سياسة

اليمن والحوثيون: من تمرد صعدة إلى صراع البحر الأحمر الجزء الرابع: من عاصفة الحزم إلى مقتل صالح — كيف تحولت الحرب إلى استنزاف؟ بقلم د. وليد العزبي

October 2, 2026 admin لا توجد تعليقات

مع نهاية عام ٢٠١٥ كانت الخطوط الكبرى للحرب اليمنية قد أصبحت أكثر وضوحًا.

فقد نجح التحالف العربي والقوات اليمنية المناهضة للحوثيين في وقف تمددهم نحو الجنوب واستعادة عدن ومناطق أخرى، لكن صنعاء بقيت خارج سيطرة الحكومة المعترف بها دوليًا.

وهكذا انتقلت الحرب من مرحلة التقدم السريع وتبدل موازين القوة إلى مرحلة أكثر تعقيدًا:

مرحلة تثبيت النفوذ والاستنزاف وإعادة بناء مراكز القوة داخل كل معسكر.

ومن هنا لم يعد السؤال:

لماذا بدأت الحرب؟

بل أصبح:

لماذا لم تنتهِ؟

فالفارق في القدرات العسكرية والتقنية كان كبيرًا، ومع ذلك لم ينهَر الحوثيون، ولم تتمكن الحكومة من العودة إلى العاصمة.

وكان وراء ذلك مجموعة من العوامل العسكرية والجغرافية والسياسية التي تداخلت معًا، وحولت الحرب من مواجهة كان يُتصور أنها محدودة إلى صراع طويل ومفتوح.

لماذا صمد الحوثيون؟

بحلول عام ٢٠١٦ لم يعد الحوثيون مجرد حركة مسلحة تعتمد على مقاتليها التقليديين.

فالسيطرة على صنعاء ومؤسسات الدولة أتاحت لهم الاستفادة من كميات كبيرة من الأسلحة والمعدات التي كانت تابعة للجيش اليمني، كما استفادوا من الوحدات العسكرية وشبكات النفوذ المرتبطة بالرئيس السابق علي عبدالله صالح.

وكان هذا التحالف أحد أهم مصادر القوة خلال السنوات الأولى من الحرب.

فصالح كان يمتلك علاقات واسعة داخل الجيش والأجهزة الأمنية والإدارة والقبائل، بينما كان الحوثيون يمتلكون تنظيمًا عسكريًا أكثر تماسكًا وخبرة طويلة في القتال.

وقد أدى اجتماع القوتين إلى تشكيل خصم أكثر قدرة على الصمود مما كان يمكن أن تكون عليه جماعة الحوثيين منفردة.

كما لعبت الطبيعة الجغرافية لشمال اليمن دورًا أساسيًا.

فالمرتفعات الجبلية والمناطق الوعرة توفر بيئة شديدة الصعوبة للقوات المهاجمة، في حين كان الحوثيون يمتلكون خبرة طويلة في القتال داخل هذه المناطق اكتسبوها خلال حروب صعدة الست.

ولهذا كان تدمير بعض المواقع العسكرية أو مخازن الأسلحة لا يعني بالضرورة انهيار السيطرة على الأرض.

الحوثيون يعيدون بناء سلطتهم

مع استمرار الحرب بدأ الحوثيون في تحويل سيطرتهم العسكرية إلى سلطة أكثر تنظيمًا.

فأعيد ترتيب الأجهزة الأمنية والإدارية داخل صنعاء، وتوسعت المؤسسات المرتبطة بالجماعة، وأصبحت القيادة الحوثية أكثر حضورًا في إدارة المناطق التي تسيطر عليها.

وفي المقابل، بقيت الحكومة المعترف بها دوليًا خارج صنعاء، بينما توزعت سلطتها الفعلية بين مناطق وقوى محلية مختلفة.

وأصبحت البلاد تدريجيًا مقسمة إلى مراكز نفوذ متنافسة.

وقد خلص فريق الخبراء التابع لمجلس الأمن إلى أن تحقيق انتصار عسكري كامل لأي من أطراف الحرب لم يعد احتمالًا واقعيًا في المدى القريب، وأن اليمن أصبح موزعًا بين مراكز قوى متنافسة.[١]

وهنا بدأ المأزق الحقيقي للحرب.

فالقوة التي تملك التفوق العسكري الأكبر لم تكن قادرة على فرض تسوية نهائية.

والقوة التي تسيطر على صنعاء لم تكن قادرة بدورها على السيطرة على كامل اليمن.

الحرب تغير الحوثيين

لم تؤد الحرب فقط إلى استمرار الحوثيين، بل ساهمت أيضًا في تغيير طبيعة الجماعة نفسها.

