغي اختزالها في رواية متعجلة تقول إن مصر رفضت الانضمام، أو في رواية مقابلة تزعم أنها استُبعدت منه؛ إذ لا تتوافر حتى الآن معلومات رسمية كافية تسمح بالجزم بأي من التفسيرين.
كما أن القاهرة لم تكن بعيدة تمامًا عن مسار التشاور الإقليمي الذي جمع الدول الأربع في مراحل سابقة، وإنما كان الفارق أن هذا التشاور لم يتحول، بالنسبة إلى مصر، إلى التزام دفاعي ثلاثي ملزم.
ومن ثم، فالأجدى من البحث عن رواية سياسية غير مؤكدة هو قراءة المصالح التي قد تحكم القرار المصري، وفهم طبيعة الالتزامات التي يمكن أن تترتب على الانتقال من الشراكة الاستراتيجية إلى الدفاع الجماعي.
الغياب لا يعني العزلة
من الخطأ النظر إلى مصر باعتبارها بعيدة عن الدول الثلاث أو منقطعة عن دوائر التعاون معها.
فالعلاقة المصرية–السعودية ذات طبيعة استراتيجية راسخة، لا تقوم فقط على التقارب السياسي، وإنما على تداخل واسع في قضايا الأمن العربي والخليج والبحر الأحمر.
كما شهدت العلاقات المصرية–التركية خلال السنوات الأخيرة تطورًا ملحوظًا، شمل استعادة الحوار السياسي وتوسيع مساحات التعاون الاقتصادي والدفاعي والتدريب العسكري.
وفي الوقت نفسه، تحتفظ القاهرة بعلاقات سياسية وعسكرية جيدة مع إسلام آباد، فضلًا عن تاريخ ممتد من التواصل بين المؤسستين العسكريتين المصرية والباكستانية.
إذن، فالسؤال ليس: لماذا لا تتعاون مصر مع السعودية وتركيا وباكستان؟
فهي تتعاون معها بالفعل، وإن بدرجات وصور مختلفة.
السؤال الأدق هو: لماذا لم تنتقل القاهرة، حتى الآن، من التعاون مع هذه الدول إلى الارتباط معها بالتزام للدفاع الجماعي؟
وهنا يكمن جوهر المسألة.
فثمة فارق بالغ بين أن تتدرب القوات المصرية مع قوات دولة أخرى، أو تتبادل معها المعلومات والخبرات والتكنولوجيا، أو تنسق معها في حماية الملاحة ومكافحة الإرهاب؛ وبين أن تقبل مصر مقدمًا مبدأ يعتبر الهجوم المسلح على إحدى الدول الأخرى هجومًا يمسها هي أيضًا ويستوجب منها اتخاذ موقف دفاعي.
الأول تعاون استراتيجي مرن، يمكن توسيعه أو تضييقه وفقًا لطبيعة كل قضية.
أما الثاني فهو التزام تحالفي قد يصل، في لحظة الأزمة، إلى قرار باستخدام القوة.
القرار المصري والاستقلال الاستراتيجي
لدى مصر تقليد استراتيجي يمكن وصفه بالحرص على استقلال قرار استخدام القوة.
فالقاهرة تتعاون عسكريًا مع الولايات المتحدة، وترتبط بعلاقات وثيقة مع دول الخليج، وتطور علاقاتها مع تركيا، وتفتح مجالات للتعاون مع الصين وروسيا والهند وباكستان، دون أن تجعل قرارها العسكري تابعًا بصورة تلقائية لأي محور من هذه المحاور.
ولا يعني ذلك الوقوف على مسافة واحدة من جميع الأطراف، ولا الحياد في القضايا التي تمس الأمن القومي المصري؛ وإنما يعني الاحتفاظ بالقدرة على تقدير كل أزمة وفقًا لظروفها، وتحديد طبيعة الموقف المصري منها في ضوء المصلحة الوطنية المباشرة.
