تاريخ

كيف شكّل «قرن الإذلال» السياسة الصينية الحديثة؟ بقلم د. وليد العزبي

September 15, 2026 admin لا توجد تعليقات

عندما ينظر العالم إلى الصين اليوم، يرى قوةً اقتصادية عملاقة، وجيشًا متطورًا، ومدنًا حديثة تنافس كبريات العواصم العالمية، وبرنامجًا فضائيًا متقدمًا، وشركات تكنولوجية تتحدى الهيمنة الغربية في عدد من المجالات الاستراتيجية. غير أن فهم السياسة الصينية المعاصرة لا يكتمل بالنظر إلى هذه الإنجازات وحدها؛ فالصين لا تقرأ حاضرها بمعزل عن تاريخها، بل تنظر إلى نفسها من خلال ذاكرة جماعية تمتد لقرون، تحمل في طياتها شعورًا عميقًا بفقدان المكانة الوطنية ثم السعي إلى استعادتها.

ومن هنا يبرز سؤال مهم: كيف شكّل التاريخ السياسة الصينية الحديثة؟

يرى كثير من الباحثين أن الصين لا تعتبر نفسها دولةً صاعدة بالمعنى التقليدي، وإنما أمة تستعيد موقعًا تاريخيًا فقدته خلال مرحلة استثنائية من الضعف. فقبل القرن التاسع عشر كانت الإمبراطورية الصينية واحدة من أكبر القوى الحضارية والاقتصادية في العالم، وشكلت لقرون طويلة مركزًا رئيسيًا للتجارة والثقافة في آسيا، وهو ما رسخ لدى الصينيين تصورًا بأن بلادهم كانت تحتل مكانة طبيعية في قلب النظام الإقليمي.

غير أن هذه الصورة بدأت تتغير مع صعود القوى الأوروبية خلال عصر الثورة الصناعية والتوسع الاستعماري. ففي عام 1839 اندلعت حرب الأفيون الأولى بين بريطانيا والصين، لتبدأ مرحلة يطلق عليها الصينيون رسميًا اسم «قرن الإذلال»، وهي الفترة الممتدة تقريبًا من منتصف القرن التاسع عشر حتى قيام جمهورية الصين الشعبية عام 1949، والتي شهدت تعرض الصين لسلسلة من الهزائم العسكرية والاتفاقيات غير المتكافئة التي انتقصت من سيادتها السياسية والاقتصادية، وفتحت موانئها أمام النفوذ الأجنبي بالقوة.¹

ولم تكن هذه التطورات مجرد خسائر إقليمية أو اقتصادية، بل مثلت صدمة حضارية عميقة لدولة اعتادت أن ترى نفسها إحدى أقدم الحضارات وأكثرها تأثيرًا في العالم. وتفاقمت هذه الجراح مع نهاية القرن التاسع عشر، حين تدخلت قوى أجنبية متعددة في الشؤون الصينية، وكان من أبرز مظاهر ذلك دخول قوات التحالف الدولي إلى بكين عقب تمرد الملاكمين عام 1900. وقد أصبحت صور الجنود الأجانب داخل العاصمة الصينية رمزًا للإذلال الوطني في الذاكرة التاريخية الصينية، وما زالت تُستحضر في الخطاب السياسي والثقافي حتى اليوم.

إلا أن الجرح الأعمق، من منظور صيني، جاء من الشرق لا من الغرب.

ففي عام 1937 شنت اليابان حربًا شاملة على الصين، تحولت لاحقًا إلى جزء من الحرب العالمية الثانية. وعلى مدار ثماني سنوات تكبدت الصين خسائر بشرية هائلة؛ إذ تشير التقديرات إلى مقتل ما بين خمسة عشر وعشرين مليون شخص، فضلًا عن ملايين الجرحى والنازحين. كما شهدت مدن صينية عديدة انتهاكات جسيمة، كان أشهرها مذبحة نانجينغ التي تُعد إحدى أكثر الجرائم دموية في القرن العشرين.²

ويرى عدد من المؤرخين أن الجبهة الصينية كانت إحدى أهم ساحات الحرب ضد اليابان، إذ استنزفت جانبًا كبيرًا من القدرات العسكرية اليابانية لسنوات طويلة وأسهمت في إضعاف قدرتها على مواصلة الحرب في آسيا.

إلا أن نهاية الحرب لم تحقق، في نظر كثير من الصينيين، المكانة الدولية التي كانت بلادهم تتطلع إليها. فقد خرجت الولايات المتحدة من الحرب باقتصاد لم يتعرض للدمار داخل أراضيها، وأصبحت القوة الاقتصادية والعسكرية الأولى في العالم، كما قادت عملية إعادة إعمار أوروبا الغربية واليابان، وهو ما عزز النظام الدولي الذي تشكل بعد عام 1945.

وفي المقابل، ورغم أن الصين أصبحت إحدى القوى الكبرى المنتصرة، وحصلت على مقعد دائم في مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، فإن الحرب الأهلية التي أعقبت انتهاء الحرب العالمية الثانية، وانتهت بقيام جمهورية الصين الشعبية عام 1949، حالت دون ترجمة هذه المكانة القانونية إلى نفوذ دولي فعلي، وأبقت البلاد منشغلة بإعادة بناء مؤسساتها واقتصادها المنهك.