فالجماعة التي بدأت في صعدة كحركة محلية أصبحت تدير العاصمة وأجزاء واسعة من البلاد، وتتعامل مع اقتصاد ومؤسسات وسكان يقدرون بالملايين.

وفي الوقت ذاته، ساعد استمرار التدخل العسكري الخارجي الحوثيين على تعزيز خطابهم السياسي بوصفهم قوة تواجه تدخلًا أجنبيًا.

وقد استخدموا هذا الخطاب في تعبئة أنصارهم وتعزيز حضورهم داخل المناطق التي يسيطرون عليها.

ومع مرور الوقت أصبح الصراع بالنسبة إليهم ليس مجرد صراع داخلي على السلطة، بل مواجهة يقدمونها لأنصارهم باعتبارها دفاعًا عن اليمن في مواجهة تدخل خارجي.

الصواريخ تغير طبيعة الحرب

من أهم التحولات التي شهدتها هذه المرحلة تطور استخدام الحوثيين للصواريخ والطائرات المسيّرة.

ففي بداية الحرب كان مركز المواجهة الأساسي داخل الأراضي اليمنية.

لكن مع مرور الوقت بدأ الحوثيون في استهداف المناطق الحدودية السعودية، ثم توسعت دائرة الهجمات لتشمل مطارات ومنشآت ومدنًا داخل المملكة.

وهنا تغيرت إحدى المعادلات الأساسية للصراع.

فالسعودية لم تعد تواجه فقط قوة مسلحة داخل اليمن، بل خصمًا يستطيع نقل جزء من الحرب إلى داخل أراضيها.

ومع تطور مدى الصواريخ والطائرات المسيّرة أصبحت مسألة حماية المدن والمنشآت السعودية جزءًا رئيسيًا من حسابات الحرب.

العلاقة مع إيران

تزامن ذلك مع توسع العلاقة بين الحوثيين وإيران.

وتناولت تقارير أممية خلال سنوات الحرب مسألة وصول أسلحة ومكونات وتقنيات عسكرية إلى الحوثيين، إلى جانب تنامي الدعم السياسي والإعلامي الإيراني للجماعة.

لكن فهم هذه العلاقة يحتاج إلى قدر من الدقة.

فوجود دعم إيراني للحوثيين لا يعني بالضرورة أن الجماعة نشأت بوصفها أداة إيرانية أو أنها لا تمتلك أهدافًا ومصالح محلية خاصة بها.

فالحوثيون نشأوا داخل بيئة يمنية، وخاضوا صراعاتهم الأولى مع الدولة قبل أن تصبح علاقتهم بإيران بالحجم الذي وصلت إليه لاحقًا.

والأدق أن الحرب دفعت العلاقة بين الطرفين إلى مستوى أعمق، بحيث أصبحت إيران مصدرًا مهمًا للدعم السياسي والعسكري والتقني، بينما أصبح الحوثيون جزءًا متزايد الأهمية من شبكة حلفاء إيران في المنطقة.

لكن التحالف الأخطر كان داخل صنعاء

في الوقت الذي كانت فيه الحرب الإقليمية تتوسع، كان تحالف آخر يبدأ في التآكل من الداخل.

ذلك هو التحالف بين الحوثيين والرئيس السابق علي عبدالله صالح.

منذ البداية لم يكن التحالف بين الطرفين قائمًا على توافق سياسي أو فكري حقيقي.

فصالح هو الرئيس الذي خاضت دولته ست حروب ضد الحوثيين بين عامي ٢٠٠٤ و٢٠١٠.

لكن بعد خروجه من السلطة التقت مصالح الطرفين.

احتاج صالح إلى الحوثيين لإضعاف خصومه واستعادة جزء من نفوذه.

واحتاج الحوثيون إلى شبكات صالح داخل الجيش والأمن والإدارة للسيطرة على مؤسسات الدولة وتوسيع نفوذهم.

وكان الطرفان يعرفان أن تحالفهما تحالف مصلحة أكثر منه تحالفًا سياسيًا دائمًا.

ميزان القوة يتغير داخل صنعاء

خلال السنوات التالية تغيرت العلاقة تدريجيًا.

ففي البداية كانت شبكات صالح العسكرية والإدارية عنصرًا بالغ الأهمية في قوة التحالف.

لكن الحوثيين عملوا بصورة متواصلة على بناء أجهزة أمنية وعسكرية خاصة بهم وعلى تعزيز نفوذهم داخل المؤسسات.

وبمرور الوقت أصبحت الجماعة أقل اعتمادًا على صالح.