وهذا تحديدًا ما يجعل الانضمام إلى اتفاق للدفاع الجماعي أكثر تعقيدًا مما يبدو عليه.
فالتحالف يمنح الدولة قدرًا إضافيًا من الردع، لكنه لا يمنحها المنافع وحدها. وكل ضمان أمني تحصل عليه الدولة يقابله، في العادة، التزام تقدمه إلى الآخرين.
وإذا أصبحت مصر طرفًا في منظومة تعتبر الهجوم على أحد أعضائها هجومًا على الجميع، فإنها لن تستفيد فقط من قوة الدول الأخرى، وإنما قد تستورد معها جزءًا من معضلاتها الأمنية.
وهنا تبدأ الأسئلة الصعبة.
باكستان والهند: معضلة لا تحتاجها القاهرة
تتمتع مصر بعلاقات متنامية مع الهند، سياسيًا واقتصاديًا وعسكريًا، وفي الوقت نفسه تحتفظ بعلاقة جيدة مع باكستان.
وهذه المعادلة تحقق للقاهرة مصلحة واضحة: صداقة نيودلهي دون خصومة إسلام آباد، وصداقة إسلام آباد دون استعداء نيودلهي.
لكن ماذا يحدث إذا أصبحت مصر مرتبطة بالتزام دفاعي تجاه باكستان، ثم اندلعت مواجهة هندية–باكستانية واسعة؟
وهل يمكن، في ظل غموض تعريف الهجوم المسلح والنطاق الجغرافي للالتزام، أن يتحول تصعيد في كشمير أو على الحدود بين الدولتين إلى اختبار مباشر للموقف المصري؟
لا يعني ذلك أن كل اشتباك بين الهند وباكستان سيؤدي تلقائيًا إلى دخول بقية أطراف الاتفاق في الحرب؛ فذلك يتوقف على نصوص الاتفاق، وتعريف الاعتداء، ومكان وقوعه، وطبيعة المساعدة المطلوبة، وآلية اتخاذ القرار.
لكن مجرد نشوء هذا السؤال يكشف حجم الفارق بين الصداقة السياسية والالتزام التحالفي.
ومن منظور المصالح المصرية البحتة، يصعب العثور على سبب يجعل القاهرة راغبة في تحويل نزاع تاريخي بعيد عن حدودها ومصالحها المباشرة إلى معضلة أمن قومي مصرية.
وهذا المثال وحده يوضح أن التحالفات لا تجمع قدرات الأعضاء فقط؛ بل تجمع مخاوفهم وخصوماتهم أيضًا.
وكذلك تركيا
الأمر ذاته، وإن بصورة مختلفة، ينطبق على أنقرة.
فالتقارب المصري–التركي تطور مهم يخدم مصالح الدولتين، ويمكن أن يمثل أحد أهم التحولات الجيوسياسية في شرق المتوسط.
كما أن التعاون بين القاهرة وأنقرة يفتح فرصًا واسعة في التجارة والطاقة والصناعات الدفاعية وتسوية الأزمات الإقليمية.
لكن تركيا عضو في حلف شمال الأطلسي، ولديها شبكة واسعة من المصالح والالتزامات والانتشارات العسكرية تمتد من البحر الأسود والقوقاز إلى سوريا والعراق وشرق المتوسط.
وهذه الشبكة تجعل البيئة الأمنية التركية مختلفة، في جوانب كثيرة، عن البيئة الأمنية المصرية.
ومن ثم، فقد تريد القاهرة تركيا شريكًا استراتيجيًا قويًا، دون أن ترغب بالضرورة في تحويل كل أزمة تركية محتملة إلى أزمة مصرية، أو في أن تجد نفسها مطالبة باتخاذ موقف من نزاع لم تشارك في صنع أسبابه ولم يكن جزءًا من أولوياتها الأصلية.
وهنا يظهر أحد المبادئ التي قد تحكم الموقف المصري:
أن تتعاون مصر مع الجميع، دون أن تمنح أحدًا حق تحديد اللحظة التي تصبح فيها في حالة حرب.
