منذ أن خرجت الولايات المتحدة من الحرب العالمية الثانية باعتبارها القوة الأعظم في العالم، ترسخ في الوعي الدولي تصور مفاده أن النظام الدولي أصبح أمريكي القيادة، وأن واشنطن تمتلك من الأدوات العسكرية والاقتصادية والمالية ما يجعلها قادرة على فرض إرادتها في مختلف بقاع العالم. غير أن التاريخ يعلمنا أن الهيمنة ليست حالة أبدية، وأن جميع الإمبراطوريات والقوى العظمى مرت بلحظات فارقة كشفت حدود قوتها ومهدت لتحولات كبرى في موازين القوى الدولية.
وفي خضم التوترات المتصاعدة في منطقة الخليج العربي وما شهدته أزمة مضيق هرمز من تحديات غير مسبوقة للمصالح الأمريكية، يثور تساؤل مشروع: هل تمثل هذه الأزمة بداية نهاية الهيمنة الأمريكية على النظام الدولي؟
أولاً: دروس التاريخ وسقوط الإمبراطوريات
التاريخ لا يعرف قوة عظمى استمرت إلى الأبد. فقد كانت الإمبراطورية الفارسية الأخمينية أعظم قوة في عصرها قبل أن تتلقى الضربة القاضية في معركة غوغميلا عام 331 قبل الميلاد. كما مثلت معركة أدريانوبل عام 378 ميلادية بداية إدراك العالم أن الإمبراطورية الرومانية لم تعد عصية على الهزيمة.
وفي العصر الحديث، شكل فشل حصار فيينا عام 1683 بداية التراجع العثماني الطويل، بينما كان غزو نابليون لروسيا عام 1812 نقطة التحول التي انتهت بعدها أحلام الإمبراطورية الفرنسية.
أما بريطانيا، الإمبراطورية التي لم تكن الشمس تغيب عن مستعمراتها، فقد كانت أزمة السويس عام 1956 لحظة الإدراك الكبرى؛ إذ اكتشف العالم أن لندن لم تعد قادرة على اتخاذ قرار استراتيجي مستقل دون موافقة واشنطن. ومنذ ذلك التاريخ انتقل مركز القيادة العالمية من بريطانيا إلى الولايات المتحدة.
واللافت أن هذه الإمبراطوريات لم تسقط فوراً بعد تلك الأحداث، وإنما استمرت سنوات وربما عقوداً، إلا أن لحظة الانكسار الرمزية كانت قد وقعت بالفعل.
ثانياً: أزمة مضيق هرمز وكشف حدود القوة
تمثل منطقة الخليج العربي أحد أهم المراكز الحيوية للاقتصاد العالمي، ويعد مضيق هرمز شرياناً استراتيجياً تمر عبره نسبة كبيرة من صادرات النفط والغاز العالمية.
وعلى الرغم من امتلاك الولايات المتحدة لأضخم قوة بحرية وجوية في التاريخ الحديث، فإن التطورات الأخيرة أظهرت أن القوى الإقليمية باتت قادرة على فرض تكاليف مرتفعة على القوة الأمريكية باستخدام أدوات منخفضة التكلفة نسبياً، مثل الطائرات المسيّرة والصواريخ الدقيقة والحرب غير المتماثلة.
لقد كشفت الأزمة عن حقيقة مهمة مفادها أن التفوق العسكري التقليدي لا يضمن بالضرورة تحقيق التفوق السياسي أو الاستراتيجي. فالمقاتلات التي تبلغ تكلفة الواحدة منها عشرات أو مئات الملايين من الدولارات يمكن أن تواجه تهديدات من مسيّرات لا تتجاوز تكلفتها بضعة آلاف من الدولارات.
وهذه الظاهرة تمثل تحولاً نوعياً في طبيعة الحروب الحديثة، حيث لم تعد القوة تقاس فقط بحجم الجيوش والأساطيل، بل بقدرة الدولة على تحمل تكلفة الصراع واستدامته.
ثالثاً: التراجع النسبي للهيمنة الاقتصادية الأمريكية
على الصعيد الاقتصادي، لا تزال الولايات المتحدة تمتلك أكبر اقتصاد اسمي في العالم، إلا أن الواقع الدولي لم يعد يشبه حقبة التسعينيات التي أعقبت انهيار الاتحاد السوفيتي.
فالصين أصبحت القوة الصناعية الأولى عالمياً، وتجاوزت الولايات المتحدة وفق بعض المعايير الاقتصادية المرتبطة بالقوة الشرائية. كما أن العديد من الدول بدأت تتجه نحو تنويع احتياطياتها النقدية وتقليل اعتمادها المطلق على الدولار الأمريكي.
لقد انخفضت حصة الدولار من الاحتياطيات العالمية بصورة ملحوظة مقارنة بما كانت عليه قبل عقود، كما ارتفعت مشتريات البنوك المركزية للذهب، وتزايدت محاولات استخدام العملات المحلية في التجارة الدولية.
صحيح أن الدولار ما زال يحتفظ بمكانته باعتباره العملة العالمية الأولى، إلا أن الاتجاه العام يشير إلى تراجع الهيمنة المطلقة التي تمتع بها لعقود طويلة.
رابعاً: هل نحن أمام “السويس الأمريكية”؟
يرى بعض المحللين أن ما جرى في مضيق هرمز قد يشبه من حيث الدلالة التاريخية أزمة السويس بالنسبة لبريطانيا. غير أن هذا التشبيه يحتاج إلى قدر من الحذر.
فبريطانيا عام 1956 كانت تواجه قوة صاعدة تفوقت عليها اقتصادياً وعسكرياً ومالياً بصورة واضحة، وهي الولايات المتحدة. أما اليوم فلا يوجد منافس واحد يمتلك مجتمعةً عناصر القوة الأمريكية كافة.
ومع ذلك، فإن المؤشرات المتراكمة لا يمكن تجاهلها:
- صعود الصين كقوة اقتصادية وصناعية عملاقة.
- تنامي دور القوى الإقليمية المتوسطة.
- تراجع فعالية الردع التقليدي أمام الحروب غير المتماثلة.
- ارتفاع الدين الأمريكي إلى مستويات تاريخية.
- تزايد الانقسامات السياسية الداخلية.
- تراجع القدرة على فرض الإرادة الأمريكية بصورة منفردة كما كان الحال بعد الحرب الباردة.
خاتمة
ربما لا تكون أزمة مضيق هرمز هي الحدث الذي سينهي الهيمنة الأمريكية بصورة مباشرة، كما لم تؤد أزمة السويس إلى اختفاء بريطانيا من المسرح الدولي فوراً. غير أن التاريخ يعلمنا أن القوى العظمى لا تنهار فجأة، بل تبدأ رحلتها مع التراجع عندما يصبح الحفاظ على النفوذ أكثر كلفة من العائد الناتج عنه.
ومن هذا المنطلق، قد ينظر مؤرخو المستقبل إلى أزمة مضيق هرمز باعتبارها واحدة من المحطات التي كشفت حدود القوة الأمريكية، وأشارت إلى أن العالم يتجه تدريجياً من مرحلة الأحادية القطبية إلى مرحلة تعدد الأقطاب.
ويبقى السؤال مفتوحاً: هل تمثل هذه الأزمة مجرد تحدٍ عابر لواشنطن، أم أنها بالفعل إحدى العلامات المبكرة على أفول العصر الأمريكي؟
وحده التاريخ سيملك الإجابة النهائية.