وفي المقابل بدأ صالح يشعر بأن النفوذ ينتقل تدريجيًا من يديه إلى أيدي الحوثيين.

وكان ذلك وضعًا يصعب استمراره.

فالرجل الذي حكم اليمن لأكثر من ثلاثة عقود وجد نفسه شريكًا داخل سلطة لا يسيطر عليها بالكامل.

أما الحوثيون فلم يعودوا مستعدين لقبول بقاء مركز قوة مستقل داخل صنعاء يمكنه في لحظة ما أن ينقلب عليهم.

وهكذا أصبح الصدام مسألة وقت.

ديسمبر ٢٠١٧: التحالف ينهار

في أواخر عام ٢٠١٧ خرج الخلاف إلى العلن.

اندلعت اشتباكات بين القوات الموالية لصالح والحوثيين داخل صنعاء.

وفي الثاني من ديسمبر أعلن صالح استعداده لفتح «صفحة جديدة» مع دول التحالف إذا تغيرت ظروف المواجهة ورفعت القيود المفروضة على اليمن.

كان هذا الإعلان نهاية فعلية لتحالف استمر قرابة ثلاث سنوات.

لكن صالح كان قد تأخر.

فميزان القوة داخل صنعاء لم يعد هو نفسه الذي كان قائمًا عند دخول الحوثيين العاصمة عام ٢٠١٤.

خلال تلك السنوات استطاع الحوثيون بناء قوة أمنية وعسكرية أكثر استقلالًا، وأصبح وجودهم داخل العاصمة أكثر رسوخًا.

مقتل علي عبدالله صالح

في الرابع من ديسمبر ٢٠١٧ انتهت المواجهة بصورة درامية.

قُتل علي عبدالله صالح بعد انهيار قواته في المواجهات مع الحوثيين.

وبذلك انتهت المسيرة السياسية للرجل الذي حكم اليمن لأكثر من ثلاثة عقود، ثم خرج من السلطة، ثم عاد لاعبًا رئيسيًا من خلال تحالفه مع خصومه السابقين.

وكانت المفارقة التاريخية واضحة:

الرئيس الذي خاض ست حروب ضد الحوثيين انتهى قتيلًا بعد انهيار تحالفه معهم.

لكن الأثر السياسي لمقتله كان أهم من رمزية الحدث نفسه.

لماذا لم يؤد مقتل صالح إلى انهيار الحوثيين؟

كان من الممكن أن يؤدي مقتل صالح إلى تفكك السلطة المسيطرة على صنعاء، خصوصًا أن جانبًا من قوتها العسكرية والإدارية كان قائمًا على شبكاته.

لكن ما حدث كان مختلفًا.

تمكن الحوثيون من إحكام قبضتهم على العاصمة، وتفكيك جزء من شبكات صالح، واستيعاب أو تحييد أجزاء أخرى.

وهكذا خرجت الجماعة من المواجهة باعتبارها مركز القوة الرئيسي داخل صنعاء.

ومنذ تلك اللحظة لم يعد هناك شريك داخلي يمتلك نفوذًا يمكن مقارنته بنفوذ الحوثيين داخل المناطق التي يسيطرون عليها.

وفي المقابل لم يختف معسكر صالح تمامًا.

فقد برزت لاحقًا قوات يقودها ابن شقيقه طارق صالح، وأصبحت جزءًا مهمًا من القوى المناهضة للحوثيين، وخصوصًا على الساحل الغربي.

٢٠١٨: الحديدة تصبح مركز الحرب

بعد مقتل صالح انتقل جانب مهم من الثقل العسكري إلى الساحل الغربي.

وتقدمت القوات المناهضة للحوثيين والمدعومة من التحالف باتجاه مدينة الحديدة.

ولم تكن الحديدة مدينة عادية في حسابات الحرب.

فميناؤها يمثل أحد أهم المنافذ التي تدخل منها الأغذية والوقود والسلع والمساعدات إلى مناطق واسعة من اليمن.

ومن الناحية العسكرية كان فقدان الحوثيين للحديدة سيضعهم تحت ضغط اقتصادي واستراتيجي بالغ.

لكن المشكلة أن القتال داخل المدينة وحول الميناء كان يحمل مخاطر إنسانية هائلة.

فاليمن كان يعيش بالفعل واحدة من أكبر الأزمات الإنسانية في العالم.

وخلال عام ٢٠١٨ قدرت الأمم المتحدة أن نحو اثنين وعشرين مليون شخص كانوا بحاجة إلى مساعدات إنسانية، بما يعادل ثلاثة أرباع السكان تقريبًا.[٢]

ولهذا أصبحت معركة الحديدة لحظة يتقاطع فيها الهدف العسكري مع الخوف من انهيار إنساني أوسع.