إسرائيل وإيران: الاختبار الأصعب
تزداد المسألة تعقيدًا عندما توضع إسرائيل وإيران داخل المعادلة.
فمصر ملتزمة بمعاهدة سلام مع إسرائيل، لكنها في الوقت نفسه ترى القضية الفلسطينية جزءًا أساسيًا من أمنها القومي، وترفض تصفية القضية أو تهجير الفلسطينيين أو المساس بوحدة أراضيهم، ولديها حسابات شديدة الحساسية تتصل بغزة وسيناء والحدود وشرق المتوسط.
فماذا لو تعرضت إحدى الدول الأعضاء في المستقبل لهجوم إسرائيلي مباشر، أو تطورت مواجهة تشارك فيها إحدى هذه الدول إلى حرب إقليمية أوسع؟
وهل يصبح الالتزام الدفاعي الجماعي قابلًا للتفعيل؟ وما نوع المساندة التي يمكن أن تكون مطلوبة من مصر؟
والسؤال نفسه، مع اختلاف الظروف، ينطبق على إيران.
فأمن الخليج جزء من الأمن القومي المصري، وأي تهديد خطير للسعودية أو للملاحة في البحر الأحمر والخليج أو لمنشآت الطاقة ينعكس مباشرة على المصالح المصرية.
لكن ذلك لا يعني بالضرورة أن القاهرة تريد أن تصبح طرفًا تلقائيًا في كل مواجهة محتملة مع طهران.
ورغم تأكيد الدول الموقعة أن الاتفاق دفاعي ولا يستهدف إيران أو غيرها من الدول، فإن البيئة الاستراتيجية التي وُلد فيها تجعل احتمالات التصعيد في الخليج والبحر الأحمر حاضرة عند تقييم آثاره المستقبلية.
وهكذا، فإن الاتفاق الذي يبدو بسيطًا في عنوانه قد يضع مصر، إذا انضمت إليه دون تحديد دقيق لالتزاماتها، أمام شبكة من الأزمات تمتد من جنوب آسيا إلى الخليج، ومن شرق المتوسط إلى البحر الأسود.
وهذا ثمن استراتيجي لا يمكن تجاهله.
ولكن للبقاء خارج التحالف ثمن أيضًا
هنا يجب ألا نقع في الخطأ المعاكس.
فكما أن الانضمام يحمل مخاطر، فإن البقاء خارج الاتفاق طويلًا قد يحمل بدوره تكلفة استراتيجية.
إذا ظل اتفاق مكة إطارًا سياسيًا للردع والتشاور، ولم يتجاوز التنسيق العام بين الدول الثلاث، فلن تخسر مصر الكثير ببقائها خارجه؛ إذ تستطيع الحفاظ على علاقاتها الثنائية الوثيقة مع أطرافه، والمشاركة معها في صيغ أخرى للتعاون دون تحمل الالتزامات الكاملة للتحالف.
أما إذا بدأ الاتفاق يتحول تدريجيًا إلى مؤسسة أمنية حقيقية، لها أمانة دائمة، وآليات منتظمة لاتخاذ القرار، وتبادل استخباراتي، وتنسيق في الدفاع الجوي والصاروخي، ومناورات دورية، ومشتريات عسكرية مشتركة، ومشروعات متكاملة للصناعات الدفاعية؛ فإن المسألة تصبح مختلفة تمامًا.
لأننا عندئذ لن نكون أمام اتفاق بين ثلاث دول فحسب، وإنما أمام نواة محتملة لمركز أمني وعسكري جديد في العالمين العربي والإسلامي.
ومركز هذه النواة سيكون مثلثًا بالغ الأهمية:
الرياض – أنقرة – إسلام آباد.