ومن هنا يتشكل أحد أبرز عناصر الرواية التاريخية الصينية؛ فالكثير من الصينيين يرون أن بلادهم دفعت ثمنًا بشريًا هائلًا خلال الحرب العالمية الثانية، لكنها لم تحظَ بالاعتراف الدولي الذي يتناسب مع حجم تلك التضحيات.

ولا يقتصر هذا الشعور على النتائج السياسية للحرب، بل يمتد إلى الرواية التاريخية ذاتها. فثمة اعتقاد واسع داخل الأوساط الأكاديمية والثقافية الصينية بأن السردية العالمية للحرب العالمية الثانية ركزت بدرجة كبيرة على الجبهة الأوروبية، وإنزال نورماندي، والحرب في المحيط الهادئ من منظور أمريكي، بينما لم تحظَ الجبهة الصينية بالاهتمام الذي يوازي حجم المعارك والتضحيات التي شهدتها.

ومع تأسيس جمهورية الصين الشعبية بدأت مرحلة جديدة عنوانها استعادة الاستقلال الوطني وبناء الدولة. ورغم التحديات الاقتصادية والسياسية التي واجهتها البلاد خلال العقود الأولى، فإن نقطة التحول الحقيقية جاءت مع الإصلاحات الاقتصادية التي أطلقها دنغ شياو بينغ في أواخر سبعينيات القرن الماضي، والتي فتحت الباب أمام واحدة من أسرع عمليات النمو الاقتصادي في التاريخ الحديث.

ومنذ ذلك الحين تحولت الصين إلى ثاني أكبر اقتصاد في العالم، وأنشأت أكبر شبكة للقطارات فائقة السرعة، وطورت برنامجًا فضائيًا متقدمًا، وأصبحت لاعبًا رئيسيًا في مجالات التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي والتجارة الدولية.

وفي الداخل الصيني، لا تُقرأ هذه الإنجازات باعتبارها نجاحات اقتصادية أو علمية فحسب، وإنما بوصفها جزءًا من مشروع وطني أشمل لتجاوز آثار «قرن الإذلال» واستعادة المكانة التاريخية التي يرى كثير من الصينيين أنها سُلبت منهم خلال القرنين الماضيين.

ولهذا السبب يتكرر في الخطاب الرسمي للرئيس شي جين بينغ مفهوم «النهضة العظيمة للأمة الصينية»، وهو تعبير لا يقتصر على تحقيق التنمية الاقتصادية أو التفوق التكنولوجي، بل يعكس رؤية استراتيجية تقوم على استعادة القوة الوطنية، وتعزيز الاستقلال، وترسيخ دور الصين باعتبارها قوة عالمية مؤثرة في تشكيل النظام الدولي.³

وفي هذا السياق أيضًا تكتسب قضية تايوان مكانة محورية في التفكير السياسي الصيني؛ إذ ترى بكين أن استكمال وحدة الأراضي الصينية يمثل جزءًا أساسيًا من مشروع النهضة الوطنية، وأن استمرار الانقسام الحالي يمثل أحد الموروثات التاريخية التي خلفتها مرحلة التدخلات الأجنبية والحرب الأهلية، وهو ما يفسر حساسية هذا الملف في السياسة الخارجية الصينية.

ولذلك، فإن فهم السياسة الصينية المعاصرة لا يقتصر على دراسة مؤشرات الاقتصاد أو القدرات العسكرية، بل يتطلب أيضًا فهم الذاكرة التاريخية التي تشكل جزءًا أساسيًا من عملية صنع القرار في بكين. فخلف ناطحات السحاب في شنغهاي، وحاملات الطائرات في بحر الصين الجنوبي، ومبادرة «الحزام والطريق» الممتدة عبر آسيا وأفريقيا وأوروبا، تقف رواية تاريخية ما زالت حاضرة بقوة في الوعي الوطني الصيني.

إن الصين لا تنظر إلى القرن الحادي والعشرين باعتباره قرن المنافسة الاقتصادية فحسب، بل باعتباره مرحلة لاستعادة المكانة التي تعتقد أنها فقدتها خلال فترة استثنائية من تاريخها. ومن ثم، فإن ما يشهده العالم اليوم ليس مجرد صعود قوة جديدة، بل عودة دولة عريقة تسعى، وفقًا لرؤيتها التاريخية، إلى استعادة موقع ترى أنه كان جزءًا من نظام عالمي سبق أن احتلت فيه مكانة محورية.

الهوامش

¹ جوناثان د. سبنس، البحث عن الصين الحديثة، ترجمة مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية، أبوظبي، 2004، ص 173 وما بعدها.

² رانا ميتر، حرب الصين مع اليابان (1937–1945): الكفاح من أجل البقاء، (النسخة الإنجليزية هي المرجع الأكاديمي الأشهر لهذا الموضوع)، Penguin Books، 2013.

³ شي جين بينغ، حول الحكم والإدارة، المجلد الأول، دار اللغات الأجنبية، بكين، 2014.

المقال التالي ← → المقال السابق