اتفاق ستوكهولم

في ديسمبر ٢٠١٨ اجتمع ممثلو الحكومة اليمنية والحوثيين في السويد برعاية الأمم المتحدة.

وفي الثالث عشر من ديسمبر تم التوصل إلى ما عُرف باسم اتفاق ستوكهولم.

وتضمن الاتفاق ثلاثة مسارات رئيسية:

وقف إطلاق النار وإعادة انتشار القوات في مدينة الحديدة وموانئ الحديدة والصليف ورأس عيسى.

وتفعيل آلية لتبادل الأسرى.

وتفاهمًا يتعلق بمدينة تعز.

ثم أيد مجلس الأمن الاتفاق في قراره رقم ٢٤٥١ الصادر في الحادي والعشرين من ديسمبر ٢٠١٨، ودعا الطرفين إلى احترام وقف إطلاق النار وتنفيذ إعادة الانتشار المتبادل للقوات.[٣]

ماذا حقق اتفاق ستوكهولم؟

أوقف الاتفاق عمليًا اندفاع المعركة الكبرى باتجاه الحديدة.

ومن هذه الزاوية استفاد الحوثيون عسكريًا، لأن الهجوم الذي كان يهدد أحد أهم مواقعهم الاستراتيجية توقف.

لكن من المهم عدم المبالغة في تفسير الاتفاق.

فاتفاق ستوكهولم لم يمنح الحوثيين حقًا قانونيًا في السيطرة على الحديدة، ولم يعترف بسيادتهم عليها.

بل نص على وقف إطلاق النار وإعادة انتشار متبادل للقوات من المدينة والموانئ إلى مواقع متفق عليها خارجها.[٣]

لكن التنفيذ واجه خلافات وصعوبات كبيرة، ولم يؤد إلى انتقال المدينة إلى سيطرة الحكومة.

وبذلك بقي ميزان القوة الأساسي دون تغيير جوهري.

توقفت المعركة الواسعة، لكن المشكلة السياسية والعسكرية بقيت قائمة.

الأزمة الإنسانية تصبح جزءًا من الحرب

في هذه المرحلة لم تعد الأزمة الإنسانية نتيجة جانبية للصراع.

بل أصبحت أحد أهم عناصره.

فالقتال المستمر، وتراجع الاقتصاد، وتعطل الرواتب والخدمات، وصعوبة حركة التجارة والإمدادات، أدت جميعها إلى تدهور واسع في الظروف المعيشية.

ومع بداية عام ٢٠١٩ كانت تقديرات الأمم المتحدة تشير إلى أن أكثر من أربعة وعشرين مليون شخص أصبحوا بحاجة إلى شكل من أشكال المساعدة والحماية الإنسانية.[٢]

وهكذا أصبحت كل عملية عسكرية كبرى، وخصوصًا في مناطق الموانئ والطرق الرئيسية، مرتبطة مباشرة بمخاوف تتعلق بالغذاء والدواء وحركة المساعدات.

وفي المعسكر الآخر بدأت أزمة مختلفة

في الوقت الذي أصبح فيه الحوثيون أكثر تماسكًا داخل مناطق سيطرتهم، بدأت الخلافات داخل المعسكر المناهض لهم تصبح أكثر وضوحًا.

فالجنوب لم يكن كتلة سياسية واحدة.

وكانت هناك قوى جنوبية ترى أن الحرب لا يجب أن تنتهي بمجرد إعادة الحكومة إلى صنعاء، وإنما يجب أن تعيد طرح قضية الجنوب ومستقبله السياسي.

وفي مقدمة هذه القوى ظهر المجلس الانتقالي الجنوبي.

كان المجلس يقاتل الحوثيين، لكنه في الوقت نفسه لم يكن متفقًا مع الحكومة المعترف بها دوليًا بشأن شكل الدولة اليمنية نفسها.

فالحكومة تتمسك رسميًا بوحدة اليمن.

أما المجلس الانتقالي فيتبنى مشروعًا يقوم على استعادة دولة الجنوب السابقة.

وهكذا ظهرت إحدى أكثر مفارقات الحرب تعقيدًا:

القوى التي اجتمعت على مواجهة الحوثيين لم تكن متفقة على شكل اليمن الذي تريد بناءه بعد الحرب.

لماذا تعذر الحسم؟

بحلول نهاية عام ٢٠١٨ أصبح واضحًا أن المشكلة لا ترجع إلى عامل واحد.