وهنا يظهر السؤال المصري الأخطر:
هل من مصلحة القاهرة أن تتشكل منظومة أمنية كبرى في محيطها، بينما تظل بعيدة عن الغرفة التي تُصاغ فيها عقيدتها وتُحدد داخلها أولوياتها؟
أعتقد أن الإجابة تستحق قدرًا كبيرًا من التفكير.
لماذا يبدو المثلث الثلاثي جذابًا؟
لأن الدول الثلاث لا تتشابه تمامًا، وإنما تمتلك عناصر يمكن أن تتكامل.
فالسعودية تمتلك الموارد المالية والطاقة والموقع المركزي في العالمين العربي والإسلامي، فضلًا عن قدرتها على تمويل المشروعات الكبرى وتحويل التفاهمات السياسية إلى برامج قابلة للتنفيذ.
وتركيا تمتلك جيشًا كبيرًا، وخبرة عملياتية، وصناعة دفاعية متقدمة نسبيًا، وقاعدة تكنولوجية تتوسع بسرعة في مجالات الطائرات المسيرة والصواريخ والسفن والأنظمة الإلكترونية.
أما باكستان فتمتلك جيشًا ضخمًا، وخبرة عسكرية ممتدة، وثقلًا بشريًا واستراتيجيًا، إلى جانب كونها الدولة الإسلامية الوحيدة التي تمتلك سلاحًا نوويًا.
غير أن الوجود النووي الباكستاني يظل عنصرًا في الحسابات الاستراتيجية العامة، ولا يعني بذاته أن الاتفاق أنشأ مظلة نووية مشتركة، أو أن إسلام آباد قدمت ضمانًا نوويًا إلى بقية الأطراف؛ فمثل هذا الاستنتاج يحتاج إلى التزام صريح لم يُعلن عنه.
ومع هذا التحفظ، يمكن القول إن المثلث يجمع نظريًا:
الموارد والاستثمار السعودي، والتكنولوجيا والصناعة الدفاعية التركية، والخبرة العسكرية والوزن الردعي الباكستاني.
وهي معادلة تحمل قدرًا كبيرًا من القوة، إذا تمكنت الدول الثلاث من تجاوز اختلاف عقائدها العسكرية وأولوياتها الأمنية ومنظومات تسليحها وعلاقاتها الدولية.
ماذا تضيف مصر؟
إضافة مصر لا تعني ببساطة إضافة جيش رابع إلى الاتفاق.
إنها تعني توسيع المجال الاستراتيجي للمنظومة ليشمل شرق المتوسط وقناة السويس والبحر الأحمر والعمق الإفريقي.
فتأمل الخريطة:
تركيا وشرق المتوسط، ثم مصر وقناة السويس، ثم البحر الأحمر والسعودية، وصولًا عبر بحر العرب إلى باكستان والمحيط الهندي.
ومع وجود مصر، يمكن أن تكتسب المنظومة امتدادًا استراتيجيًا يبدأ من شرق المتوسط ويصل إلى المحيط الهندي، مع حضور مباشر في أهم الممرات البحرية التي تصل أوروبا بآسيا ومصادر الطاقة بأسواقها.
وتضيف مصر إلى ذلك ثقلها العربي، وقدراتها العسكرية التقليدية، وموقعها في إفريقيا، وحدودها المتصلة بليبيا والسودان وغزة وإسرائيل، وإشرافها السيادي على قناة السويس، وإطلالتها المزدوجة على البحرين المتوسط والأحمر.
كما أن دخول مصر سيمنح التشكيل توازنًا سياسيًا أكبر؛ فالقاهرة ليست مجرد قوة عسكرية، وإنما مركز عربي تاريخي، ودولة تمتلك شبكة واسعة من العلاقات الإفريقية والعربية والدولية، ولديها خبرة طويلة في إدارة التوازنات وعدم الاندفاع خلف الاستقطابات الحادة.
ولهذا، فإن مصر ليست مرشحًا عاديًا للانضمام.