فالتحالف امتلك تفوقًا عسكريًا وتقنيًا كبيرًا، لكنه كان يخوض حربًا في بيئة جغرافية واجتماعية وسياسية شديدة التعقيد.

والحوثيون استفادوا من أسلحة الدولة وشبكات صالح، ثم استطاعوا بعد مقتله إعادة تنظيم سلطتهم بصورة أكثر تركيزًا.

كما ساعدت الطبيعة الجبلية لشمال اليمن على الحد من أثر التفوق الجوي.

وفي الوقت نفسه أصبحت علاقة الحوثيين بإيران أكثر أهمية، وتطورت قدراتهم الصاروخية وقدرات الطائرات المسيّرة.

أما المعسكر المناهض لهم فلم يكن موحدًا سياسيًا أو عسكريًا.

فالحكومة وقوى الجنوب والقوى المحلية المختلفة كانت تجمعها مواجهة الحوثيين، لكنها لم تكن تمتلك بالضرورة مشروعًا سياسيًا واحدًا.

ولهذا أصبحت الحرب أقرب إلى توازن عجز متبادل.

الحوثيون لا يستطيعون السيطرة على اليمن كله.

وخصومهم لا يستطيعون إخراجهم من صنعاء.

وقد وصل فريق الخبراء التابع لمجلس الأمن إلى نتيجة قريبة من ذلك عندما اعتبر أن تحقيق انتصار عسكري كامل لأي طرف لم يعد احتمالًا واقعيًا في المدى القريب.[١]

النتيجة الأهم

بين عامي ٢٠١٥ و٢٠١٨ تغيرت طبيعة الحرب اليمنية بصورة عميقة.

لم تعد المسألة مجرد تدخل عسكري لإعادة الحكومة إلى صنعاء.

فالحوثيون لم يسقطوا.

وعلي عبدالله صالح، الذي كان شريكهم الأقوى، خرج من المشهد نهائيًا.

والجماعة استطاعت بعد مقتله أن تصبح صاحبة السلطة الأكثر تركيزًا داخل مناطق سيطرتها.

أما الحكومة المعترف بها دوليًا فبقيت خارج العاصمة، وبدأت تواجه مشكلة جديدة داخل المعسكر المناهض للحوثيين نفسه.

ثم جاءت معركة الحديدة واتفاق ستوكهولم لتؤكدا حقيقة أخرى:

أن الحرب وصلت إلى مرحلة أصبح فيها الحسم العسكري الشامل أكثر صعوبة، بينما أصبحت تكلفة استمرار القتال أكبر.

ومن هنا بدأ السؤال الاستراتيجي يتغير.

لم يعد السؤال فقط:

كيف يمكن هزيمة الحوثيين؟

بل أصبح:

كيف يمكن إنهاء الحرب من دون أن يصبح اليمن مصدر تهديد دائم لجيرانه، ومن دون أن تتحول التسوية إلى اعتراف نهائي بتقسيم البلاد بين سلطات متنافسة؟

لكن الوصول إلى هذه التسوية كان سيواجه عقبة جديدة.

فالخلاف لم يعد فقط بين الحكومة والحوثيين.

بل بدأ يظهر داخل المعسكر الذي يقاتل الحوثيين نفسه.

وفي الجنوب كان المجلس الانتقالي يزداد قوة، بينما كانت العلاقة بينه وبين الحكومة تتجه نحو مواجهة مفتوحة.

ومن هنا تبدأ مرحلة جديدة من الأزمة اليمنية.

مرحلة اليمن المنقسم.

يتبع…

الجزء الخامس: اليمن المنقسم — الحكومة والمجلس الانتقالي والحوثيون من اتفاق الرياض إلى هدنة ٢٠٢٢

المراجع

[١] مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، التقرير النهائي لفريق الخبراء المعني باليمن، بشأن تطورات الصراع وتعدد مراكز القوة وتعذر تحقيق انتصار عسكري كامل في الأجل القريب.

[٢] مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية، تقارير الوضع الإنساني في اليمن لعامي ٢٠١٨ و٢٠١٩، بشأن أعداد المحتاجين إلى المساعدة الإنسانية وتدهور الأوضاع الاقتصادية والمعيشية.

[٣] الأمم المتحدة، اتفاق ستوكهولم بشأن اليمن، ديسمبر ٢٠١٨؛ ومجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، القرار رقم ٢٤٥١ لسنة ٢٠١٨ بشأن وقف إطلاق النار وإعادة انتشار القوات في الحديدة وموانئها.

المقال التالي ← → المقال السابق