فدخولها يمكن أن يغير طبيعة الاتفاق نفسه، وينقله من مثلث يجمع ثلاث قوى إقليمية إلى إطار أوسع يمتلك امتدادًا عربيًا وإفريقيًا وشرق متوسطيًا أكثر وضوحًا.
مصر لا ينبغي أن تدخل بوصفها «العضو الرابع»
وهذه، في تقديري، هي النقطة المركزية.
إذا قررت مصر الاقتراب من هذا المشروع، فلا ينبغي أن يكون الهدف مجرد إضافة توقيع مصري إلى اتفاق صاغته ثلاث دول، ولا أن تدخل في مرحلة لاحقة لتتكيف مع مؤسسات وقواعد اكتمل تشكيلها في غيابها.
فدولة بحجم مصر، وباتساع مصالحها وتشابك علاقاتها، لا يكفيها أن تحصل على مقعد داخل منظومة أمنية؛ بل يجب أن يكون لها دور في تحديد طبيعة هذه المنظومة والغاية منها وحدودها السياسية والاستراتيجية.
ولا يعني ذلك السعي إلى امتياز مصري على بقية الدول، وإنما ضمان أن يكون دخول القاهرة إضافة متبادلة: تستفيد المنظومة من القوة والموقع المصريين، وتستفيد مصر من الردع والتكنولوجيا والتنسيق، دون أن تفقد استقلال قرارها الوطني.
وبعبارة أوضح:
الأفضل لمصر ليس أن تلحق بالثلاثي بعد اكتماله، وإنما أن تفاوض، إذا قررت الدخول، على تحويله إلى رباعية جديدة تكون شريكًا في تأسيسها وصياغة توجهها.
أما الكيفية التي يمكن أن يتم بها ذلك، والضمانات القانونية والاستراتيجية اللازمة له، فهي مسألة تستحق معالجة مستقلة؛ لأنها لا تتعلق بمجرد قرار سياسي بالانضمام، وإنما بتصميم علاقة دقيقة بين الردع الجماعي وسيادة الدولة على قرار الحرب والسلام.
بين التسرع والتأخر
القرار المصري، إذن، يحتاج إلى قدر بالغ من الدقة.
فالانضمام المتعجل قد يحمل مصر التزامات لا تحتاجها، ويضعها أمام أزمات لم تكن جزءًا من حساباتها الأصلية.
لكن الانتظار المفرط يحمل خطرًا آخر: أن تنضج المؤسسة الجديدة، وتتشكل أمانتها وقواعدها وعقيدتها ومصالحها الصناعية والاقتصادية، ثم تدخل مصر إليها لاحقًا باعتبارها عضوًا في نظام كتبه الآخرون.
وفي العلاقات الدولية، هناك فارق هائل بين أن تنضم دولة إلى مؤسسة قائمة، وبين أن تكون حاضرة في لحظة تأسيسها.
فالأعضاء المؤسسون لا يحصلون فقط على مقاعد داخل المؤسسات؛ بل يضعون التعريفات الأولى للمصالح والتهديدات، ويحددون موازين التصويت، ويرسمون العلاقة بين الالتزام الجماعي والقرار الوطني.
أما من يأتي بعد ذلك، فإنه يجد نفسه غالبًا أمام قواعد مستقرة يصعب تعديلها، مهما بلغ وزنه.
ولهذا، فإن الخيار الأكثر اتزانًا بالنسبة إلى مصر ليس الرفض المسبق ولا الاندفاع غير المحسوب، وإنما الاقتراب الواعي، ومراقبة تطور الاتفاق، والانخراط في الحوار حول مستقبله من موقع القوة.
السؤال الأكبر: هل يتغير النظام الإقليمي؟
وراء كل ذلك سؤال يتجاوز مصر ذاتها.
هل نحن أمام اتفاق دفاعي فرضته ظروف استثنائية، وسيظل محكومًا بحسابات اللحظة التي وُلد فيها؟
أم أننا أمام بداية انتقال تدريجي في بنية الأمن الإقليمي، من الاعتماد شبه الكامل على المظلة الغربية إلى نموذج أكثر تنوعًا واستقلالًا، تتقاسم فيه القوى الإقليمية مسؤولية حماية مصالحها؟
الإجابة لم تتضح بعد.
فالدول الثلاث لا تزال تحتفظ بعلاقات أمنية ودفاعية عميقة مع قوى غربية، وتركيا عضو في حلف الناتو، كما أن بناء تحالف فعال يحتاج إلى أكثر من النصوص والبيانات؛ يحتاج إلى توافق سياسي مستمر، ومؤسسات قادرة على اتخاذ القرار، وتكامل عملياتي، واستعداد لتحمل التكلفة عند وقوع الاختبار الحقيقي.
لكن إذا كان الاحتمال الثاني هو الذي سيتحقق، فإن أهمية اتفاق مكة لن تكون فيما ينص عليه اليوم فقط، وإنما فيما يمكن أن يصبح عليه غدًا.
ومن هنا تكتسب مصر أهميتها.
فوجود السعودية وتركيا وباكستان يصنع مثلث قوة مهمًا.
أما وجود مصر معها، فيمكن أن يفتح الطريق أمام نظام جيوسياسي أوسع وأكثر توازنًا.
الخاتمة: الغياب الذي قد يكون موقفًا
لا ينبغي تفسير عدم وجود مصر في النواة الأولى لاتفاق مكة باعتباره بالضرورة تراجعًا لدورها أو استبعادًا لها، كما لا ينبغي الاطمئنان إلى أن بقاءها خارج الاتفاق لن يحمل أي تكلفة مستقبلية.
فقد يكون الغياب الحالي تعبيرًا عن الحذر، أو انتظارًا لاتضاح طبيعة الالتزامات، أو حرصًا على استقلال القرار العسكري المصري.
وهذه كلها اعتبارات مفهومة بالنسبة إلى دولة تتصل مصالحها بدوائر متعارضة تمتد من الخليج وشرق المتوسط إلى إفريقيا وجنوب آسيا.
لكن قيمة هذا الغياب تتوقف على ما يحدث بعده.
فإذا ظل الاتفاق إطارًا محدودًا للتشاور، كان البقاء خارجه خيارًا قليل التكلفة. أما إذا تطور إلى مؤسسة أمنية دائمة، فإن استمرار الغياب قد يعني تراجع قدرة مصر على التأثير في نظام يتشكل داخل مجالها الاستراتيجي المباشر.
ولهذا، فإن السؤال الصحيح ليس فقط:
لماذا لم تنضم مصر؟
بل أيضًا:
متى يصبح البقاء خارج الاتفاق أكثر كلفة من الدخول إليه؟
وفي تقديري، ينبغي أن تظل الإجابة المصرية محكومة بقاعدة واضحة:
تقترب مصر من الاتفاق بقدر ما يضاعف قدرتها على التأثير، ويعزز أمنها، ويفتح أمامها مجالات حقيقية للتكنولوجيا والتصنيع والتنسيق؛ لكنها لا تدخل إلا إذا كان دخولها دخول شريك مؤسس لا تابع، وصانع للقواعد لا متلقيًا لها، ومستفيدًا من الردع الجماعي دون أن تتنازل عن سيادتها على قرار الحرب والسلام.
فالقوى الكبرى لا تُقاس فقط بعدد التحالفات التي تنضم إليها، وإنما بقدرتها على تحديد أي تحالف يستحق الدخول، ومتى تدخل إليه، وبأي صفة، وأي موقع تحتله عندما تجلس إلى المائدة.
وقد يكون غياب مصر اليوم أقل أهمية بكثير من السؤال الذي سيحدد موقعها غدًا:
عندما تتشكل معادلة الأمن الجديدة في الشرق الأوسط والعالم الإسلامي، هل ستكون القاهرة خارج الغرفة، أم ستكون إحدى الدول التي شاركت في تصميمها من الأساس؟